عائل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
أنا يا سيدي أكبر إخوتي الستة .. وأمي ربة بيت طيبة ومظلومة مع أبي الذي يتشاجر معها على كل شئ مهما صغر شأنه، وهو موظف بسيط بإحدى الهيئات الحكومية .. وقد مضت حياتنا بين شجار أبي على كل شئ وبين غضب أمي منه وهجرها البيت لفترات تطول أو تقصر عقب كل نزاع كبير .. وفي هذا الجو المشحون بالعواصف حصلت على الاعدادية وألحقني أبي بمدرسة تجارية ثانوية بدعوى أنه لا يتحمل نفقات التعليم العام.
وحصلت على مؤهلى المتوسط .. وحاول أبي أن يبحث لي عن عمل فلم يجد .. ثم وفقني الله بعد فترة للعمل كمدرسة في مشروع خيري بمرتب صغير، ومنذ قبضت أول مرتب لي بدأت أساعد أسرتي بجزء كبير منه .. وبدأت حياتنا تعرف بعض الراحة .. فإذا بأبي يدخر لنا مفاجأة كبيرة هي أنه قد تقدم لمديره في العمل بطلب احالته للمعاش قبل بلوغه السن القانونية .. وحاولنا إقناعه بالاستمرار في العمل فرفض بحجة أنه قد أدى رسالته وآن له أن يستريح وأن أتحمل أنا مسئولية الأسرة بعد أن تخرجت وعملت.
ونزلت علينا "المفاجأة" كالصاعقة، فإخوتي كلهم في مراحل التعليم ومرتب أبي لم يكف ضروريات الحياة ومرتبي ضئيل لا يذكر والمعاش المنتظر لم يزد على بضعة جنيهات لا تكفي لشراء الخبز وحده بعد أن استبدل اجزاء منه أكثر من مرة خلال الخدمة وأصبح علينا أن نواجه الواقع الجديد.
وتحملت مسئوليتي التي ألقاها أبي على كتفي .. وخرجت أبحث عن عمل فى الشركات الخاصة بمرتب أكبر .. وقرأت اعلانا عن شركة تطلب موظفة بمؤهل متوسط فتوجهت إليها ووجدت عشرات من الفتيات ينتظرون الاختبار .. والتقيت بصاحب الشركة ومديرها فسألني فيما سألني عن عمل أبي فطفرت من عيني دمعة عجزت عن حبسها وأنا أقول له أنه موظف بالمعاش .. وبسبب هذه الدمعة التي كشفت بغير كلام عن حال أسرتي حصلت على العمل ووقع صاحب الشركة قرار تعييني بمرتب يفوق مرتبي السابق بعدة أضعاف .. وحمدت الله كثيرا على ذلك وأقبلت على عملي بحماس .. وأصبحت أخرج من بيتي في السادسة صباحا ولا أعود إليه إلا في التاسعة مساء .. وسعدت بأن أعانني الله على أن أعوض أسرتي بعض ما عانت من حرمان وعلى تلبية مطالب إخوتي ودفع رسوم مدارسهم وأثمان الكتب والكراريس .. كما سعدت بطيبة مديري ولطفه وحنانه الأبوي .. وأحببته كأب وكصاحب عمل رحيم وكريم وعلى خلق.
ومضت فترة نعمت فيها بالاستقرار والهدوء .. ثم جاء يوم دعاني مديري ليحدثني في أمر هام ففوجئت به يقول لى أنه يرقبني منذ عملت عنده وأنه أعجب بتديني والتزامي وخلقي ولهذا فهو يرغب في أن يتزوجني على سنة الله ورسوله وسوف يعوضني عن فارق السن بحياة لم أحلم يوما أن أحياها وسمعت حديثه والخواطر والأفكار تتجاذبني ..
فهو زوج وأب لعدد من الأولاد .. وأنا فتاة فقيرة عادية الجمال وليس في ما يغري زوجا بأن يجعلني الزوجة الثانية له وقد حلمت طوال حياتي بأن أعيش حياة عادية لا يؤرقني فيها عذاب الضمير ولا الاحساس بأني قد سرقت زوجا من زوجته وأبا من أولاده .. ولا فكرت يوما في أن أسعد بحياتي وهناك من أبنائه وزوجته من يدعو "علي" بالويل والثبور لأني عرضت أسرته للمتاعب .. وأدركت الموقف على حقيقته وعرفت أني سوف اختار بين الحفاظ على استقرار بيت مديري الطيب وأولاده وبين الحفاظ على استقرار أسرتي وراحتها .. وعرفت أكثر من ذلك أن مسئولية التفكير واختيار القرار الصحيح تقع علي وحدي إذ لو علم أبي لتطوع بالذهاب إليه وإبلاغه موافقته دون قيد ولا شرط سعيدا بالعثور على من سيحمل عنه مسئولية زواجي.
وطال صمتي فأدرك المدير ما يجول بخاطري .. ومنحني مهلة للتفكير لمدة أسبوع .. وانصرفت حائرة .. وعدت للعمل في اليوم التالي فلم يفاتحني فى الأمر وإنما ذكرني فقط بأن المهلة تنتهي بعد ستة أيام.
وتكتمت الأمر تماما بيني وبين نفسي ولم أصرح به لأحد وجاء اليوم الأخير ونزلت من الأتوبيس فوجدت مديري ينتظرني على المحطة بسيارته .. وأشار إلي فتقدمت إليه فطلب مني الركوب بجواره للذهاب إلى أبي للاتفاق معه على كل شئ باعتبار أن من كانت في مثل ظروفي لا يمكن إلا أن تختاره فطلبت منه أن نذهب إلى مكتبه أولا .. وهناك شرحت له ظروفي كاملة وحاجتي للعمل وأكدت حبي له كأب .. وعرفاني لما قدم لي لكني للأسف لا أستطيع الزواج منه .. وأترك الأمر كله لضميره ورحمته فإن شاء تركت العمل وسوف أظل احترمه للنهاية .. وإن شاء بقيت وصرف النظر عن هذا الموضوع نهائيا .
فسألني واجما هل فكرت فى الأمر جيدا .. فأجبته بالإيجاب .. فقال لي أني سأندم على قراري ذات يوم.
ولم يفصلني مديري لكني أدركت من تغيره استحالة استمراري في العمل فتركته ..وسألني أبي عن السبب فأدعيت أن الشركة قد تمت تصفيتها واستحييت أن أذكر له السبب الحقيقي.
وبدأت أبحث عن عمل جديد ومضت أسابيع وشهور دون أن أوفق في الحصول على عمل آخر .. وأصابتني نوبة من الاحباط والخمول فلازمت الفراش معظم الوقت وساعدت عليها بعض كلمات المدير الجارحة مثل كيف ترفضين من هو مثلي وأنت وأسرتك تشتهون لقمة العيش الكريمة ؟
وكلما اشتدت حيرتي بين مطالب وأسرتي وبين الخيار الوحيد الذي كان متاحا لي للاستمرار في تلبيتها قلت لنفسي أنها ليست مسئوليتي .. وأبي حي يرزق فلماذا أضحي بنفسي وحدي لتلبية مطالب أولاده .. ولا يتحمل هو مسئوليته ويعمل ؟
فإذا بأبي بدلا من أن يخرج للبحث عن عمل يجلس في البيت ولا عمل له إلا أن "يدعو علي" ويتمنى لي الموت ويقول لي أن وجودي لا فائدة له .. وكل ذلك لأني رفضت الاستمرار في عمل كان لابد للاستمرار فيه من أن أتزوج صاحبه .. واخيرا وبعد أن اشتد بنا الحال اضطر أبي للعمل في القطاع الخاص .. لكنه لم يستمر فيه طويلا بسبب عدم تحمله لاجهاده .. وعاد للجلوس في البيت وقد زهدت الطعام لأن أبي يسممه لي بالدعاء وتذكيري بأنه يعلفني بلا فائدة مني!
فماذا فعلت يا سيدي لكي ألاقي هذا العناء .. وهل أخطأت حين حافظت على استقرار بيت مديري .. وهددت استقرار أسرتي؟ هل الحل هو أن أتجرد من الضمير والمشاعر واحافظ على أسرتي على حساب أسرة مديري .. وهل الحل هو أن أعود إلى صاحب العمل الذي تركته واعتذر له وأقول إن كل ما قاله لي من أنني سوف أندم .. وسأعود لأقبل يده لكي يقبل الزواج مني صحيح وها قد عدت نادمة ومعترفة بكل شئ .. ولماذا يضغط علي أبي بهذا الشكل .. وكل جريمتي أنني لا أجد عملا منذ فترة مع أني تحملت مسئولية أسرتي لعدة سنوات قدمت لها كل ما كسبته خلالها ؟.
ولــكــاتــبة هــذه الـرسـالـة أقــول:
للمفكر الفرنسي مونتسيكو رأي في السعادة يقول فيه : "أن هناك نوعين من البشر مرشحان دائما لها وللحياة بسلام مع أنفسهم ومع الآخرين .. الأول نوع لا يطلب من الحياة إلا أشياء بسيطة تؤهله وسائله لتحقيقها .. والثاني نوع "آلته الإنسانية " التي بداخله دقيقة وغير معطوبة فتساعده على أن يتوافق دائما مع الظروف المحيطة به ويرضى دائما بكل ما تحمله إليه الأقدار.
وأنت يا آنستي تجمعين بين مؤهلات هذين النوعين من البشر فلا تطلبين من الحياة إلا القليل .. و"آلتك الإنسانية" أو فطرتك بمعنى أصح سليمة ودقيقة .. فلم تتطلعي إلى تغيير حياتك وحل مشاكلك على حساب سعادة الآخرين واستقرارهم .. ولم تتقبلي فكرة الزواج الانتهازي الذي لا تدفع إليه الدوافع الطبيعية للزواج من الاختيار الحر والقبول النفسي والعاطفة والتناسب والرغبة الصادقة في مشاركة إنسان آخر حياته حلوها ومرها وليس في "حلبة" واعتباره أداة لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بأهداف الزواج.
لقد فرضت عليك الظروف القاسية أن تكوني عائلا لأسرتك لأن أباك قد أنزل رايته بيده ورأى أنه قد أدى رسالته كاملة وأديت دورك بأمانة حين كان ذلك متاحا لك بغير تقديم تنازلات أو التضحية بحقك العادل في الزواج ممن ترغبين وحين اعترضتك ظروف أخرى اخترت ألا يشمل عطاؤك لإخوتك وأسرتك التضحية بنفسك والزواج ممن لا ترين فيه إلا أبا أو صاحب عمل ولك كل الحق في ذلك فقد أحسنت الاختيار حين خيرت بين زواج يحيط به سخط والبحث عن عمل آخر .. وكل ما هو مطلوب منك الآن هو الصبر على هذه الظروف اللعينة التي تحيط بك إلى أن يأذن الله لك بعمل جديد فى القريب العاجل .. وإلى أن تتغير ظروفك إلى الأفضل قريبا بإذن الله فمن ترفعت وهي في مثل ظروفك عن إيلام زوجة لا تعرفها وأبناء ومشاركتهم أباهم .. ورضيت بهذا الاختيار الصعب لابد أن تدخر لها الحياة عملا أفضل وحياة أسعد حين يشاء الله .. فاصمدي ولا تفكري في التراجع وصمي أذنك عن سخافات أبيك الذي لا أعرف أين دوره فى شد أزرك للصمود أمام الاغراءات التي قد تتعرضين لها بدلا من أن يضعف مقاومتك بهذا الالحاح الكريه فيكاد يحضك على تقديم التنازلات حتى تصبحي ذات فائدة "من وجهة نظرة القاصرة" فهو ملزم شرعا بالانفاق عليك .. وأنت لم تقصري في مساعدته حين كنت تستطيعين ذلك .
ومهما كانت قسوة الحياة على البعض منا فإنها لا تبرر لأب أن يتعامى عن حقيقة الأسباب التي تدفع ابنته لترك عمل كانت تتقاضى منه مرتبا كبيرا .. حتى ولو ادعت له أن الشركة قد تمت تصفيتها فليبذل إذن بعض الجهد الذي يضيعه في لومك في البحث عن عمل يخفف به من جفاف حياتكم بدلا من عزف نغمة أداء الرسالة التي يتصور هو وأمثاله أنهم قد أدوها .. لمجرد أنهم قد "أهدوا" للحياة عددا كبيرا من الأبناء لا تتوافر لهم امكانيات الحياة الطبيعية .. ثم انتظار جني الثمار بعد ذلك !
وإلى أن يفعل أرجو أن يوفقني الله في إعانتك على أمرك وتيسير سبل العمل لك قريبا إن شاء الله .
![]() |
| 13 ديسمبر 1991 |
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر
1991
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر