الخطة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002
أرجو أن تهتم
برسالتي وترد عليها في أسرع وقت لأنه قد يتوقف عليها مصيري, فأنا فتاة في
الرابعة والعشرين من عمري, نشأت في أسرة متوسطة, وكان أبي حنونا معي في حين
كانت أمي في غاية الشدة والقسوة علي, ثم رحل أبي عن الحياة وأنا بالمرحلة
الجامعية.. وشعرت بالحزن الشديد عليه, وافتقدت عطفه علي.. وأنهيت دراستي
وتقدم لخطبتي أكثر من شاب ملائم, لكني لم أشعر بالارتياح تجاه أحدهم .. وتمسكت
بالرفض إلى أن أجد من يخفق قلبي له, وذات يوم ذهبت إلى محل صغير للسوبر ماركت في
مدينتنا لأشتري شيئا فلفت الشاب الذي يديره انتباهي.. ووقفت خافقة القلب أمامه,
وأنهيت معاملتي معه وانصرفت, فما أن غادرت المحل حتى وجدتني أتلفت خلفي لأراه,
فإذا به يثبت نظره علي ويبتسم.
ورجعت بعد يومين
إلى نفس المحل.. ووجدته يرحب بي بحرارة كأنما كان ينتظرني, ولم يستغرق وقتا
طويلا في التردد, فلقد طلب مقابلتي يوم
عطلته الأسبوعية والتقيت به وعرفت أنه يحمل شهادة متوسطة.. ويدير هذا المحل
نيابة عن صاحبه الموظف بإحدى الدول العربية بمرتب معقول ونسبة صغيرة من المبيعات,
وتكررت لقاءاتنا.. وشعرت بالحب الذي لم أشعر به من قبل طوال حياتي.. وبدأنا
نفكر في الارتباط, فطلبت منه أن يتقدم لطلب يدي, لكنه تخوف من الإقدام على هذه
الخطوة خوفا من أن يرفضه إخوتي لفارق المستوى الاجتماعي وفارق التعليم بيننا.. كما أنه لا يملك
القدرة على توفير مسكن خاص لنا.. وإذا تزوجنا فسوف نقيم في بيت عائلته وهو شقة
متهالكة في حي شعبي.. واتفقنا على أن ننتظر حتى يستطيع توفير مقدم شقة صغيرة في
طرف المدينة, لكن إخوتي عرفوا بعلاقتي بهذا الشاب وواجهوني بها, وأنكرت بشدة,
ففرضوا علي رقابة شديدة, واتصلوا بهذا الشاب وطلبوا منه الابتعاد عني وإلا تعرض
للأذى, وضيقوا علي وعليه الخناق ومنعوني من مغادرة البيت إلا في صحبة والدتي أو
أحد أخوتي.
وفي غمرة ضيقي بهذه
القيود فكرت في حل يخفف عني وعنه هذه القيود الثقيلة, وأبلغت فتاي به عن طريق
صديقة لي.. وبعد أيام فوجئ إخوتي بقبولي لخطبة شاب من أقاربي كان قد تقدم لي قبل
شهور ورفضته بإصرار.. وسعدوا بذلك كثيرا وسألوني عما غير رأيي فيه فأجبتهم بأنني
قد أعدت التفكير في أمري ووجدت قريبي هذا هو الأفضل لي عائليا واجتماعيا ومن كل
الوجوه, وطلبت منهم رفع القيود عني لأنني قد صرفت النظر نهائيا عن التفكير في
الشاب الآخر.. وتشككوا في البداية في صدق كلامي, لكنهم اطمأنوا إلي, حين أجروا تحرياتهم وعلموا أن هذا
الشاب أيضا قد خطب فتاة من أقاربه تعمل ممرضة بأحد المستشفيات, وأرسل إليه إخوتي
صديقا لهم يستطلع أحواله.. فعلم منه أنه قد أحب هذه الفتاة وصرف النظر عن
التفكير في نهائيا, لأنني من مستوى عائلي أعلى من مستواه.. وهكذا استراح أخوتي
ورفعوا عني كل القيود.. فاستعدت حرية الحركة من جديد والتقيت بفتاي القديم..
واتفقنا على أن يحتفظ كل منا بخطبته لمدة عامين على الأقل وأن يطيلها بقدر الإمكان
إلى أن يتمكن من توفير الشقة, فيقوم كل منا بالتخلص من خطبته ويتقدم لطلب يدي
رسميا.. وأصر على الزواج منه ولو تطلب الأمر أن نعقد قراننا في قسم الشرطة!
ورجعنا إلى
الالتقاء بانتظام من جديد.. وتواصلت الاتصالات التليفونية بيننا كل مساء.. وإخوتي مطمئنون إلى أنني أتحدث مع خطيبي الرسمي!
والعجيب هو أن خطيبي راح يزداد ارتباطا بي يوما بعد يوم.. ويبثني حبه وهيامه..
ويتعجل الزواج مني وأنا أراوغ وأتعلل بشتى العلل حتى لقد اضطررت إلى الالتحاق بالدراسات العليا
بكليتي لأبرر له رغبتي في تأجيل الزواج لما بعد حصولي على هذه الدراسات, وعلى
الناحية الأخرى فقد تعلقت أيضا خطيبة فتاي به وراحت تطارده
في كل مكان وتبثه حبها وغرامها.. حتى بدأت أشعر بالغيرة منها وأتشاجر معه بسببها,
وفي كل مرة يحدث فيها ذلك يذكرني بأنني صاحبة الفكرة, ويعلن لي استعداده فيعلن
فسخ خطبته لها على الفور إلا أنني أطلب منه الانتظار حتى لا يحرك شكوك إخوتي.
والآن فلقد مضى
علي خطبتي عام ونصف العام وخطيبي يلح علي في عقد القران وإخوتي يؤيدونه وأنا مازلت
متمسكة بفتاي وأرغب في الزواج منه بالرغم من ظروفه, لكني أشعر بالحرج تجاه خطيبي
ولا أجد سببا واحدا أتعلل به لفسخ الخطبة فهو مهذب وحنون وكريم وكل إخوتي يحبونه..
فماذا أفعل؟!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
ليس بمثل هذه الرعونة يتعامل الإنسان مع حياته ومع حياة الآخرين الذين لم يجرموا في حقه حين سعوا للارتباط به بالطريق المشروع, فلقد تفتق ذهنك لكي تتخلصي من قيود إخوتك وتستعيدي حرية الاتصال بفتاك عن حيلة جهنمية لا تصدر إلا عن تفكير سيكوباتي منحرف يعلي الرغبات الشخصية وحدها فوق كل الاعتبارات الأخلاقية والدينية, فأشرت عليه بأن يخطب فتاة غيرك ورحبت أنت بخطبة شاب غيره.. ولم تتوقفي لحظة واحدة أمام مصير ضحايا هذه الخطة الشائنة حين تكتمل فصولها, ولا ما سوف يتعرضون له من خديعة وعبث بمشاعرهم وكراماتهم وهم خطيبك الشاب وتلك الفتاة التي خطبها فتاك, ناهيك عن الأخوة والأهل الذين اطمأنوا إليك بعد تشككهم فيك, فأي عقلية إجرامية هذه يا آنسة؟
وكيف يحق لك أن
تستبيحي مشاعر الآخرين وكرامتهم على هذا النحو ودون أي إحساس بالإثم أو الذنب
تجاههم؟
وماذا جني قريبك
الشاب المهذب الرقيق لكي تعبثي به وبكرامته وتتخذي منه رغما عنه ستارا لعلاقتك
الآثمة بفتاك.
ولماذا وأنت من
تملكين كل هذه الجرأة النفسية على الفعل والتدبير, لم تستمسكي بفتاك في العلن
وتقنعي إخوتك برغبتك فيه.. وتصمدي لضغوطهم عليك بشرف وشجاعة إلى أن يسلموا لك
بحقك في الارتباط به, ويعينوك على أمرك معه, وما كانوا ليفعلوا غير ذلك في
النهاية إن لم يجدوا وسيلة أخرى لإثنائك عن الارتباط به؟
إن كارثة أمثالك من
المندفعين وراء أهوائهم هي أنهم لا يتوقفون وهم يطلبون ما يتصورون فيه سعادتهم
أمام حقوق من سوف يضارون بمثل هذه السعادة المحرمة, ولا أمام الحوائل الأخلاقية
والدينية والاجتماعية التي تحول بينهم وبينها.. وإنما يمضون إلى أهدافهم لا يرون
سواها ولو تناثرت جثث الضحايا على جانبي الطريق, وهذا ما سوف يكون عليه الحال
حين تنبذان أنت وفتاك في الوقت المناسب خطيبك وخطيبته وتزيحانهما عن الطريق إلى
سعادتكما الموهومة بلا رحمة؟
فهل هذا من الأمانة
الخلقية في شيء؟!
وكيف يطمئن كل
منكما إلى صاحبه في المستقبل وهو قادر على كل هذا القدر من الخداع والتظاهر بغير
حقيقته والتدبير والتخطيط؟
الحق هو أن كلا
منكما جدير بصاحبه.. ولسوف يكون
عقابه في الدنيا عما جنت يداه على الآخرين من ضحاياه, فكفي عن هذه المسرحية
العبثية الآن على الفور.. واعتذري لخطيبك عن عدم إتمام مشروع الارتباط به بأي
عذر لا يجرح كرامته ولا مشاعره.. وليفعل شريكك نفس إخوتك بما تريدين بلا زيف ولا خداع..
ولا تتعللي بخوفك
منهم.. فلقد أثبت بالدليل القاطع أنك لا ترهبين أحدا ولا تترددين أمام ما يحقق
لك أهدافك.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر