العهود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
كنت معيدا بإحدى الكليات فتقدمت لخطبة طالبة بالكلية .. وكان والدها معارا إلى بلد عربي فتقدمت لأمها التي وافقت واشترطت أن تتم الخطبة وعقد القرآن فى يوم واحد .. وتم ذلك وسعدت به , وبعد عقد القرآن بشهر كنت أجلس مع خطيبتي وحدنا في بيتها فإذا بنوبة تشنجات مفاجئة تنتابها فجاءت أمها مسرعة وأمسكت بإبنتها فسألتها عن سبب هذه التشجنات فقالت لي أنها حالة نفسية تأتي لها من حين لآخر, ثم أفاقت خطيبتي وفوجئت بها تنظر إلي في حياء وترجوني ألا أتركها, فقررت أن اصطحبها إلى طبيب متخصص لأعرف سببها واصطحبتها بالفعل من مدينتنا الساحلية إلى طبيب مشهور فى القاهرة ففحصها وأجرى لها رسما للمخ ووصف لها الدواء اللازم واشتريته وراجعته فإذا بي اكتشف إنه دواء للصرع , واكتشفت أنها كانت تتردد على نفس الطبيب منذ 3 سنوات ثم انقطعت عنه , وبدأت اقرأ عن المرض واستشير زملائي الأطباء فعرفت أن الدواء يعمل على أطالة الفترة بين النوبات فقط وواصلنا التردد على الطبيب الكبير ستة شهور وتحملت بالطبع تكلفة السفر وأجر الطبيب وشراء الأدوية, وفى ذلك الوقت عاد أبوها من الاعارة ففوجئت به يخبرني أنه على عكس الاتفاق السابق بيننا لن يقوم باعداد الأثاث كله وإنما سيكتفي بإعداد غرفتي النوم والصالون فقط في نفس الوقت الذى شرع فيه في شراء شقة تمليك لابنائه ودفع مقدم ثمن قطعة أرض للبناء.
واستأت من عدم وفائه بعهوده معي وتمسكت بالاتفاق الذي تم بيننا كما استأت أيضا من تعمد الأسرة إخفاء مرض خطيبتي عني قبل الخطبة وعقد القران .. واتفقنا على أن استرد المهر الذى دفعته والشبكة وننفصل بهدوء .. ثم جاء أخي من قريتي وطلب زيارة أسرة خطيبتي فرفضت وصارحته بالسبب وبكل ما جرى فعاد إلى بلدتنا وأبلغ والدتي بالأمر فأصرت على ألا أتخلى عن خطيبتي بحجة أن الطلاق في أسرتنا أمر مكروه ويضر بسمعتي فوافقت على أن يتدخل شقيقي للإصلاح بيني وبين أسرة خطيبتي , وعادت المياه إلى مجاريها بيننا .
ثم حل موعد سفري إلى أوربا لدراسة الدكتوراه وكان المقرر أن أسافر وحيدا ثم بعد عدة شهور استدعي زوجتي , فأصر والد زوجتي على أن أكتب لزوجتي الشقة التي أملكها خوفا كما قال من أن أسافر ثم لا استدعيها أو أن أهجرها وأتزوج من أجنبية فرفضت باصرار أيضا .. وبعد مداولات طلبت الأم أن أكتب لها بديلا عن الشقة إقرارا بدفع مبلغ خمسة ألاف جنيه أدفعها إذا تزوجت عليها أو طلقتها فوافقت على ذلك بل وتحمست وقررت أن أكتب لها اقرارا بمبلغ عشرين ألف جنيه بشرط تحضر زوجتي معها هذا الاقرار وتعيده إلي حين استدعيها للحضور للحياة معي في المدينة الأوربية التى أدرس بها.
وسافرت إلى أوربا وبعد خمسة شهور ارسلت لزوجتي تذكرة الطائرة وانتظرتها فى المطار .. وعدنا للبيت الذي أقيم فيه وبعد أن فرغنا من حرارة الاستقبال ودهشة التعرف على المكان .. وفرحة اجتماع الشمل سألتها عن الاقرار ففاجأتني بأن أمها قد نسيت أن تعطيه لها قبل سفرها فكتبت لأسرتها رسالة أطالبها فيها بإرسال الاقرار أو تسليمه لأخي فلم أتلق استجابة .. وبعد عامين عدت مع زوجتي في أجازة وأمضينا حوالي شهرين ماطلتني أسرة زوجتي خلالهما في تسليمي الإقرار حتى انتهت الأجازة وعدنا لأوربا بغير أن استرده.
ومضى العامان الباقيان من البعثة وعدت لمصر حاصلا على الدكتوراه وعدت لعملي بالكلية فاكتشفت أن حماتي وهى المتصرفة في كل شئ لم تعد من الأثاث المتفق عليه سوى غرفة نوم غير كاملة ولما طالبتها باستكماله حسب الاتفاق قامت بغير علمي ببيع جزء من شبكة زوجتي لاستكمال غرفة النوم وصنع الصالون ! بل وعرفت أنها خلال سفرنا باعت منها جزءا آخر بغير علمنا أيضا ولم تفعل بثمنه شيئا ! وساءت العلاقة بيني وبينها بسبب كثرة إهانتها لي وتلفظها بألفاظ هابطة معي فطلبت من أقاربها التدخل لاسترداد الاقرار الذي ماطلتني في إعادته 4 سنوات .
وبعد مراوغات طويلة وضغوط مستمرة قبلت اعادته لي بشرط أن أكتب قائمة بالجهاز تتضمن ما اعدته هي منه وكل ما اشتريته من أشياء من الخارج ووافقت ووقعت على القائمة واسترددت الاقرار بعد عذاب طويل .
وطوال ذلك كانت زوجتي تتعاطى أدوية الصرع .. وكانت النوبات تنتابها من حين إلى آخر وهى نوبات قاسية .. وقد حملت بطريق الخطأ ونحن بالخارج خلال فترة تعاطيها للدواء فنصحنا الاطباء بإصرار بأن نجري عملية إجهاض عندما عرفوا أنها تتعاطى أدوية الصرع لخطورة هذه الادوية على جنينها.
والآن يا سيدي فإن زوجتي مريضة بهذا المرض .. وهو يتعارض مع الحمل والانجاب وهو امنيتي منذ زواجي .. ولكي تحمل زوجتي لابد من أن تتوقف عن تعاطى الدواء تماما مما يؤدي إلى حدوث النوبات الصرعية وهي قاسية وأثرها أسوأ من أثر تعاطي الأدوية .
وأنا حائر هل أطلق زوجتي وأتزوج من أخرى خاصة وأن علاقتي بأسرة زوجتي قد ساءت للغاية ووصلت إلى حد المقاطعة بسبب سوء معاملة حماتي لي .. أم هل أتزوج لأنجب واحتفظ بزوجتي هذه مع صعوبة الجمع بين زوجتين وصعوبة الحصول على شقة للزوجة الثانية وهل أأمن على زوجتي هذه وحدها فى شقة إذا ما تزوجت أخرى ؟
ولـــكــاتـب هــذه الـرســالــة أقــول:
يا سيدي أنت بكل أسف تطلعني على صورة كريهة من صور العلاقات الانسانية المتدنية التي تثير الحنق والاستياء .. وأكثر ما يثيرها فيها أنها علاقات بين اناس فى حكم الموسرين لكن احساسهم المادي يطغى على باقي الاعتبارات ويفسد عليهم أجمل ما في الحياة .
عهود ونقض عهود بخلا وليس عجزا ولو كان عجزا لتفهمنا أسبابه وتقبلناه .. توقيع اقرار بمبلغ كبير "كضمان" لاستدعاء الزوجة أو عدم الزواج عليها أو عدم طلاقها .. مماطلة كمماطلة المرابين فى إعادة الاقرار .. استبدال الاقرار بتوقيع قائمة بالأثاث !
ما هذا الغثيان يا صديقي .. إنني أتجاهل عادة أمثال هذه المشاكل ولا أراها جديرة بعرضها واجهاد العقل في التفكير فيها لأنها هموم "تجارية" أكثر منها هموم انسانية , ولولا مرض زوجتك لما وجدت فى نفسي حماسا للتفكير معك فيها .. وعلى هذا الأساس دعني أقل لك أن اخفاء اصهارك حقيقة مرض زوجتك عنك قبل عقد القران خطأ لا شك فيه .. لكنه وللأسف هو الخطأ الإنساني الوحيد في سلسلة أخطائهم "التجارية" الأخرى ولعله الخطأ الوحيد الذى يمكن فهم دوافعه الإنسانية وإن ظل رغم ذلك خطأ لا يغتفر .
أما فيما عدا ذلك فلا شئ سوى الاخطاء التي تثير الغثيان لكنك من ناحية أخرى قد انجرفت في رسالتك إلى الاهتمام بالأخطاء المادية .. أكثر من أي شئ آخر إلى حد اهتمامك بالاشارة إلى تحملك نفقات السفر من مدينتك الساحلية للقاهرة لعرض زوجتك على الطبيب ونفقات الفحص وشراء الدواء لزوجتك .. ومن ذلك قد يبدو أن الإحساس المادي العالي متبادل بينك وبين أسرة زوجتك . ولا شك أن ذلك قد أسهم فى تعقيد الأمور .. فقد لفت نظري بشدة أنك لم تشر إلى طبيعة العلاقة بينك وبين زوجتك وهل هي علاقة مودة ورحمة وتساكن أم لا مع أنها العنصر الأهم فى المشكلة كلها .. واذا صدق ظني فإنك تنعم بزوجة تحسن عشرتك وتتلهف على استمرار الحياة معك وتحمل لك مشاعر عاطفية عميقة كما أنها كسيرة القلب وليست مسئولة لا عن أقدارها التي امتحنتها بالمرض ولا عن تصرفات أسرتها التي تنظر للحياة بمنظار مادي وقد لمست أنت ذلك في توسلها الناطق إليك بألا تهجرها بعد أن عرفت حقيقة مرضها ولاشك أنك قد لمسته عمليا طوال سنوات زواجك في توسلها الصامت إليك ألا تخذلها وألا تتخلى عنها لأسباب لا حيلة لها فيها .
إذن فأنت لا تواجه أية مشكلة مع زوجتك المحبة المستكينة كسيرة القلب بما امتحنتها الاقدار به , فبماذا تعاقبها يا صديقي ؟ هل تعاقبها بأن قيم أسرتها مادية أم بإساءة أمها معاملتك وهي ليست المسئولة عن ذلك أيضا ؟
تبقى بعد ذلك مسألة الانجاب .. وهى أيضا أقدار لا حيلة لزوجتك فيها وأنت وحدك الذي يستطيع أن يقرر هل تغنيه سعادته الشخصية مع زوجه محبة تحسن معاشرته وشديدة اللهفة على ألا تفرط فيه .. أم لا .
وأنت أيضا من يستطيع بالاتفاق مع زوجتك وبرأى الأطباء أولا وأخيرا أن تقرروا هل تضحي زوجتك بتحمل تجربة الامتناع عن تعاطى الدواء وتحمل النوبات القاسية خلال فترة الحمل أم لا ؟ .. أما الزواج من أخرى مع الابقاء على زوجتك فهو حل مشروع .. لكنه يحمل إيلاما شديدا لشريكة عمرك التى لم تسئ إليك ولم تقصر فى ارضائك والتمسك بك .
كما أنه يرشحك لمتاعب كثيرة وللتمزق عاطفيا وانسانيا بين حياتين .. وأنت في غنى عن كل ذلك .
فضلا عن أنه تضحية غير مضمونة النتائج بالموجود أملا فى مفقود هو أولا وأخيرا في علم الغيب ولا يجزم أحد بما سوف يحمله إليك .
ولو انصفت يا صديقي لرضيت بما اختارته لك الأقدار ولفصلت تماما بين مشاكلك مع اصهارك وبين علاقتك بزوجتك المحبة الراضية ولرضيت عن حياتك .. وتمسكت دائما بالأمل فى رحمة الله التي تهبط بغير مقدمات على الموعودين بها حين يشاء ملك الملوك ويأذن إن شاء الله.
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر