الاختيار الصعب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1990

 


 

الاختيار الصعب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990


الاختيار الصعب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990 


تابعت في بريد الجمعة مشكلة الطبيب الشاب التي نشرت بعنوان "اللحظة القاسية" عن زوجته الأولى التي هدمت أسرتهما استجابة لتأثير أمها وبعد أن رحلت أمها عن الحياة أدركت خطاها وكتبت إليه في الدولة العربية التي يعمل بها تعرض عليه أن يعيدها إلى عصمته رعاية لأطفالهما مع استمراره مع زوجته الجديدة التي أنجب منها طفلة .. ثم قرأت ردك الذي نصحته فيه بأن يعرض الأمر على زوجته الثانية ويترك لها القرار فإذا قبلت أن يعيد زوجته الأولى حرصا على أبنائه فعل وإن رفضت تمسك بها واعتذر للأولى التي أذاقته من قبل الألم والعذاب.

 

 ولقد أعجبت كثيرا برأي زوجته الثانية المؤمنة التي تفكرت في الأمر طويلا ثم أعلنته بموافقتها على أن يعيد زوجته الأولى وكان دليلها في ذلك الإيمان ومعرفتها بأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه .. لكن إعجابي بموقف زوجها كان أكبر حين أكرمها وقرر ألا يعيد زوجته الأولى بعدما حدث منها.

 والمشكلة أني أجد نفسي في موقف أكثر صعوبة من هذا الموقف الذي واجهته تلك الزوجة .. فزوجي الذي تزوجته منذ ٢٤ عاما وأنجبت له ٤ بنات وولدا استرده الله بعد قليل يطلب مني أن أوافق على زواجه من أخرى ، وكان يسألني ذلك في البداية على محمل الهزل وأجاريه أيضا من باب الدعابة واقتناعا بأنه غير جاد ، إلى أن وجدت في أوراقه بالصدفة صورة لسيدة سألته عنها فأجابني بأن أحد أصدقائه قد عرضها عليه حين علم برغبته في الزواج لكي ينجب ولدا ذكرا.

وصدمت صدمة مروعة ورفضت أن أعطيه موافقتي .. وأنا أفكر في بناتي قبل أن أفكر في نفسي فلقد أصبحن في سن الزواج .. وأنا أحب زوجي ولا أتصور أن ينصرف عني إلى أخرى كما أفكر أيضا في وضعنا الاجتماعي بين الأهل والأصدقاء وقد تزوجته عن حب وإخلاص وعاشرته بما أمرني الله بعد أن تغير كثيرا عقب وفاة ابني وأنا أيضا يا سيدي لم اقصر في محاولة إنجاب ولد له لكنها إرادة الله .. وقد بلغت من العمر الثامنة والأربعين ولم اعد قادرة على الإنجاب .. وهو يقول أنه يريد أن ينجب ولدا يفخر به بين الأهل والأصدقاء ويرى أن بناته الأربع غير كافيات لأن يكون أبا سعيدا .. فهل أنا أنانية لأني احجب عنه موافقتي ؟ إني أقارن بين موقفي وموقف زوجة الطبيب المؤمنة فأشعر بالحيرة .. فهل أنا على صواب ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

إن الموقف الذي تواجهينه يختلف تماما عن الموقف الذي واجهته زوجة الطبيب واسترشدت فيه بإيمانها في قبول إعادة زوجها لزوجته الأولى .. فهناك أبناء صغار جاءوا إلى الحياة ولا ذنب لهم في جناية أمهم على سعادة أسرتها .. وتضحية الزوجة الثانية من أجل رعايتهم أمر مندوب إليه ومأجور عند ربها .. أما أنت فلست مطالبة بالتضحية أصلا .. ولا بقبول مالا ترضينه لأن دوافع زوجك في التفكير في زواج جديد بعد ٢٤ عاما من رحلة العمر و4 فتيات على مشارف الزواج ولمجرد الرغبة في إنجاب ولد ليست مقبولة .. ولا مقنعة .. إذ من يدريه أنه سوف ينجب ولدا بالتحديد .. ومن يدريه انه سوف ينجب أصلا .. ولماذا هذا التلهف على إنجاب ولد وقد انعم الله عليه بأربع زهرات ولم يحرمه من الإنجاب .. وأين هو هذا العرش الذي يؤرقه إنجاب ولي عهد لكي يجلس عليه ذات يوم .. لقد جرى ملوك من قبل وراء هذا الوهم فهدموا سعادتهم وباءوا بخيبة الأمل .. أو أنجبوا ذكورا فعلا ولكن عروشهم اقتلعت من جذورها .. بل لماذا يفكر زوجك في هذه المرحلة من العمر في أن ينجب ولدا يرشحه لليتم قبل الأوان وكم من العمر لرعاية نبت صغير جديد يحتاج إلى عقدين من السنين لكي يشتد عوده .. وبفرض أن وهبه الله فعلا وحقق له ما أراد وأنجب ولدا ذكرا .. فمن أدراه أنه سوف يفخر به فعلا بين الأهل والأصدقاء ؟

لقد شقي نوح بابنه وكان من الكافرين .. وشقي کثیرون بأبنائهم وكانوا عارهم وليسوا موضع فخارهم .. فلماذا يعرض حياته للقلاقل والزوابع وقد مّن الله عليه بأربع فتيات يستطيع أن يزهو بهن إذا شاء وإذا رضي بما انعم الله به عليه .. ولم يقبل غير ما اختاره الله له بديلا .

لا يا سيدتي أنت محقة في رفضك .. وفي حرصك على فتياتك وعلى نفسك وعلى وضع أسرتك الاجتماعي .. وزوجك يستطيع أن يتزوج إذا أراد لكن أحدا لا يستطيع أن يرغمك على الموافقة على ما تأبينه لنفسك ولزوجك وأسرتك ولا أن يلومك عليه.

رابط رسالة اللحظة القاسية

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة"مارس 1990

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات