حقل الألغام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

حقل الألغام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002 

حقل الألغام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002



الإفراط في حديث المرء عن تضحياته لمن أحب ينقص من قدر هذه التضحيات في نفس من قدمت له، ويشعره بالضيق بها ولقد يحضه على أن يجحدها أو أن ينفي عن نفسه أنه سعى إليها .. حيث كانت بالفعل اختيارا إراديا للمضحي وليس لأحد سواه‏.
ولهذا قال الأديب الإسباني العظيم سرفانتس‏: من أعطى فليصمت ومن أخذ فليتكلم‏!
عبد الوهاب مطاوع

أنا شاب أبلغ من العمر 37 عاما وأحمل مؤهلا مرموقا وأعمل عملا محترما.
وقبل أن أقص عليك حكايتي .. أرجو المعذرة لتشوش أفكاري واضطرابها‏.. فالحق أنه لم يكن يخطر لي على بال من قبل أن أضطر ذات يوم لأكتب إلى بريد الجمعة وأن أبوح بأسراري وأطلب المشورة فيها.

 لقد نشأت في ظل أسرة مفككة ..‏ حيث لم تكن لي أسرة الأساس لأن أبي طلق أمي وعمرها‏21  سنة فقط وكان عمري وقتها 4 سنوات‏.. وحتى الآن لم أعرف سببا لهذا الانفصال سوى ما تقوله أمي عن أنانية أبي وضعف شخصيته‏, وبعد الانفصال خاضت أمي معركة شديدة من أجل الاحتفاظ بي واستماتت في ذلك‏, وتنازلت عن النفقة بل وعن أثاث منزل الزوجية أيضا مقابل ألا يطالب بي أبي‏, وبعد 7 سنوات رحل أبي عن الحياة بعد أن كان قد تزوج زوجة أخرى وأنجب منها ابنتين‏, واشتبكت أمي من جديد في مشكلات أخرى مع أهل أبي بسبب الميراث وهددوها بانتزاعي منها وجعل الوصاية علي لهم‏, واضطرت أمي للتنازل عن بعض الحقوق لكي تحتفظ بي على شرط ألا يكون لهم شأن بي‏, وكأنهم ليسوا من أقاربي‏.
وحدث ذلك بالفعل ولم أعرف أهل أبي ولم أرهم منذ ذلك اليوم في أية مناسبة‏, وعشت حياتي وحيدا مع أمي ووالديها وأقاربها‏, وعندما تقدمت في العمر بعض الشئ وبدأت أتساءل عنهم‏, كانت تمنعني من الإشارة إليهم ببكائها بحرقة كلما تحدثت عنهم وروايتها لي عما لاقته منهم طيلة زواجها وبعد طلاقها‏, فألجأ إلى استرضائها بالكف عن السؤال عنهم وعدم الإشارة إلى هذا الموضوع مرة أخرى‏.


وكافحت أمي كثيرا لتربيتي واضطرت لأن تبيع كل ما تملك وأن تفعل المستحيل لكي تعلمني أفضل تعليم‏, وتلبي لي كل احتياجاتي‏, فلم أشك من شئ سوى من وحدتي شبه المطلقة في الحياة وافتقادي لقرناء من سني‏, فجدي وجدتي كبيران في السن وقليلا الكلام بطبعهما‏, وأمي تضيق بأن يكون لي أصدقاء‏, وتقول لي إنهم يعطلونني عن الدراسة‏, وإذا أردت الخروج وأنا في فترة المراهقة للترفيه عن نفسي مع بعض الأصدقاء اتهمتني بأني أتركها للوحدة وأفضل عليها أصدقائي‏.. ثم تبدأ من جديد في سرد تضحياتها الجسيمة من أجلي ومأساتها مع أبي وأهله‏.. وكيف أن الحياة لم تترفق بها‏, فلم يكن لها حظ التوفيق مع زوج أو ابن‏, وتبدأ في البكاء فيؤرقني الإحساس بتأنيب الضمير وأشعر بالإشفاق عليها وأستعيد أحاديثها الدائمة عن عظم حق الأم من الناحية الدينية على الابن وكيف ذكره الله بعد أمره للمؤمنين ألا يشركوا بالله شيئا‏, فأرجع عن الخروج إلى الأصدقاء في معظم الأحيان‏, وأمضي أيامي وحيدا أو أصر في حالات قليلة على الترويح عن نفسي فتكون مأساة تسيل فيها الدموع أنهارا‏.

وهكذا أنهيت دراستي الجامعية العملية بغير أن أتعامل عن قرب مع أية فتاة‏, وبغير أن تكون لي صداقات عميقة مع أحد‏, وبعد التخرج عملت عملا مناسبا وبدأت أوفر بعض دخلي من العمل وأعمل في أعمال إضافية وخاصة‏.
ومضت بي الأيام حتى وجدتني على مشارف الثلاثين دون أن أتعرف على أية فتاة بسبب ظروفي التي أشرت إليها وتربيتي المغلقة وتديني الشديد منذ الصغر‏.. وبدأت أشعر باحتياجي إلى الزواج والمشاعر العاطفية‏, فاستجمعت ذات يوم شجاعتي وفاتحت أمي برغبتي في الزواج‏, فلاحظت على الفور تغير ملامحها‏.. وصمتها الطويل قبل أن تنصحني بعدم الاستعجال‏, وتلفت أنا حولي فوجدت في دائرتي العائلية فتاة في سن الزواج هي ابنة خالتي التي فوجئت بأنها قد كبرت حتى كادت تنهي دراستها الجامعية‏, وبعد إيحاءات من جانب خالتي لي بأنه قد آن الأوان لأن أفكر في الزواج‏, فاتحتها برغبتي في ابنتها ورحبت بي‏, وعرضت ذلك على أمي فغضبت غضبا شديدا بدعوى أنني قد تخطيتها وقمت بما كان ينبغي لها أن تقوم هي به‏، وبعد ضغوط عديدة مني قبلت أمي قراءة الفاتحة‏, لكنها اتخذت من مسألة مفاتحتي لخالتي بالموضوع قبل إبلاغها سوطا تجلدني به كل يوم‏, وازدادت المشكلات حين وجدتني أبحث عن شقة للزواج‏, وبكت طويلا لأن خطيبتي ستأخذني منها بعد كل ما فعلت من أجلي وما قدمت لي‏, حتى اضطررت للعدول عن فكرة الاستقلال بمسكن الزوجية واعتزمت على الإقامة معها وقبلت بذلك خطيبتي‏, غير أن ذلك لم يمنع أمي من افتعال مشكلة أخرى مع شقيقتها وتصعيدها حتى انتهى الأمر بفسخ الخطبة‏!

وتكررت القصة نفسها بكل فصولها‏.. وتفاصيلها الرتيبة‏4 مرات على مدى ‏5 سنوات‏, وفي كل مرة كانت أمي تقبل أن أتقدم إلى فتاة مناسبة عائليا واجتماعيا وأخلاقيا‏, وتتم الخطبة‏.. وتقبل الفتاة وأهلها أن نقيم مع أمي بعد الزواج ثم لا يلبثون بعد قليل وخلال المعاملات الاجتماعية مع أمي أن يلمسوا مدى صعوبتها فيطالبون بمسكن مستقل عند الزواج وتنفجر المشكلات وينتهي الأمر بفسخ الخطبة‏.
وأرجو ألا تظن بي الضعف‏.. وأن هذا هو السبب في فشل كل هذه الارتباطات‏, فالحق أنني لست كذلك‏, وإنما هي فقط أمي ولا أملك أن أتخلى عنها أو أن أتركها تواجه المرض والوحدة في بيتها‏.. كما أني لن أشعر بالراحة في هذه الحالة‏, وهكذا فقد وجدت منذ عامين وفي العمارة نفسها التي نقيم بها شقة لا يفصلها عن مسكن أمي سوى جدار وترغب صاحبتها في تأجيرها بعقد محدد المدة‏5 سنوات‏, فوجدت فيها الحل المنشود‏.. فها هي شقة زوجية مستقلة عن أمي ترضي من سوف أتزوجها‏, وملاصقة في الوقت نفسه لمسكن أمي فأكون قريبا منها وأؤدي واجبي تجاهها‏.. فاستأجرت الشقة وصمدت لكل المشكلات التي أثارتها أمي بهذا الشأن‏.

وبعد ذلك بقليل تعرفت خلال رجوعي من رحلة العمرة‏.. بسيدة وقور وطيبة وعرفت أن لها ابنة في سن الزواج‏, فحدثتها عن أمي وكيف تبدو في الظاهر صعبة المراس‏, لكنها في حقيقة الأمر سيدة طيبة وعانت في حياتها كثيرا‏, وتقدمت بعد ضغوط شديدة من جانبي على أمي‏, لخطبة ابنة هذه السيدة‏, وشعرت معها بالحب الحقيقي ووجدت في سماحة وجهها والنور الذي يشع من عينيها ما يشعرني بالرضا والفرح‏, ورجوتها كثيرا أن تصمد لأية محاولات لتحطيم ارتباطنا وتتجاوز عنها‏.. فاستجابت للنداء وتحملت محاولات أمي المستمرة لتطفيشها وكانت صبورا وحنونا على الدوام وساعدتها طبيعتها الهادئة المتسامحة على ذلك‏.
وبدا لي أن القصة سوف تكتمل فصولها هذه المرة‏.. وشجعني على هذا الأمل أنني كنت قد اتفقت مع خطيبتي على أن نتجنب الزيارات العائلية بين أهلها وأمي‏, لكيلا يلمسوا جفاءها لي أو لخطيبتي أو لهم وتتعقد الأمور‏, وخيل إلي أن أمي قد سلمت باليأس من إفساد هذا الزواج .‏. خاصة مع صبر خطيبتي ورعايتها لربها في تعاملها معي‏, فوصفتها أمي ساخطة بأنها باردة‏, وأسعدني ذلك كثيرا‏. وأنهت أسرة خطيبتي إعداد الجهاز وشراء الأثاث‏, وتم فرشه في مسكن الزوجية وقررنا أن نعقد القران بعد أسبوعين وأن يتم الزفاف بعده بـ ‏10 أيام‏. وسافرت في مهمة عمل إلى إحدى المحافظات التي أرجع منها في اليوم نفسه متأخرا‏, ووجدت أمي نفسها وحيدة في المسكن فاتصلت بخطيبتي وأبلغتها أنها تشكو التعب الشديد وتحتاج لأن تكون إلى جوارها حتى أعود أنا من سفري‏, خوفا من أن يشتد عليها التعب وتضطر للجوء إلي الطبيب‏.

فأسرعت إليها خطيبتي ومعها أمها ــ واستقبلتهما أمي شاكرة اهتمامهما ــ وجلسن جميعا يتبادلن الأحاديث الودية‏, فإذا بأمي تتهم خطيبتي وأهلها فجأة بأنهم قد استغلوا طيبتي وأرهقوني ماديا بمتطلبات فوق طاقتي‏, مع أن كل شيء كان قد تم بالفعل ولم يبق على الزواج إلا‏24 يوما‏, ولم تتحمل أم خطيبتي هذا الاتهام ودافعت عن موقف أسرتها‏.. فصعدت أمي المشكلة في حين لم تنطق خطيبتي بكلمة سوى محاولتها تهدئة أمها من ناحية وأمي من ناحية أخرى .. ويبدو أن صبر خطيبتي‏, أو ما تعتبره أمي برودا‏, قد آثار حفيظتها فأرادت أن تضع له نهاية .. فماذا تظنها قد فعلت؟

فكر يا سيدي في أي شئ‏, ولن يهديك فكرك إلى الحل المثالي الذي توصلت إليه أمي لإنهاء صبر خطيبتي وإصرارها على إتمام الزواج .. فلقد صفعتها على وجهها أمام أمها‏.. والاثنتان ضيفتان عليها وسوف تصبح زوجتي بعد‏24 يوما فقط‏!
ولست في حاجة لأن أروي لك ما حدث بعد ذلك‏, فلقد تطور الأمر على نحو يتعذر معه أي إصلاح‏.. وحتى حين أرهقت والد فتاتي الطيب بإلحاحي وقبل مشفقا علي الصلح بشرط أن تحضر والدتي إليهم وتعتذر لهم عما حدث‏, وقبلت خطيبتي بذلك فلقد رفضته والدتها بإصرار من ناحية‏, ورفضته كذلك أمي من ناحية أخرى حتى ولو قبلوا هم بإتمام الزواج دون اعتذار‏, وإلا فلسوف تغضب علي إلى يوم الدين‏, وبالتالي فعلي أن أختار بينها وبين هذه الفتاة‏!

ولن تتخيل عمق الألم الذي شعرت به حين جاءت سيارة النقل بعد أيام وتم إنزال أثاث الزوجية من الشقة‏, ولن أخجل من أن أقول لك إنني قد بكيت في غرفتي كالطفل‏.. ونزف قلبي دما وأنا أتذكر كيف كنا نحلم بأيامنا المقبلة معا ونتحدث عن حلمنا في إنجاب أبناء يعوضونني عن وحدتي في الحياة بلا أهل ولا أصدقاء‏.. وعدت من جديد إلى حياتي الكئيبة قبل ارتباطي بهذه الفتاة وليس حولي سوى أمي وأحاديثها المحفوظة عن تضحياتها العديدة من أجلي ومأساة حياتها الشخصية‏, وكيف أنه لا توجد فتاة تستحقني وتستحق أن تفوز بثمرة شقائها وتضحياتها من أجلي‏, ومع ذلك فالأفضل أن أترك لها الاختيار إلى أن تجد لي عروسا تليق بي‏.
وبعد عام من فسخ الخطبة الأخيرة تزوجت فتاتي الطيبة الصبور وتمنيت لها كل السعادة بالرغم من حسرتي الدامية عليها‏, وذهبت إلى النادي الذي احتفلوا فيه بزفافها ورأيتها وهي خارجة منه إلى السيارة بالفستان الأبيض ودموعي تسيل في صمت‏, ومشكلتي هي أنني شاب نشأ في طاعة الله أخشى المعصية‏, فهل ستظل حياتي على هذا النحو إلى ما لا نهاية‏, وماذا أفعل مع أمي؟

 

 إنني لا أريد أن أكون عاقا لها ولا فظا معها‏, حتى لا يغضب الله علي‏, وليغفر الله لي ما أجده في قلبي من مشاعر غير إيجابية تجاهها‏, فقد أصبحت أختنق ببكائها وشكواها الدائمة من حظها العاثر ودعائها على نفسها إذا رأتني حزينا أو متجهما منذ فسخ الخطبة الأخيرة‏, وحديثها الأبدي عن تضحياتها من أجلي‏, وأتساءل لماذا إذن تريد أن تكرر هذا الحظ العاثر وتحرمني من أن تكون لي حياة زوجية وعائلية وأبناء؟ وأريد أيضا أن أعترف لك بأمر يخجلني‏.. هو أنني قبل أن أشعر بالحب تجاه آخر خطيباتي‏, كنت أضعف عاطفيا مع كل فتاة خطبتها ويخيل إلي أنني أبحث عن الحب‏, أما الآن فإني لم أعد أبحث عن الحب وإنما عن الزواج فقط لكي أحمي نفسي من الزلل وأتجنب المعصية وغضب ربي علي‏. فجسدي في حالة غليان وأنا أتماسك وأحاول الصيام حتى لا أقترف الحرام‏, وأعمل كثيرا وبطريقة مجهدة لكيلا أفكر في الخطيئة‏, لكني بشر في النهاية وحولي فتيات وسيدات في كل مكان‏, فهل يمكن لي أن أتزوج ذات يوم‏.. وماذا أفعل مع أمي لكي يمكن إتمام مثل هذا الزواج؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:

أعانك الله على تحمل أقدارك وعلى التعامل معها بحكمة تخرجك من هذا النفق المظلم الذي تجد نفسك فيه موزعا بين تطلعك المحروم للحياة الطبيعية‏, وبين الاتهامات الظالمة لك بالتنكر لتضحيات أمك الجسيمة من أجلك‏!
فالحق أن والدتك تكرر معك ذلك النموذج النفسي النادر للأم الوحيدة التي تكرس حياتها لابنها الوحيد‏, وتضحي من أجله باعتباراتها كامرأة‏, فتعتمد عليه لا إراديا في تعويض كل ما عانته من وحدة وحرمان وعناء‏.. وترغب في امتلاكه والاستئثار به دون الجميع‏.. وتشعر بالهلع الشديد حين يتطلع بمشاعره وغرائزه إلى أنثى أخرى‏, فتقاوم كل علاقة عاطفية له وكل مشروع ارتباط يعرض له‏, وتتفنن في ابتكار شتى الحيل لكي تدمره باعتباره خطرا داهما عليها يهددها بفقدان الابن المحبوب‏!

ولقد قال عالم النفس الأمريكي كولز في تشخيصه لهذا النموذج الذي أطلق عليه وصف الأم المتوحشة أنها لا تتورع في بعض الحالات عن الانحدار إلى مستوي التفكير الإجرامي في إبعاد الأخريات عن ابنها‏, وقد يصل بها الحال إلي ارتكاب الأفعال اللا أخلاقية لتحقيق أغراضها‏, كالكذب والافتراء والخديعة‏.. والإيهام بغير الحقيقة وإثارة الشكوك في إخلاص الفتاة التي تتجه إليها مشاعر الابن‏.. والحط من قدرها والتشكيك في جدارتها به‏, ونياتها تجاهه‏.. وتحريضه عليها وتحريضها هي نفسها عليه‏, إلى غير ذلك من الحيل والوسائل‏.. فإنه لم يفلح كل ذلك في تحقيق الهدف المنشود‏, فقد تمرض بالفعل بتأثير القلق النفسي والخوف القاتل من فقد الابن‏.. أو تتمارض لاستثارة عطفه وإعادة نفسها إلى بؤرة اهتمامه وإشعاره بالذنب تجاهها على أمل صرفه عما يمضي إليه‏, ومن واجب الإنصاف أن نقول إن معظم هذه التصرفات والأفعال تحدث من جانبها على مستوي العقل الباطن وليس الواعي‏, وفيما يشبه النزعة الجبرية لفعله وارتكابه‏, وليس بكامل الإرادة الحرة والتدبير الواعي‏.

فإذا كان علماء النفس الغربيون لا يتسامحون مع مثل هذا النموذج ولا يتعاملون معه إلا باعتباره حالة مرضية تعكس انحرافا أو شذوذا نفسيا لا شفاء له إلا بالعلاج النفسي المتخصص وإبعاد الأم في بعض الأحيان عن حياة الابن بالقوة الجبرية أو بقوة القانون‏, فإن عظم حق الأم علينا وقيمنا الدينية والأخلاقية ونفورنا من التعامل الواقعي البحت مع أمهاتنا وآبائنا وذوي رحمنا‏, يفرض علينا أن نتسامح نحن مع من لا يتسامحون معه‏, وأن نتعامل مع مثل هذه الأم بالرفق الذي لا يحول بين الابن وبين ممارسة حياته الطبيعية وتحقيق رغباته المشروعة في الحياة‏, ولا يقسو في الوقت نفسه عليها أو يضاعف من آلامها‏.
ذلك أن الأم والأب والأخوة والأبناء هم أحق البشر بألا نتعامل معهم بالمثل وإنما بالمبدأ الرحيم الذي يعبر عنه الشاعر العربي بقوله‏:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم لنعتذر
واستهداء بهذا المبدأ الراقي‏.. فلابد لك أن تتفهم أولا دوافع والدتك لما فعلت معك في خطباتك الخمس‏, وأن تسلم بأنها قد فعلته انطلاقا من حبها لك ورغبتها في الاستئثار بك‏, حتى ولو كانت قد تجاوزت بهذا الحب حد الحكمة والاعتدال إلى دائرة الحب الأناني الذي يضر بالمحبوب بأكثر مما يسعده‏, وأن تحاول دائما إشعارها بأنك سوف تقدر لها على الدوام تكريسها لحياتها من أجلك‏, وعطاءها الدافق لك‏.. ولسوف تظل هي على الدوام حبة القلب وبؤرة الاهتمام الأولى في حياتك مهما اتسعت دائرتها فضمت إلى جوارها الزوجة والأبناء والصحاب‏, ومن الضروري كذلك أن تتحفظ دائما في إظهار مشاعرك تجاه أية أنثى أخرى أمامها‏.. وأن تتعامل مع العراقيل المتوقعة من جانبها لأي مشروع ارتباط جديد لك بمهارة من يسير في حقل للألغام‏.. فيعرف لقدمه قبل الخطو موضعها‏.. ويبطل ألغام الطريق واحدا بعد الآخر أو يتفاداها بحذر إلى أن يصل إلى بر الأمان‏.
وخير ما يعينك على ذلك هو الحب الصادق الذي يجمعك بفتاة متفهمة ومحبة ومتدينة ومحاربة ومتسامحة في الوقت نفسه‏. وعلى استعداد لأن تواصل الطريق معك حتى منتهاه‏, فإذا وفقت إلى مثل هذه الفتاة فتقدم لأهلها على الفور‏, وأكد لهم أنك رجل رشيد ومسئول عن نفسه وعن حياته‏, وتفضل أن تكون العلاقة بينك وبينهم مباشرة في المراحل الأولي من الارتباط دون تدخل أي طرف ثالث ولو كان والدتك‏, وأمض إلى الإعداد للزواج‏, واعقد قرانك على فتاتك ثم صارح والدتك بما فعلت وتحمل لومها لك وعتابها عليك وحديثها المطول عن تضحياتها من أجلك إلى أن تهدأ نفسها وتسلم بالأمر الواقع‏, وتحاول تقبله أو التواؤم معه‏, مؤكدا لها في كل حين حبك الطاغي لها واهتمامك بأمرها وعطفك عليها وتقديرك لتضحياتها‏.. وحرصك على عدم تعريضها للمتاعب بإبعادها عن مراحل الارتباط الأولية‏, ووجودك الدائم في حياتها قبل الزواج وبعده‏, حيث لن يفصل بينك وبينها سوى جدار واحد لن يحول أبدا دون رعايتك لها وعنايتك بها‏.. وأصبر على كل ما تلاقيه منها إلى أن يرزقك الله سبحانه وتعالى بأول حفيد لها فيحطم بلا جهد منه كل السدود والحواجز‏.. ويملأ وجدانها ويشعرها بتواصلها مع الحياة ومعك إلي الأبد‏, فأما الإحساس بالذنب تجاهها وخوفك من غضب ربك عليك فلا مجال له في كل ذلك‏, مادمت ترعى ربك في التعامل معها وتؤدي كل حقوقها عليك‏, وليس من بينها أبدا أن تقضي على نفسك بالحرمان من الزواج والحياة الطبيعية من أجلها‏, حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏, ولا خوف عليك حتى من دعائها بلسانها عليك‏, لأنه لا يعبر في الواقع عما في قلبها‏.. ولأنه أيضا إنما يتقبل الله من المتقين صدق الله العظيم‏, وليس ممن يكلفون الأبناء رهقا لا تحتمله طبيعتهم البشرية ولا يقره الله سبحانه وتعالى أعدل العادلين‏.

وأما التضحيات الجسام من أجلك‏, فلقد كانت من أجلك نعم ولكن من أجلها أيضا وبنفس القدر إن لم يكن أكبر‏, فالأم التي تقاتل لتحتفظ لنفسها بابنها تفعل ذلك حبا لهذا الابن‏, وإرضاء في الوقت نفسه لأمومتها ورغبتها العارمة في الاستئثار بابنها لنفسها‏, وبقدر ما تحقق مصلحته بهذه التضحية وتفضلها علي اعتباراتها الشخصية بقدر ما تشبع بها‏, كذلك غريزتها الأمومية ورغباتها الإنسانية‏, فليقدر لها الابن هذه التضحيات بالفعل‏, ولكن بغير أن تتحول إلى سياط تجلده بها أمه علي الدوام‏.
والإفراط على أية حال في حديث المرء عن تضحياته لمن أحب ينقص من قدر هذه التضحيات في نفس من قدمت له‏, ويشعره بالضيق بها ولقد يحضه على أن يجحدها أو أن ينفي عن نفسه أنه سعى إليها‏, حيث كانت بالفعل اختيارا إراديا للمضحي وليس لأحد سواه‏.
ولهذا قال الأديب الإسباني العظيم سرفانتس‏: من أعطي فليصمت ومن أخذ فليتكلم‏!
وقال الشاعر العربي القديم‏:
أفسدت بالمن ما أسديت من نعم
ليس الكريم إذا ما أعطي بمنان

كما انك في النهاية لم تكن مسئولا عن حظها العاثر في الزواج‏.. ولم تكن أنت الذي اخترت لها الزواج وهي طفلة في السادسة عشرة من عمرها لا تحسن فهم الحياة‏, فجنحت سفينتها سريعا وهي في الحادية والعشرين من العمر‏!
ولا يعني ذلك أبدا التهوين من حجم عطائها لك‏.. وإنما يعني فقط أن تتحرر نفسيا من الإحساس بالذنب تجاه ما لا ذنب لك فيه‏.. وأن ترعي والدتك وتكرمها حبا لها ووفاء بحقها عليك ورعاية لحدود ربك في التعامل معها‏, وحسن مصاحبتها في الدنيا وليس سدادا لديون لم تقترضها‏.. أو تكفيرا عن ذنوب لم تقترفها‏.. والسلام.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات