موقف الضعف .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003
فلماذا لا نسد المنافذ عليها لكيلا تطل علينا من داخلنا وتعين الآخرين علينا, وذلك باتقاء الشبهات والبعد عن مواطن الإغراء ؟
أنا زوجة
وأم ومنذ بداية زواجي وأنا أعمل لمساعدة زوجي ومساعدة أنفسنا وأولادنا ومحاولة
توفير الحياة الكريمة لهم, لأن مرتب زوجي لا يكفي لذلك بالإضافة إلى أن زوجي
يعمل في الصباح بإحدى الجهات الحكومية ويعمل في المساء عملا خاصا مع أحد أقاربه,
وكنا سعداء بحياتنا ونشكر الله ونحمده على ما أعطانا! ثم ظهرت فجأة أعراض المرض
على زوجي وبدأ رحلته مع مرض مزمن ويصعب معه استمرار حياته إلا بالعلاج والراحة
التامة, فاضطر زوجي لترك العمل الخاص وأصبحنا بذلك نعيش بمرتبي ومرتبه فقط بالإضافة
إلى مصاريف المستشفى في حالة الأزمات .. فاضطررت لأن استغني عن بعض من متطلباتنا
واحتياجاتنا لتوفير العلاج ومصاريفه, وأصبحت حالة زوجي تأخذ اهتمامي المادي
بالدرجة الأولى, وصرحت لأولادي بذلك وساعدوني على هذا فأخذوا يقتصدون في
طلباتهم .. إلى أن رشحني رئيسي المباشر للعمل بفرع آخر, وهو مكان متميز من
الناحية المادية حيث أحصل فيه على زيادات بالإضافة إلى مرتبي مقابل عدد ساعات عمل
أكثر.
فلا تعلم مدى سعادتي بذلك وحمدت الله كثيرا عليه
وشكرت فضله وكرمه, وفعلا كما يقول الله (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
.. وتسلمت عملي الجديد وأنا سعيدة به وسعيدة بزملائي وزميلاتي الجدد فيه,
وأظنهم هم أيضا كذلك فأنا هادئة الطباع وفي حالي كما يقولون ولا أتدخل في شئون
الآخرين بالإضافة إلى لمسة الحزن كذلك المطبوعة على وجهي بسبب مرض زوجي.
ولكن دوام الحال من المحال ففي يوم فاجأت زوجي أزمة من أزماته ومكثنا عشرة أيام
بالمستشفى وكان زملائي متعاطفين معي كثيرا فكانوا يقومون بعملي نيابة عني وأترك
عملي قبل مواعيد الانصراف لملازمة زوجي في المستشفى. ثم علم رئيس الفرع بحالة
زوجي واستدعاني إلى مكتبه للاستعلام عن حالته وإذا بي أجده ينظر لي نظرة تفهمها أي
سيدة واعية لما يجري حولها, لكني تجاهلتها ثم تكرر الاستدعاء أكثر من مرة فكانت
نظراته لي في كل مرة تخيفني, وزاد هذا الرجل من همومي لأنه ظن أنني ضعيفة وفي
حاجة إلى رجل وهذا ما قاله لي, وبصراحة انهرت أمامه في البكاء وطلبت منه أن
يتركني لحالي فأنا زاهدة في الدنيا طمعا في الآخرة.. واللحظات التي أرى زوجي
فيها يتعذب تزيدني زهدا في الحياة, إلى أن جاء يوم واستدعاني إلى مكتبه وعرض علي
أن أختار المكان الذي أريده وهو بعض الأماكن المميزة أيضا ماديا مقابل أشياء
يحرمها الله.. فطلبت منه أن أبقى في مكاني.
ويومها رجعت البيت وارتميت في حضن زوجي وأنا لا
أستطيع الكف عن البكاء, وطلب مني تفسير هذا الموقف وكذبت عليه وعللته بأنه ضغط
العمل وطلبت منه يدعو لي في صلاته بالستر.. إنني متدينة ومحتشمة وارتدي الحجاب
ولا أعتقد أن لدي ما يشجع من أمامي على الطمع في سوى أن زوجي مريض.
فماذا أفعل هل أترك هذا المكان المميز وأعود لعملي الأساسي وأضحي بالمزايا المادية
علما بأن هذه الزيادة مطلوبة وتساعدني كثيرا في مواجهة ظروفي.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الزوجة الفضلى الملتزمة بدينها وأخلاقياتها تشعر بالإهانة لمجرد محاولة أحد الرجال إغواءها وهو يعلم أنها زوجة محصنة.. وتعتبر المحاولة في حد ذاتها إشارة كافية إلى سوء ظنه بأخلاقياتها يستحق عنها وحدها الازدراء والمقاطعة.. فما بالك يا سيدتي إذا أضيف إلى ذلك شعور الزوجة الفضلى بأنه ما أغراه بها سوى سوء ظروفها وأحوالها الإنسانية والاجتماعية واستشعاره بأنها في موقف الضعف وتحت ضغط الظروف القاسية التي تواجهها قد تفرط في أخلاقياتها وتتخلى عن التزاماتها ؟ إنها إهانة مضاعفة.. تكشف عن حقارة مغلظة يترفع عنها حتى بعض المتهتكين تعففا عن أن يصموا أنفسهم إلى جانب المجون بالخسة والنذالة ومحاولة استغلال الظروف القاسية للآخرين.وليس لدي أي
شك في أنك تستطيعين مواجهة هذا الرجل بالحزم الواجب الذي يشعره بالخجل من نفسه
ويدفعه للكف عن محاولاته الدنيئة معك.. لكن السؤال الأهم هو: هل يصبح هو بعد
ذلك صحبة آمنة أو جوارا آمنا لك في العمل تأمنين معه على نفسك وقيمك ومبادئك, على
المدى البعيد ؟
إن مجرد طرح الموضوع للحوار معه حتى ولو بمناشدته أن يدعك لنفسك وزوجك وأبنائك..
إنما يفيد السير خطوة مبدئية على الطريق المنحدر.. ويعطي لعلاقتكما معا درجة
الخصوصية قد تسمح له بإعادة طرح الموضوع للمناقشة في أي مرحلة مقبلة.. أو كلما
استشعر لمزيد من ضعفك الإنساني وخيل إليه أن مقاومتك قد بدأت في الانهيار.. فكيف
تأمنين على نفسك يا سيدتي في مثل هذا الجوار, ولماذا لا تتقي الشبهات من
البداية.. وننصرف عن هذا المكان إلى غيره حتى لو فقدت بعض المزايا المادية لفترة
مؤقتة.. يعوضك ربك بعدها بإذن الله عما فقدت بأكثر منه.
إن الخطر كما يترصدنا من العالم الخارجي.. فإنه قد يتهددنا كذلك من داخلنا..
ولقد كان القطب الصوفي الحلاج يقول: النفس أخبث من سبعين شيطانا..
فلماذا لا نسد المنافذ عليها لكيلا تطل علينا من داخلنا وتعين الآخرين علينا,
وذلك باتقاء الشبهات والبعد عن مواطن الإغراء ؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر