المخرج الوحيد .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

المخرج الوحيد .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

المخرج الوحيد .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

أرجو أن تسمح لي بأن أفكر معك في مشكلتي بصوت عال .. فأنا سيدة في السادسة والثلاثين من العمر , منذ أحد عشر عاما توفيت أختي التي تكبرني بعامين تاركة وراءها زوجا فاضلا وبنتا عمرها ثلاث سنوات وأخرى عمرها عاما ونصف عام وطفلا وليدا عمره خمسون يوما، وروعتني وفاة أختي الشابة وهي في السابعة والعشرين من عمرها فحزنت لموتها حزنا شديدا وبعد شهور قليلة من وفاتها بدأ الجميع يحدثونني عن ضرورة أن أتزوج من زوج شقيقتي الراحلة لكي أرعى أطفالها الأيتام الصغار وأحميهم من عوادي الحياة .. ووافقت على الزواج منه وأنا حزينة على أختي وعلى نفسي وطريقة زواجي التي لم أكن أحلم بها حين أفكر في الزواج .. وتزوجت زواجا صامتا لم أرتد فيه الفستان الأبيض وتحيط به ظلال كثيفة من الحزن .. والحرج .. والخجل.

ورغم ذلك فلقد وجدت زوجي كما كان مع شقيقتي رجلا طيبا فاضلا حلو المعاشرة .. يقدر لي زواجي منه واحتضاني لأطفاله ويحاول تعويضي عما حرمت منه من مباهج الفرح المألوفة في كل زواج ..ووفر لي مسكنا مجهزا بكل ما تتمناه أية فتاة وبعد فترة قصيرة من الزواج سافرت معه ومع الأطفال إلى بلد عربي كان يعمل به , وكرست وقتي لرعاية الأطفال الثلاثة الذين حرموا من أمهم .. ورفضت أن أنجب طفلا رابعا من زوجي لكيلا أضيف إلى أعبائي عبئا جديدا يشغلني عن رعاية هؤلاء الأطفال اليتامى , وزاد ذلك من تقدير زوجي لي .. فمضت حياتنا هادئة بلا متاعب .. وفجأة مرض زوجي بعد 4 سنوات فقط من زواجنا مرضا شديدا عانى فيه معاناة قاسية لبضعة أسابيع ثم توفي هو الآخر وأنا بجانبه ورحل عن الحياة تاركا أطفاله الثلاثة قبل أن يشتد عودهم فجدد الأحزان القديمة على رحيل أمهم .. وعلى مصير هؤلاء الأبناء الذين حرمتهم الأقدار من أبويهم ووجدت نفسي أرملة في الثلاثين من عمري وأما لثلاثة أطفال حائرين حزانى فبالغت في رعايتهم ومحاولة تعويضهم عمن فقدوا ورفضت أية فكرة للزواج مرة أخرى .. وواصلت حياتي مع أطفالي الذين لا يعرفون لهم أما غيري .. ومضت 5 سنوات على رحيل زوجي وصلت خلالها ابنتي الكبرى إلى المرحلة الثانوية .. والصغرى إلى المرحلة الاعدادية والإبن الأصغير إلى المرحلة الابتدائية ..

وسعدت بما ألمسه من طيبة يشهد لهم بها الجميع .. وبما تشعه نفوسهم الطيبة من حنان دافق نحوي كأنما يقدرون لي احتضاني لهم منذ طفولتهم المبكرة.

 ومنذ عام واحد بدأت صديقاتي يتحدثن معي عن ضرورة زواجي مرة أخرى حتى لا أعاني من الوحدة في الكبر .. وتطوعت صديقة لي مدرسة فرشحتني لزميل لها على خلق وميسور الحال فتقدم إلى أسرتي طالبا يدي.

وعلم والد زوجي الراحل بأمر هذا الخاطب الجديد فلم تمض أيام حتى جاء لزيارتنا شقيق زوجي الأصغر الذي كان شديد القرب من شقيقه الراحل وتحدث معي عما أريد عن مشروع هذا الزواج فصارحته بأنني في حيرة من أمري وأنني موزعة المشاعر بين رغبتي في السعادة وتجنب الوحدة وبين واجبي تجاه الأبناء الذين يحتاجون إلي في هذه المرحلة من أعمارهم .. ولا هم يستطيعون الحياة بدوني وأنا كل شئ في حياتهم ولا أنا أستطيع فراقهم .. ففوجئت به يقول لي أنه قد فكر جديا في الزواج مني لكي يحافظ على الأولاد وعلي وأنه سوف يتفاهم مع شقيقي على ذلك حتى لا أتزوج رجلا غريبا .. وسعدت بما قال لأنني كنت أخشى فعلا أن أتزوج رجلا غريبا عن أبنائي أو رجلا يريدني وحدي دونهم ويتحكم في حياتنا .. والتقى شقيق زوجي بشقيقي وأبلغه بنيته مؤكدا له أنه سيتقدم لطلب يدي رسميا بعد أن يقنع زوجته بالسماح له بالزواج مني حرصا على مصلحة أبناء شقيقه.

وتوقعت ألا تعترض زوجته على هذا الزواج لأنها صديقتي وعلى علم تام بظروفي لكني ألتقيت بها بعد هذا الحديث مرتين ففوجئت بها بأنها لم تعد الصديقة التي أحبها وتحبني كما كنا حتى وقت قريب وأحسست من معاملتها لي بأنها قد علمت بأمرالزواج وترفضه بإصرار وكانت النتيجة أن أنقطع  عم الأبناء عن زيارتنا أو الاتصال بنا منذ 6 شهور بعد أن كان أقرب الأعمام إلى أبناء أخيه.

أما والد زوجي فهو يزورنا مرتين كل شهر وغاضب جدا من ابنه لأنه لا يريد لي أن أتزوج رجلا غريبا يحل مكان ابنه أو يستمتع بمتاعه الذي جناه بعرق السنين .. كما أنه يريد أيضا أن يكون زوجي محرما للبنتين يأمن عليهما معه .

هذا هو الموقف الذي أواجهه الآن وأريدك يا سيدي أن توجه كلمة لزوجة عم أبنائي تقول لها فيها إن حالتنا المالية طيبة والحمد لله ولسنا في حاجة مادية إلى زوجها .. بل أننا أيضا لا نريده أن يحضر إلينا كل يوم فأنا سيدة متزنة وأقدر ظروفه كرجل متزوج .. لكني فقط إنسانة حطمتني الوحدة .. وتحملت الكثير من الضغط العصبي والمعاناة النفسية .. ولا أريد أن أتخلى عن أبنائي وأتزوج رجلا غريبا .. ولا أستطيع أيضا احتمال الوحدة إلى النهاية .. فعل تستطيع إقناعها بذلك ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكاتــــبـة هـــذه الرســــالـة أقـــــول:

 

من أمور الحياة يا سيدتي ما لا نستطيع أن نطلبه من الآخرين لكننا قد نأمله أو نتوقعه منهم ونسعد به إذا تطوعوا بتقديمه لنا فضلا منهم وتضحية فإذا تقاعسوا عن تقديمه لنا  أو رفضوا فليس من حقنا أن نطلبه منهم ولا حتى أن نلومهم على بخلهم به علينا .. فلكل إنسان قدرته على العطاء للآخرين من نفسه التي لا يستطيع أن يتخطاها إلا راغما .. ولا يثمر احراجنا له بالطلب إلا أحد أمرين إما مواجهتنا بالرفض المؤلم الذي قد يقطع ما بيننا وبينه من علاقات انسانية , وإما منحنا ما أردنا منه على مضض وبنفس غير راضية أو كارهة تورطا وضيقا وعجزا عن الرفض الصريح .

ومن هذا النوع من أمور الحياة هذا المطلب الصعب الذي تطلبينه من زوجة عم الأبناء يا سيدتي , فهو نوع من التضحية ببعض حقها في زوجها من أجلك ومن أجل هدف رعاية أبنائك ورغم نبل الهدف فإن التضحية لا تطلب صراحة من أحد .. ولا يجوز الضغط عليه لاقناعه بها .. وإنما تأتي تطوعا ومبادرة من صاحبها كما يقول الشاعر

خير الهداية ما يجئ من الهوى      

من غير ما طلب ولا إطناب

ومادامت زوجة العم الأصغر قد علمت بالمشروع وتغيرت مشاعرها ومعاملتها بعد ذلك فهذا يعني بوضوح انها ترفض الاسهام في حل مشكلتك ومشكلة أبنائك بهذه التضحية التي تطلبينها منها .. وهي مشاركتك لها في زوجها .. وليس من حقك لومها في ذلك فكل إنسان أعلم بظروفه وبما يستطيع أن يحتمله أو لا يحتمله من أشكال العطاء للآخرين .

غير أني ألتمس لك بعض العذر في تصورك "لسهولة" أن تقدم لك زوجة العم هذه التضحية "الإنسانية"  بغير عناء .. فالحق أنك إنسانة مضحية وقادرة على العطاء للآخرين وقد ضحيت بحقك في الزواج الطبيعي الذي تحلم به كل فتاة وتزوجت زواجا مأساويا حزينا تحيط به ظلال الحرج والخجل .. وقدمت لأبناء شقيقتك الراحلة كل عطف ورعايتك وجوزيت عن عطائك لهم حب هؤلاء الأبناء العميق وحنانهم الدافق عليك .. وكرست لهم حياتك بعد رحيل زوجك حتى ثقلت عليك الوحدة وبدأت تتطلعين إلى حقك العادل في الزواج والسعادة فرأيت بإحساسك النبيل بواجبك تجاه "أبنائك" .. وبشخصيتك المضحية التي تتوسم التضحية في الآخرين كما قدمت هي من تضحيات أن أفضل الحلول التي تلبي احتياجاتك النفسية والعاطفية ولا تحرم هؤلاء الأبناء اليتامى في نفس الوقت من رعايتك واحتضانك لهم هو أن تتزوجي من عمهم وأن تسمح بذلك زوجته بلا أدنى ممانعة .. فيسعد الجميع وتجد كل المشاكل حلولها !

وقد أشاركك الرأي في أن هذا الحل يلبي احتياجات الطرفين معا أبنائك وأنت بلا خسائر لأحدهما على حساب الآخر لكن ماذا نستطيع أن نفعل إذا كان الطرف الذي يتحقق به الحل وهو العم لا يستطيع زواجك بغير موافقة زوجته .. وإذا كانت الزوجة ترفض السماح له بذلك إلا إذا طلقها كما يعطيها القانون الحق في ذلك ؟

هل نستطيع أن نرغم الآخرين على المشاركة في حل "مثالي" أو نبيل لا يرون هم فيه مصلحتهم الذاتية .. وليسوا مستعدين للتضحية من أجله ؟

إننا لا نستطيع للأسف يا سيدتي أن نطالب الآخرين بأن يضحوا من أجلنا كما ضحينا نحن من أجل غيرنا إذا كنا ننتظر مقابلا لتضحياتنا فالعدل هو أن ننتظره ممن ضحينا من أجلهم وليس من الآخرين الذين لم يطلبوا منا هذه التضحيات .. والواضح يا سيدتي أن العم نفسه قد عدل عن المشروع برمته بعد أن وازن بين المزايا والمتاعب الشخصية المتوقعة فآثر السلامة , والحفاظ على أسرته وأبنائه . وكل إنسان أعلم بظروفه مرة أخرى.

وليس من حقنا أن نلوم أحدا على نكوصه عن تقديم تضحية لا يقدر عليها لهذا كله فإني أنصحك بأن تصرفي النظر عن هذا الموضوع كله وألا تتشبثي به أو تلحي عليه كحل وحيد لمشكلتك وإلا أشعرت الآخرين وأولهم زوجة هذا العم الشاب أن من بين دوافعك إلى هذا الزواج دوافع شخصية بحتة تخصك أنت , إلى جانب الدوافع الأخرى المتعلقة بمصلحة الأبناء ..

كما أنصحك بأن تهيئي نفسك لقبول زواج آخر لا تترتب عليه مشاكل عائلية جديدة لأحد .. وما أكثر الرحماء الذين يرعون حرمات ربهم في معاملة الأيتام الضعفاء .. ولا يستحلون حرماتهم من أمهم أو ابعادهم عنها.. والحياة ليست غابة يتصارع فيها الوحوش في النهاية يا سيدتي ولسوف يجد أبناؤك دائما من يحميهم ويدفع عنهم الأذى سواء من أهلك أو من أهل أبيهم وهم كثر والحمد لله .. فلماذا نثبت العين على مخرج وحيد من أزمتنا تعترضه صعاب كثيرة .. ولا نبحث عن سعادتنا المشروعة بكل الطرق الأخرى المتاحة.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات