هدوء العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا سيدة في الخامسة والثلاثين من عمري , توفي أبي وأنا طفلة صغيرة عمرها تسع سنوات وكان عاملا بسيطا لكنه كان وارثا لميراث صغير يدر عائدا ضيئلا , فتكفل معاشه وهذا العائد البسيط بحياتنا في حدود الكفاف , وبعد وفاة أبي تولى رعايتنا خالي وكان يصغر أمي في العمر لكنه الآمر الناهي في حياتنا بالرغم من أنه لم يساعدنا ماديا في شئ .. وبسبب خلافات قديمة بين خالي وعمي حول عائد الميراث البسيط وهو عبارة عن إيجارات زهيدة لعدد من المحلات, تدخل بينهما قريب لأبي وعمي لفض الإشكال وديا بغير اللجوء للمحاكم , وإنحاز إلى صفنا هذا القريب فاعتبره خالي صاحب فضل لأنه مال إلى جانبنا بالرغم من أنه من أسرة أبي .. ولهذا سارع خالي بالموافقة على طلبه حين أبدى رغبته في خطبتي بالرغم من أنه يكبرني بعشرين عاما ودميم الشكل بدرجة ملحوظة وليس فيه شئ يرشحه لأن يكون فتى أحلام فتاة صغيرة مثلي .. ولا أستطيع أن أقول أنني قد اعترضت على الخطبة وقتها لكني أستطيع أن أقول صادقة أنني لم أكن أفهم معنى الزواج حين خطبت له وأنا في السنة الأولى الثانوية , ثم بدأت مداركي تتفتح مع السن .. وبدأت أشعر بعيوبه حين بدأت زميلاتي في المدرسة وصديقاتي يسخرن من شكله الدميم وكبر سنه بالنسبة لي كلما رأوه معي .. وكانت خطبتنا قد استمرت ثلاث سنوات كنت أشعر خلالها تجاهه باحساس بنت تجاه أبيها وليس باحساسها تجاه عريسها أو فتى أحلامها.
وحين بلغت مرحلة الثانوية العامة استطعت التفريق بين الاحساسين وتأكدت من عجزي عن احتمال الحياة مع رجل بهذه المواصفات فأعلنت رغبتي في فسخ الخطبة ورفضت الزواج منه بإصرار فكانت الثورة الهائلة من أمي وخالي والأهل والسخط والاساءة إليّ واتهامي "بالقرعنة" وسمعت كلاما كثيرا من نوع وماذا سيقول الناس بعد أن ظل يدخل بيتنا ثلاث سنوات إلخ فلم أجد مفرا من الاستسلام للأمر الواقع وتم عقد القران , وعقب حصولي على الثانوية العامة تم الزفاف وانتقلت للحياة معه في بيت أسرته بالمدينة الصغيرة التي نعيش فيها وفي بيت ريفي ليس فيه باب شقة يغلق علي حجرتي.
وواجهت واقعي المؤلم بلا أي أمل في الحب أو السعادة أو تحسن الأحوال , وبعد أيام من الزفاف وجدت الحياة الجديدة التي انتقلت إليها أكثر بؤسا من الحياة التي عشتها في بيت أسرتي ووجدت نفسي زوجة لزوج تجتمع في شخصيته كل المنفرات بالنسبة لفتاة صغيرة مثلي من شكل دميم بشع إلى قصر قامة شديد إلى نحافة معيبة .. إلى كبر السن .. والشهادة المتوسطة .. إلى الشخصية السلبية التي لا تستطيع حمايتي في البيت إلى الشخصية غير المحترمة لدى الآخرين لأنه للأسف من النوع الذي يتكلم كثيرا ويفعل قليلا ويقول عنه كل من يجلس إليه أنه من "النوع الفاضي" وبلا أعماق.
وإذا سألتني وكيف كانت كل هذه العيوب خافية عليك خلال فترة الخطبة فسوف أذكرك أنني كنت صغيرة السن ولا أعي أشياء كثيرة في الحياة كما أنني كنت أنظر إليه كأب أكثر مما كنت أنظر إليه كزوج أو خطيب .. المهم يا سيدي أنني بعد عام من الزواج أنجبت طفلة , وعرضت على أمي وخالي رغبتي من جديد في الانفصال عن زوجي الذي لا أطيق اقترابه مني وتعايرني صديقاتي بدمامته فرفضا بإصرار بحجة أنه بعد انجابي منه لم يعد أمامي سوى الاستمرار والرضا بنصيبي من الحياة , وهكذا استمرت حياتي الزوجية الباردة معه 13 عاما انجبت خلالها ابنتي الثانية والثالثة وأنا أكن لزوجي كل كراهية الدنيا كزوج ورفضي له يزداد يوما بعد يوم , وأعامله بما يرضي ضميري وربي في كل شئ ماعدا في حقه علي كزوج إذ مهما وصفت لك مدى كرهي لنفسي وللدنيا كلها حين يقترب مني فلن أستطيع أبدا أن أصور لك حقيقة مشاعري بهذا الشأن , وقد كان يعرف ذلك جيدا ويتمسك بي ورغم مشاعري هذه فلقد كنت زوجة مخلصة لزوجي وقد تجنبت الخروج والاختلاط والمعارف بإرادتي لأني كنت أشعر بأني مطمع لكل إنسان تجمعني به الظروف مع زوجي , وإذ ما أن يعرف أنه زوجي حتى أرى الرغبة بادية في عينيه والرثاء أيضا لهذه الشابة التي على قدر من الجمال وزوجها رجل كبير السن دميم قصير نحيف تافه الشخصية خال من أى ميزة وقد رأيت هذه النظرات في عيون كل أصدقائه الأصغر منه سنا وتجاهلتها .. وفرضت العزلة على نفسي بإختيارى وإرادتي ثم مرضت ابنتي ذات ليلة فاستدعى زوجي طبيبا شابا يقيم في شارع قريب منا ومن أسرة محترمة ومعروفة في مدينتنا وكنت أعرفه بحكم الجيرة قبل زواجي ولكن بغير أي اتصال مباشر بيننا وجاء جارنا الشاب لعيادة ابنتنا وبذل كل جهده في رعايتها وحاول بكل طاقته أن يهدئ من روعي ومخاوفي عليها وظل يتردد علينا للاطمئنان عليها بضعة أيام حتى شفيت والحمد لله وانقطعت صلتنا له وبعد فترة طويلة التقى به زوجي مصادفة فأخبره هذا الطبيب الشاب أنه سيتزوج قريبا ودعاه لحضور حفل زفافه , فأصر زوجي على أن يصطحبه معه إلى البيت ليدعوني بنفسه لحضور الفرح مع الأولاد .. وحضر .. ودعاني .. وشهدنا حفل الزفاف وردا للجميل ذهبت مع زوجي إلى بيته الجديد لنهنئه ونهنئ زوجته بالزواج .. وشيئا فشيئا توثقت العلاقة بينه وبيننا وأصبح يزورنا كل مساء تقريبا ويطمئن علينا تليفونيا إذا لم يستطع الحضور وشيئا فشيئا يا سيدي بدأت أشعر بأنني لا أستطيع احتمال غيابه عن حياتنا أو انقطاعه عن زيارتنا لأي سبب من الأسباب , فإذا غاب عنا اتصلت تليفونيا بزوجته وطلبت منها إبلاغه أننا في حاجة إليه لأمر هام وعاجل , وحين يجئ لا يجد شيئا هاما ولا عاجلا يبرر استدعاءه بهذا الشكل .. وبدلا من أن يغضب يضحك ويقول أننا قد فعلنا به خيرا لأنه أيضا لم يعد يحتمل البعد عنا إذ أصبحنا جزءا أساسيا من حياته . وكل ذلك يجري يا سيدي وكلانا ملتزم بحدوده وليس بيننا سوى النظرات التي يعرف منها كل منا في صمت أنه في هذا المكان من أجله وحده وليس من أجل ذلك الرجل الدميم المنفر التافه الذي يجلس بيننا سعيدا وفخورا بإعتزاز هذا الطبيب الشاب الوسيم ابن الأسرة المحترمة بعلاقته به وعدم احتماله للبعد عنه !
نعم أعرف أنك ستقول لي أن هذه هي "الخيانة" حتى ولو لم تتعد حدود النظرات الصامتة المختلسة .. لكني أروي لك بصدق ما حدث لكي تفهم حقيقة ظروفي وتؤجل لومك لنهاية الرسالة .. فقد أصبحت أنا أيضا لا أطيق بعده عنا مع أني لا ألتقي به إلا في حضور زوجي ولم يكن بيننا شئ يغضب الله .. ولا هو حاول ذلك ولا أنا كنت مستعدة للتفريط في شئ من نفسي ومن مبادئي وأخلاقي .. وقد استمر الحال بيننا هكذا عاملين كاملين , انجب خلالها الطبيب الشاب طفلة جميلة وحاولت أنا أكثر من مرة أن أخرجه من حياتي وأعيش بدونه فباءت كل محاولاتي بالفشل فلا تمضى أيام حتى اتصل به وأعاتبه على عدم زيارتنا فيجئ متلهفا ومسلما هو الآخر بفشله في الابتعاد عن حياتي .. وأخيرا صارحني بحبه لي وبدأ يشكو لي من زوجته ومن عدم سعادته معها ويؤكد لي أنه لا يريدها زوجة له وإنما يريدني أنا .. وتصورت في البداية أنه يريد أن يخدعني بهذا الكلام المعسول حتى ينال مأربه مني فانقطعت عن الخروج من غرفتي والترحيب به حين يجئ لزيارة زوجي فبدأ يشكو لزوجي من زوجته ومتاعب حياته الشخصية معها .. وزوجي لا يدرك أنه يقرب النار من البنزين باحضاره لهذا الشاب الذي لا تناسب ولا كفاءة بينهما تبرر هذه الصداقة "الحميمة" .. إلى بيتنا .
وفي هذا الوقت بدأت المشاكل تثور بينه وبين زوجته بسبب زياراته المتوالية لنا فقد أدركت الزوجة بحاستها الغريزية أن زوجها يحضر إلى بيتنا من أجلي وليس من أجل زوجي .. فبدأت تثير له المتاعب بهذا الشأن وعاندها هو بإصرار أكثر فكثرت زياراته لنا .
وذات يوم اتصل بي وجرى حديث طويل بيننا .. حاولت خلاله أن أقربه من أرض الواقع وأكدت له أنني قد أفقت مما كنت فيه لكنه صمم على أن تستمر علاقتنا لأنه يريدني زوجة له .. وأكد لي أنه لن يظلم زوجي بأخذي منه , لأنني أنا المظلومة معه من البداية وقد ظلمني أهلي بإرغامي على الزواج منه .. ولم أكن أصلح له من الأصل .. وتسلل كلامه إلى قلبي وضعفت إرادتي رغما عني ووجدت قلبي يرغبه وعقلي يرفضه .. ومع ذلك فلقد بدأت أشعر لأول مرة في حياتي بأنوثتي وبنفسي وبأنني أتزين كامرأة وأغني وأحب الحياة وزوجي يلمس تغيري هذا و"سعيد" به رغم رفضي النهائي لمعاشرته خلال العامين الأخيرين ومنذ بداية اختلاطنا بهذا الشاب .
وبعد مشاجرات طويلة بين هذا الطبيب الشاب وزوجته طلقها وأعطاها كل حقوقها وديا وترك لها الشقة وعاد للاقامة في بيت والدته .. وأثبت لي بذلك أنه لا يريدني كصديقة كما كنت أتخوف وإنما كزوجة .. وجاء دوري أنا لتحقيق الأمنية المشتركة فطلبت الطلاق من زوجي وصممت عليه وسط ذهول أهلي وأقاربي وأعلنت رفضي القاطع وأظهرت مكنون صدري للجميع تجاه زوجي .. وتم لي ما أردت بعد محاولات ومراجعات طويلة.
وتركت لزوجي بناتي الثلاث وعدت إلى بيت أهلي ولم تدعنا مطلقة الطبيب الشاب في حالنا وإنما أشاعت في المدينة الصغيرة أنني السبب في هدم بيتها .. وأكد زوجي كلامها بعد أن حصلت على الطلاق منه .
وبعد شهور من طلاقي تقدم الطبيب الشاب لأسرتي يطلب يدي بعد ما ناله من تشهير وزوابع من كلام زوجته وزوجي , فرفضه أهلي بإصرار حتى لا يؤكدوا هذه الشائعات عنا وثار أهله عليه لرغبته في الزواج مني بعد هذه الضجة وهددوه بالقطيعة وقاطعه معظم أصدقائه لسوء اختياره لي من وجهه نظرهم , لكنه رغم كل ذلك لم يتراجع ولم ييأس .. وقال لي في التليفون أنه لن يتنازل عني .. حتى النهاية ولن يأخذني إلا من أهلي .. وقررت أن أساعده على ذلك فأعلنت لأهلي أنني سأتزوجه رغما عنهم إذا لم يوافقوا عليه وسأتحمل نتيجة اختياري فرضخوا للأمر الواقع في النهاية وتزوجنا واستطاع زوجي أن يجهز لنا شقة جديدة بكل مستلزماتها سريعا وتحقق لي كل ما أردت وعشت كما كنت أتمنى مع رجل تجتمع فيه كل مميزات الدنيا من الوسامة .. إلى الشباب إلى المركز المحترم .. إلى المستوى المادي الطيب .. إلى الشخصية اللطيفة المقنعة .. إلى الاحساس العاطفي الجميل .. إلى الكلام الحلو إلى باقي المميزات التي لا يعيبه معها سوى عصبيته بعض الشئ وعناده وإن كان يحمل في النهاية قلب طفل كما أنه لم يعاملني بغلظة ولا يظلمني ولا يبخل عني بشئ .. رغم أنه قد رفض منذ البداية اختلاطي ببناتي من زوجي السابق ورفض السماح لهن بزيارتي في مسكنه وباءت كل محاولاتي معه في هذا الشأن بالفشل وحاولت مرارا وتكرار أن أثنيه عن موقفه هذا فينقلب من الوداعة والطيبة إلى الشراسة والعناد ويرفض بإصرار فهذا هو شرطه الوحيد وليس لديه أدنى استعداد للتنازل عنه , كما أنه أيضا لا يرى ابنته من زوجته السابقة ولا يريد أن يراها .. وقد اضطررت إلى القبول بهذا الوضع وتأقلمت معه حفاظا على زواجي الثاني الذي تحملت الأهوال من أجله .. فما هي المشكلة إذن يا سيدي ؟
المشكلة هي أنني بعد هدوء العاصفة التي هبت علينا حين اختار كل منا الآخر وهدم حياته السابقة ليرتبط به .. بدأت أحس بالقلق والحيرة وعدم الاستقرار .. وبدأت أسأل نفسي تلك الأسئلة التي أشرت إليها في ردك على رسالة السيدة التي تطلب الطلاق من زوجها بعد زواج مستقر ولا أقول سعيدا لمدة عشرين سنة وتريد أن تضحي بزوجها وبيتها وأولادها بعد هذه السنوات استجابة لهمس رجل دخل حياتها وعددها بالسعادة إذا تركت زوجها .. فلقد قلت لها في ردك عليها أنه سيجئ عليها يوم بعد أن تهدم بيتها وتمزق أولادها وتتزوج بمن تتصور أنه سيهبها الحب والسعادة سيجئ يوم تهدأ فيه المشاعر الجامحة الآن فتسأل نفسها هل يستحق كل ما نلته من هذه "السعادة" بعض ما ضحيت به من أجل الحصول عليها من فقدي لأولادي وتحول مشاعرهم عني وتمزقهم بعدي وحزنهم لحرمانهم مني .. وهل يستحق ما استمتعت به بعض ما دفعته من أجله من ثمن باهظ من سمعتي وأقاويل الناس عني وإنكار الأهل لي وابتعاد الأصدقاء عني ونبذهم لي .. وفقدهم لأي احساس بالاحترام تجاهي.
لقد جاء هذا اليوم بالنسبة لي يا سيدي وبدأت أسأل نفسي هذه الأسئلة التي تعجبت حين قرأت ردك كيف عرفت أنها تدور داخلي وبدأت أتساءل هل كل ما حققته لنفسي الآن يستحق ابتعاد بناتي عني ونظرة الانكسار التي استقرت في عيونهن حين تركتهن لأبيهن وأكبرهن في الثانية عشرة , إنني أحس الآن بحنين قاتل إليهن وأحس احساسا مريرا بالذنب تجاههن وأشعر بأنني قد فضلت نفسي عليهن واخترت سعادتي على حساب تعاستهن وكلما تذكرت حرمانهن مني ومدى احتياجهن إلي عرفت كم كنت جاحدة حين تخليت عنهن وتركتهن في وقت كن فيه أحوج إلى أمهن من أي شئ آخر في الحياة , وأشعر الآن بمرارة أشد وأقسى ألف مرة من كل ما كنت أشعر به وأنا أعيش مع أبيهم الذي أكرهه وأحس أنه قد ظلمني بزواجه مني , ويتبدد في الهواء تمتعي بحياتي مع زوجي الذي أحببته وحلمت به وأعيش معه حياة لا تقارن بحال من الأحوال بحياتي مع زوجي السابق ورغم كل ذلك فإني وأصدقك القول في ذلك لست سعيدة بحياتي التي تمنيتها هذه ولو رجع بي الزمان إلى الوراء مرة أخرى وخيرت بين الحياتين .. حياتي الأولى بكل ما كان فيها من حرمان وجوع عاطفي وثورة كامنة في صدري ورفضي لكل ظروفي واحساسي بالتعاسة والظلم مع رجل في مثل سن أبي ورعبي من معاشرته كزوج وتدميري النفسي لسلبيته وضعف شخصيته وتفاهته وفقره المفجع , ومع وجود بناتي أمام عيني ورعايتي لهن وراحة بالي من ناحيتهن .. وضمي لهن في احضاني , لو خيرت بين هذه الحياة وبين حياتي الآن وبما فيها من كل ما حلمت به وتمنيته لنفسي مع زوج متميز باع الدنيا كلها وباع أمه وأهله وزوجته وابنته واشتراني ومازال يحاول إسعادي .. ولكن مع حرماني من بناتي وقلقي عليهن واحساسي بالذنب تجاهن .. لو خيرت الآن بين الحياتين لاخترت الحياة الأولى بغير ندم ولا تردد ولدفعت الثمن الذي استقلته من قبل راضية .. ولقد كتبت رسالتي لك هذه لتكون درسا لمن هن في مثل ظروفي لكي ترضى كل منهن بما كتبه الله لها وترعى ربها في أولادها وتعرف جيدا أنها لن تكون سعيدة أبدا في بعدهم عنها مهما حققت من آمال وأحلام كانت تتمناها لنفسها مع زوج آخر غير أبيهم .
فليست هناك حياة خالية من المتاعب .. ورغم أن زوجي لا يدخر وسعا لاسعادي إلا أنه ما أن تحدث بيننا مشاجرة بسيطة كما يحدث عادة بين الأزواج حتى أرى نظرة الندم على ارتباطه بي في عينيه . وفي أوقات غضبه العابرة قد يقول لي أنه غير سعيد معى لكنه يرعى الله في فقط لأنني ضحيت بكل غال من أجله وأنه يتفادى أن نمشي معا في الشارع حتى لا يتذكر الناس قصتنا ويعيدوا سيرتنا من جديد وهو يتمنى أن ينسوها ورغم ذلك كله فليس عنده استعداد لأن يهدم بيته مرة أخرى حتى لا يشمت فيه كل من نصحوه بالابتعاد عني وبعد أن تهدأ ثورته يعتذر ويقول لي أنه لا يعني هذا الكلام حرفيا وأنني قد أثرته فاندفع إلى قوله بغير وعي لكني أعرف جيدا أن هذا هو مكنون صدره ولا ألومه عليه وابنتي الكبرى قد بلغت الآن الثانوية العامة وأدعو الله أن يوفقها واختيها ويعوضهن خيرا عن حرمانهن مني فقلبي معهن .. ولكن بعد ماذا يا سيدي .. فلقد فات الآوان وأبوهن قد شارف الآن الستين من عمره ولم يتزوج وقد أصبحت أدعو الله له كل يوم أن يطيل عمره حتى تظل بناتي تحت جناحه ولا يضعن في الحياة بعد حرمانهن مني, وسؤالي الأخير لك هو : ماذا أفعل بحياتي الآن يا سيدي هل أترك زوجي الذي أحببته وتمنيت الحياة معه وأرجع إلى بناتي حتى يهدأ خاطري تجاههن وإذا فعلت ذلك فماذا سيكون مصير إبني الطفل الصغير من زوجي الجديد ؟
ولـــكـــاتــــبــة هـــذه الـــرسالة أقــــول :
وشهد شاهد من أهلها يا سيدتي .. أي من أهل التضحية بسعادة الأبناء وتغليب السعادة الشخصية على كل الاعتبارات والإيمان بمبدأ أن الانسان لا يعيش حياته سوى مرة واحدة , وبالتالي فمن حقه أن يحياها كما يهوى القلب وليس كما تفرضها عليه الظروف أو الاحساس بواجبه المقدس تجاه أبنائه .
نعم شهد شاهد من أهل هذه الرؤية الأنانية للحياة بما طالما آمنت به ودافعت عنه من أننا لا نسعد أبدا سعادة حقيقية بتعاسة أبنائنا حتى ولو حققنا لأنفسنا كل ما حلمنا لها به بعيدا عنهم , ومن أن القهر النبيل بالأبناء ليس عناء متصلا وإنما يرطب منه كثير وكثير راحة القلب بالقرب من الأبناء وبالرضا عن النفس حين يؤدي الإنسان واجبه الأخلاقي ويتحمل أقداره بشجاعة وصبر تجاه من جاء بهم إلى الحياة ولا ذنب لهم في سوء اختياره لشريك عمره , وما أؤمن به أيضا من أن أصحاب الضمائر قد يرتكبون الخطأ لكنهم لا يستمتعون بثمرته أبدا استمتاعا كاملا إذا ينغص عليهم هذا الاستمتاع دائما احساسهم بالذنب تجاه من تضرروا بأخطائهم ..
شهدت رسالتك .. وبالتجربة القاسية بكل ذلك بلا مواربة .. "وهدوء العاصفة" الذي تقولين أنك قد بدأت بعده في الاحساس بعدم الاستقرار والقلق والحيرة والمرارة الشديدة لفقدك لبناتك ما هو في حقيقته إلا "هدوء المشاعر" الذي عنيته في ردي على رسالة الزوجة الأخرى التي دفعتك لكتابة هذه الرسالة : فالحب الذي ينمو في وجه التحديات والعواصف والرفض .. والانكار من الجميع لمخالفته للاعراف والقيم السائدة .. قد يستمد من هذا التحدي نفسه بعض قدرته على الصمود والاشتعال لبعض الوقت , لكنه لا يلبث ومهما طال الزمن أن يهدأ فيسمح للعقل باستئناف أحكام القلب المتسرعة التي لم تكن قابلة للاسئناف من قبل وبرؤية باقي جوانب الصورة التي حجبها عن العيون فوران المشاعر وهي في قمتها .. وفي قمة التحدي .. فيبدأ الانسان يسأل نفسه هذه التساؤلات التي تؤرقك الآن .. ويأتيه الجواب غالبا كالصفعة وهو أنه لا شئ في الحياة يستحق أن يتعذب به أبناؤه خاصة إذا كانوا صغارا .. ولا شئ في الحياة يستحق أن يضحي من أجله باستقرارهم وأمانهم ومستقبلهم فيقول بعد فوات الأوان مع سليمان الحكيم : أتفه من التفاهة .. كل شئ تافه .. لقد رأيت كل الأعمال وكلها باطل وتافه .. في الحكمة الواسعة يزيد الحزن , وليس أفضل من أن يستمتع المرء بعمله .. فهذا هو نصيبه وقدره .. هذا هو حصاد التجربة غالبا يا سيدتي وهو أيضا نفس حصاد تجربتك للأسف . وإذا كان الخطأ الأساسي في قصتك يتحمله أهلك الذين قبلوا بخطبتك لرجل يكبرك بعشرين عاما وأنت في سن الخامسة عشرة تقريبا أو السادسة عشرة .. فلقد ارتكبت أنت أيضا يا سيدتي من الأخطاء ما يتجاوز هذا الخطأ الأساسي بكثير ويتعدى كل آثاره .. فلقد أتممت زواجك منه بعد أن تفتحت مداركك , وترسخ نفورك منه في أعماقك بما لا يدع أى مجال لاحتمال تغير مشاعرك تجاهه , وليس يجدي هنا أن تقولي أن أهلك قد ثاروا عليك حين رفضت اتمام الزواج إذ أنه ما من قوة في الأرض تستطيع ارغام فتاة على أن تتزوج من تصر حتى النهاية على رفضه .. وهكذا فإذا كان أهلك يتحملون مسئولية خطبتك لشخص لا ترين فيه زوج الأحلام , فأنت التي تتحملين مسئولية زواجك منه كاملة كما أنك أيضا تتحملين مسئولية رفضك الدائم له طوال 13 عاما ومحاسبتك له نفسيا على مؤهلات وعيوب جسمية لا حيلة له فيها ولم يخترها لنفسه فضلا عن مسئولية انجابك منه ثلاث بنات رغم نفورك القاطع منه ورفضك الباطن والعلني له . أما مسئوليتك عن "الخطأ الأكبر " الذي قاد إلى هذه النهاية فليست موضع نقاش فالخيانة يا سيدتي كالسموم البيضاء قد تبدأ بجرعة واحدة فإذا خطوت الخطوة الأولى على الطريق فإنها تستدرجك إلى المزيد والمزيد من الخطوات في اتجاه المنحدر , لهذا فلقد كان الأجدى بك هو أن تنأي بنفسك عن هذه الثلاثية الشهيرة في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر "للزوج والزوجة والصديق الوسيم الذي يجتمع فيه كل ما تفتقده الزوجة في زوجها" فقد كان نأيك عنها هو طريق النجاة لك منذ البداية ..
لكنك اخترت الطريق الشائك وواصلت السير فيه حتى النهاية . وأي نهاية أخرى كنت تتوقعينها لهذا الاختلاط الحميم بين زوجة ترى في زوجها كل عيوب الدنيا , وبين صديق شاب للأسرة ترى فيه كل ما حلمت به لنفسها ولم تجده في زوجها ؟
لقد كان هذا الاختلاط الحميم هو "الحركة الخاطئة" منذ البداية والتي لم تكن لتقويك إلا إلى مزيد من من الأخطاء إذ أنه حتى المشاعر التي لا يملك الإنسان أمرها يستطيع أن يتحكم فيها وهي في بداياتها المبكرة , وأن ينأى بنفسه عما يؤجج جذوتها فيه فتخمد بعد قليل من المعاناة , أما أن يقرب منه كل ما يشعل لهيبها في أعماقه ويحرص على هذا القرب .. فلا معنى له إلا أنه قد اختار طريق الهاوية بإرادته ولم يعد راغبا في مغالبة النفس ولا في مقاومة مشاعره ووئدها في بدايتها .
ولقد عجبت كثيرا لاعتقاد زوجك الحالي أنه لم "يظلم" زوجك السابق بأخذه لك منه ومن بناتك لأنك كما قال لك أنت التي تعرضت للظلم من أهلك من البداية , وقد تكونين قد ظلمت من أهلك فعلا يا سيدتي .. لكن لماذا يدفع زوجك الذي لم يجبرك على شئ وتدفع بناتك ثمن "رفع" هذا الظلم عنك .. وكيف يعاقبه فتاك وكيف يعتقد أنه لم يظلم زوجك ولم يرتكب إثما , وجريمة إفساد زوجة على زوجها من الجرائم التي تبرأ منها ومن مرتكبها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين قال :
"ليس منا من خبب "أي أفسد" امرأة على زوجها" ..
لقد نشرت رسالتك يا سيدتي ليس لكي أجيب على تساؤلك لي هل تتركين زوجك الحالي وتعودين إلى بناتك اللاتي تفتقدينهن الآن بشدة , وإنما لاني استشعرت فيه صدق ندمك على التضحية ببناتك الثلاث من أجل هوى القلب وتطلع النفس إلى الحياة الأرقى .. ولأني أيضا قد استشعرت صدق تجربتك ورغبتك في أن تستفيد منها من يجدن أنفسهن أمام نفس الخيار الذي واجهته من قبل فأخذت سعادتك الشخصية على حساب تعاسة بناتك أما تفكيرك في الانفصال عن زوجك الحالي والعودة لبناتك فهو تفكير ليس جادا حتى ولو كان صادقا في بعض الأحيان وهدفه فيما أعتقد هو أن يستشعر زوجك الذي ضحيت من أجله ببناتك وكل حياتك السابقة عمق احتياجك إلى أن يرفع عنك هذا الحظر اللانساني الذي يفرضه على اتصالك ببناتك واتصالهن بك . وأنا رغم تحفظي على اختيارك الأناني منذ البداية , أؤيدك في ذلك بشدة وأضم صوتي مطالبا زوجك ليس فقط بأن يسمح لك بحقك الطبيعي في التواصل مع بناتك وبحقهن عليك في ذلك , وإنما أيضا بألا يغفل هو أيضا حق طفلته من زوجته السابقة عليه في أن يراها ويرعاها .. ويؤدي واجبه الإنساني تجاهها , فالإنسان لا يسعد أبدا بنسيان حقوق الآخرين عليه ولابد أن يأتي يوم يعض فيه بنان الندم على أنه لم يؤد لهم هذه الحقوق في مواقيتها .. وقبل أن تفسد نفوسهم تجاهه بالمرارة والاحساس بالظلم حتى لم تعد تجدي أي محاولة لاسترضائها وإزالة مرارتها .. أما تفكيرك في العودة لزوجك الأول وبناتك منه ففضلا عن أنه ليس رغبة أصيلة لديك بعد أن حدث كل ما حدث , فهو أيضا لا يتعلق برغبتك وحدها في ذلك وإنما يتعلق أيضا باستعداد زوجك لقبول عودتك إليه بعد كل ما جرى منك وذاع أمره في مدينتك الصغيرة .. وحتى لو قبل ذلك فلن تكون حياتك معه مستقرة ولا هادئة ذلك أن الخيانة قاسية ولا تنسى مرارتها بسهولة , وأنت في حقيقة أمرك تحبين زوجك الحالي وتجدين معه كل ما حرمت منه في حياتك الماضية وعودتك لزوجك وبناتك حتى لو قبل بها والدهن إذا كان معناها أن تستمري في كراهيتك العميقة له وفي حبك لزوجك الثاني حتى بعد انفصالك عنه مع قد يجره ذلك من أخطاء جديدة .. فإن بقاءك مع زوجك الحالي أكرم وأفضل لك وللجميع حتى ولو تضررت منه بناتك أكثر من تضرر ابنك بعودتك إليهن فزوجة مخلصة في النهاية .. أفضل من أم ليست كذلك إذا لم يكن هناك مفر من هذا الاختيار البشع .
وإذا كان زوجك قد بدأ الآن يسأل نفسه نفس التساؤلات التي تراودك وينظر حوله فيرى الدنيا كلها قد نبذته وقاطعته لأنه قد أفسد زوجة على زوجها واستأثر بها لنفسه دون زوجها وبناتها , فليس هذا دليلا على أنه قد فقد حبه لك نهائيا .. وإنما هو دليل آخر فقط على أن الإنسان لا تصفو له الدنيا تماما إذا أقام سعادته على أنقاض سعادة الآخرين , أو إذا تحدى قيم مجتمعه وخرج على كل أعرافه استجابة لأهوائه وحدها . ومازالت الدنيا بخير مافتئ المجتمع يدين الخطأ وينفر من أصحابه ويعتزلهم .. ويحتج على أنانيتهم احتجاجه الصامت بالنبذ والابتعاد .. وكل ذلك يفرض على زوجك أن يخفف عن نفسه بعض عناء هذا الاحتجاج الصامت بمراعاة الحق والعدل والرحمة في علاقتك ببناتك وفي علاقته بابنته .. وليس بمضاعفة أسباب النفور منه بموقفه اللانساني هذا من بناتك .. ومن ابنته .. وشكرا.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر