الماء الفاتر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000

 الماء الفاتر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000

الماء الفاتر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000

بعض الناس يقيسون فيما يبدو عمق سعادتهم بحجم اتساع دائرة ضحايا هذه السعادة من الأبرياء الذين داسوا علي أشلائهم للوصول إليها‏.‏

عبد الوهاب مطاوع


أكتب إليك بعد أن ضاقت بي الدنيا وسدت أمامي جميع السبل ـ فأنا سيدة في السابعة والأربعين من عمري تزوجت منذ‏22‏ عاما من شاب تقدم إلي خطبتي‏,‏ ولقي قبولا من أسرتي‏..‏ ودعيت للتعرف به في صالون البيت فرأيته إنسانا هادئا ومهذبا ووسيما‏..‏ فوقع مني موقع القبول علي الفور‏,‏ وأعلنت لأبي ترحيبي به وتمت الخطبة والسعادة تملأ جوانحي‏..‏ وبدأت الاتصالات التليفونية اليومية بيننا كل مساء وبدأ يزورني كثيرا واقتربت منه وتفجرت ينابيع الحب المكتوم في قلبي تجاهه‏..‏ أما هو فقد كان هاديء المشاعر غالبا بالنسبة لي‏,‏ وشكوت لأمي من ذلك فطالبتني بالصبر عليه حتى تجمع العشرة بيننا ويتفجر ينبوع الحب في قلبه تجاهي‏,‏ لأن ظروفه كشاب تختلف عن ظروفي‏..‏ فهو يكبرني بخمس سنوات‏,‏ ولابد أنه قد خاض أكثر من تجربة عاطفية قبل أن يرتبط بي‏,‏ أما أنا فهو أول إنسان في حياتي‏,‏ ولهذا تدفقت عليه مشاعري بقوة‏,‏ وأقنعت نفسي بصحة رأي أمي‏,‏ وساعدني علي ذلك أني لم أجد منه إلا كل رقة واحترام في التعامل معي‏,‏ أما مسألة التحفظ في المشاعر هذه فلا دليل  عليها سوي ما استشعره أنا في أعماقي من أنه لا يحمل لي حبا ملتهبا يكافيء حبي له‏,‏ وكنت قد تخرجت في كليتي وعملت بوظيفة مناسبة‏..‏ وسألني خطيبي عن خطتي بالنسبة للمستقبل بعد الزواج فصارحته بأنني أنوي الاستمرار في العمل بضع سنوات إلى أن أشعر بحاجة أبنائي إلي فأتفرغ للبيت‏,‏ وسعد كثيرا بهذا التفكير‏,‏ وتزوجنا وسط فرحة الأهل وسعادتي الغامرة وكرست حياتي من اليوم الأول للعناية ببيتي وزوجي وتوفير الجو الملائم له للتقدم في عمله‏,‏ حيث كان يعمل بوظيفة تعده بمستقبل كبير وواجهنا في بداية حياتنا الصعوبات المادية المألوفة‏..‏ فكنت أساهم بمرتبي كله في البيت إلى جانب ما يعطيه لي أبي من مساعدات سرية‏.‏
وبناء على طلب زوجي أجلنا الإنجاب ثلاثة أعوام‏..‏ لكي تتوافر لدينا الظروف المناسبة قبل مجيء الأطفال‏,‏ بالرغم من اعتراض أمي ولهفة أبي علي أن يري حفيدا له مني‏,‏ ثم أبديت رغبتي لزوجي في الإنجاب بعد أن بلغت الثامنة والعشرين فلم يعترض ولم يتحمس وشغلت عن فتوره للإنجاب بتطلعي لأن أنجب منه أطفالا‏..‏ وأنجبت طفلتي‏.‏ وبعد عامين آخرين أنجبت طفلي‏,‏ وكنت أرغب في إنجاب طفل ثالث لأني أحب الأطفال ونشأت بين خمسة من الأخوة‏,‏ لكن زوجي أقنعني بالاكتفاء بما رزقنا به الله‏..‏ والاهتمام بالطفلين وحصلت على إجازة من عملي لرعاية الطفلين‏,‏ وفي هذه الفترة أعير زوجي للعمل بإحدى المنظمات بالخارج ورغبت في مرافقته وإدخال الطفلين المدارس في مقر عمله‏..‏ لكنه أقنعني بأن أبقي في مصر علي أن ألحق به لقضاء شهور الصيف معه‏..‏ وتمتعت مع زوجي بأجمل فترات حياتنا‏,‏ واستمرت إعارته أربعة أعوام‏..‏ ورجع إلي  واستقرت بنا الحياة في مصر‏..‏ وتقدم زوجي في عمله‏,‏ وتحسنت أحوالنا المادية كثيرا‏..‏ وانتقلنا من الشقة العادية التي بدأنا حياتنا فيها إلى شقة جميلة بضاحية أجمل وواصل الابنان تعليمهما حتى بلغا المرحلة الثانوية‏..‏ وطوال هذه السنوات لم يحدث بيني وبين زوجي خلافات كبيرة‏..‏ ولم تشهد حياتنا سوى بعض الاحتكاكات البسيطة بحكم طبيعة الحياة المشتركة ومطالب الأبناء ومتاعب تربيتهم‏..‏ وفي كل الأحوال فلقد حرصت دائما على ألا تخرج خلافاتنا عن دائرة الاحترام المتبادل بيني وبين زوجي‏,‏ كما كنت غالبا من يبدأ بالاقتراب منه ومصالحته لأنني لا أطيق خصامه ولا جفاءه لي‏.‏ وفي المقابل فقد شهدت حياتنا مناسبات سعيدة كثيرة مثل نجاح الأبناء في الشهادات العامة‏..‏ وترقية زوجي إلى مركز أكبر‏,‏ واحتفالات عيد زواجنا التي بلغت ذروتها قبل عامين في ذكرى مرور عشرين سنة علي الزواج‏,‏ حيث غمرني زوجي بالهدايا وبالكلمات الجميلة التي هي أثمن من الهدايا أمام أولادي وأثني علي كثيرا‏,‏ وقال لابنتي إنه يريد منها أن تكون مثل أمها في كل شيء ودعا لابنه بأن تهبه الحياة زوجة مثلي تحفظ زوجها وبيتها وأبناءها‏,‏ فبكيت من الفرح والسعادة‏..‏ ودعوت الله أن يحفظ لي زوجي وأسرتي وسعادتي‏..‏
وكنت حين احتفلت بعيد زواجي العشرين في أجازة بدون مرتب من عملي لأتفرغ للعناية بابني وهو يستعد لامتحان الثانوية العامة‏..‏ وكلل الله جهودي وجهود ابني بالنجاح ودخوله نفس الكلية التي سبقته إليها أخته‏..‏ وسعدنا بذلك كل السعادة‏,‏ واحتفلنا بنجاحه احتفالا بهيجا‏..‏ فلم يمض على بداية عامه الجامعي الأول سوى عدة أسابيع‏,‏ حتى تكدرت حياتي  بملاحظتي علي زوجي ابتعاده عني‏..‏ وانطواءه علي نفسه‏..‏ وعدم استجابته لأي محاولة من جانبي للاقتراب منه أو معرفة أسباب انشغال فكره‏,‏ وتصورت أن زوجي ربما يكون يعاني أزمة منتصف العمر التي يمر بها بعض الرجال خاصة أنه قد تجاوز الخمسين بعام‏,‏ وبدأ يشعر بانسحاب الشباب وظهور الشعر الأبيض بكثرة في رأسه‏,‏ وحاولت إشعاره بأن هذا الشعر الأبيض قد زاده وسامة وجمالا في نظري‏,‏ وهي حقيقة لكنه لم يستجب لأية محاولة‏..‏ وأمعن في البعد والصمت والانطواء‏..‏ وكثرت أسفاره للعمل منفردا دون أن يدعوني لمصاحبته كما كان يفعل من قبل‏.‏
إلى أن فوجئت به ذات يوم يقول لي في هدوء قاتل إنه يريد أن يعترف لي بشيء خطير ويعرف ما أريد بعد سماعه‏..‏ أما الشيء الخطير الذي فاجأني به زوجي بعد أكثر من عشرين عاما من الزواج المستقر الناجح الخالي من المشاكل والصراعات فهو انه غير سعيد معي‏..‏ ولا يريد الاستمرار في حياتنا معا‏..‏ ويخيرني بين أن يهجر البيت دون طلاق ويقيم وحيدا في الشقة التي كان قد اشتراها لتكون لابنه في المستقبل‏,‏ علي أن يبدأ في شراء أخرى له بالتقسيط‏..‏ وبين أن يطلقني في هدوء ويعطيني كل حقوقي الشرعية‏,‏ وأظل في بيتي وبين أولادي إلي نهاية العمر‏,‏ ونظل صديقين علي البعد يحترم كل منا الآخر ويتعاون معه في رعاية الأبناء‏,‏ وإذا بدا لي أن أتزوج غيره في أية مرحلة من العمر فلن يغير ذلك من طبيعة العلاقة بيننا بل إنه يرحب إذا اقتضت الضرورة بزواجي في نفس مسكن الزوجية وبين ولدي بشرط أن أحسن الاختيار‏!‏
ولن أروي لك ما حدث لي حين سمعت ذلك ولن أطيل في  التفاصيل المحزنة التي تلت هذه المناقشة الهادئة كما يسميها‏,‏ وإنما سأقول لك فقط إنه قد خيل إلي أني أشهد فيلما من أفلام السينما يجري أمامي‏,‏ ولم أكن لأصدق وقائعه لولا أنني كنت طرفا حيا فيها‏..‏
فلقد فشلت كل المحاولات والدموع والبكاء والاستجداء والتوسل من جانبي ومن جانب ابني وابنتي مع زوجي في تغيير موقفه‏,‏ وفشلت كل الوساطات العائلية في إرجاعه عن فكره وهجر البيت في يوم حزين وانتقل لشقته الجديدة التي أثثها على عجل‏,‏ واستفزتني كرامتي بعد أن أعيتني معه الحيل فقلت له إنني أفضل الطلاق‏..‏ وكأنما كان ينتظر مني هذه الإشارة فأسرع بطلاقي وأرسل إلي مع شقيقه الأكبر مؤخر الصداق ونفقة المتعة ونفقة العدة وتعويضا ماليا زائدا‏,‏ وأكد لي أنه سوف يستمر في إرساله المبلغ الشهري الذي كان يدفعه لي كمصروف للبيت إلي ما لا نهاية‏,‏ وقدم لي شقيق زوجي مظروفا بهذه المبالغ وعيناه تدمعان أسفا وحزنا على انهيار هذه الأسرة التي طالما ضرب بها المثل في الوفاق والاستقرار‏.‏
وقلت لشقيق زوجي ماذا تساوي النقود وقد فقدت أماني وسعادتي واستقرار أبني وابتهاجهما بالحياة ؟ وأحنى الرجل رأسه ليخفي دمعته وودعني وهو يدعو لي بالصبر وتعاطفت معي شقيقات زوجي وأزواجهن وأنكروا جميعا تصرفه وغاضبوه وحرصوا على زيارتي والسؤال عني كل يوم ودعوتي إلى بيوتهم‏,‏ وقبل أن أفيق من ذهولي فوجئت بالحوادث تتوالي سريعة بلا رحمة‏,‏ وأكتشفت سر هذا الانقلاب الخطير في شخصية زوجي‏,‏ حين فوجئت به يتزوج من سيدة طلقت من زوجها قبل شهور قليلة ولها ثلاثة  أبناء أصغرهم في السابعة عشرة من عمره‏!‏ وعرفت أن زوجي كان يحب هذه السيدة‏,‏ وهي فتاة في سن التاسعة عشرة وظل يحبها خمس سنوات‏,‏ وفشل في الزواج منها لأسباب مادية‏,‏ وتزوجت من كان قادرا وقتها على تكاليف الزواج وإعداد شقة في حي المهندسين ولديه سيارة ومال كثير‏,‏ وأنجبت منه وعاشت معه‏24‏ عاما‏,‏ إلى أن التقت بزوجي خلال العمل بالمصادفة‏..‏ وشكت له من تعاستها الزوجية وندمها علي إضاعته من يديها فتجدد الحنين واستيقظت المشاعر النائمة كما يقول‏..‏ وظلا علي علاقة عاطفية بالتليفون واللقاءات الخاطفة في العمل لمدة شهور‏,‏ واتفقا علي استكمال القصة القديمة التي لم تتم‏..‏ وطلبت هي الطلاق من زوجها‏,‏ وأحالت حياته إلى جحيم إلي أن رضخ بعد عناء كبير وتركت أبناءها الثلاثة وانتظرت أن يطلق زوجي زوجته ويتوج قصتهما بالزواج فلم يخيب رجاءها‏!‏ وتزوجا وانتقلا إلى عش الحب الذي راح ضحيته رجل وامرأة وخمسة من الأبناء الحيارى ‏..‏ وهما الآن سعيدان بحياتهما راضيان عنها ولا يؤرقهما لحظة واحدة عذاب الضمير بما فعلا بشركاء الحياة والأبناء وكل منهما يقول إنه قد أدى رسالته مع أبنائه‏,‏ ومن حقه أن يسعد بما بقي له من العمر إلى جوار من يحب فإذا قيل لزوجي أن ابنيه مازالا في مرحلة الدراسة الجامعية يقول أنهما قد اجتازا المرحلة الصعبة وهي الثانوية العامة‏.‏ وسوف يتخرجان ذات يوم ولن يتخلي عنهما‏!‏ وإذا قيل له إن زوجته تحبه ولم تسيء إليه ولم تكن حياته معها تعيسة أجاب سامحه الله ـ بأن حياته معي كانت هادئة لكنها لم تكن سعيدة لأنه لم تكن بيننا سوى العشرة والاحترام وهي شبيهة بالماء الفاتر الذي لا يروي  العطشان‏..‏ أما حياته الحالية فهي مشحونة بالعواطف الحارة‏!‏ فأي منطق هذا يا سيدي ؟ وما ذنبي أنا في قصة الحب القديمة التي لم تكتمل أو في تخلي بطلتها عنه بسبب الإمكانات المادية وندمها فيما بعد علي إضاعته من يديها‏..‏ ولماذا لم يظهر هذا الندم وهو يتعثر في بداية حياته العملية وتفجر فجأة بغير مقدمات بعد أن أصبح زوجي رجلا مرموقا في مجاله ولديه إمكانات مادية جيدة وسيارة فاخرة وشقة إضافية ودخله كبير وحتى لو صدقت هذه المشاعر‏..‏ فما ذنبي أنا في ذلك ولماذا يحترق قلبي وأنا اقترب من الخمسين بغدر شريك الحياة والحرمان من السعادة والاستقرار ؟‏.‏ لقد قال لي زوجي خلال مناقشتنا الهادئة تلك وفي برود قاتل إنني استطيع أن أبدأ حياتي من جديد مع غيره‏..‏ فسامحه الله على ما لا يفهمه‏..‏ إذ كيف يمكن أن أحب رجلا آخر بعد‏23‏ عاما من الحب الخالص لإنسان وهبته كل مشاعري وحياتي ؟‏..‏ وكيف أستطيع أن أدخل علي إبنتي الشابة وابني الشاب رجلا آخر غير أبيهما يختلي بي في غرفة النوم وهما في الجوار يرقبان ويفهمان ويتألمان وما هذا الحب اللعين يا سيدي الذي يبرر به زوجي كل هذه القسوة علي من لم تكن تري الدنيا إلا من زاويته وعلي الأبناء الذين كانوا يرون فيه مثلهم الأعلى ؟
لقد مررت بفترة عصيبة انهرت فيها صحيا ونفسيا‏..‏ وبدأت أفكر في الرجوع للعمل وقطع إجازتي لعلي أجد ما يشغلني عن التفكير المستمر لمدة‏24‏ ساعة‏..‏ في طعنة زوجي ووالد أبني لي وأنا في هذه المرحلة من العمر‏..‏ فبماذا تنصحني يا سيدي وماذا تقول لي وله ؟

بعض الناس يقيسون فيما يبدو عمق سعادتهم بحجم اتساع دائرة ضحايا هذه السعادة من الأبرياء الذين داسوا علي أشلائهم للوصول إليها‏.‏ وبهذا المقياس الفاسد فإنه يحق لزوجك السابق وشريكته في هذه السعادة أن يفخرا بعدد الضحايا الذين سقطوا على جانبي الطريق خلال سعيهم لنيلها‏.‏ أما أصحاب القلوب الحكيمة من البشر فهم لا تصفو لهم السعادة إذا شقي باختيارهم لها أعزاؤهم حتى ولو شكوا بالفعل من بعض جوانب النقص في حياتهم‏.‏
والحياة قد تحول أحيانا بين الإنسان وبين بعض ما يرجوه لنفسه وتجود عليه في نفس الوقت بما يكفي لأن يعوضه عما يفتقده في حياته أو يراه من وجوه النقص فيها‏.‏
ولقد تتاح له فيما بعد الفرصة لتصحيح ما يعتبره من أخطاء الحياة في حقه فيتوقف أمام هذا الاختيار ويوازن بين ما سوف يجنيه من عوائد هذا التصحيح المتأخر وبين ما سوف يتكبده أعزاؤه من ثمن فادح له ويدفعه هو نفسه من اعتباره لدى الأبناء والأهل والمجتمع المحيط به‏,‏ فيفصل إذا كان ممن لا يسعدون بشقاء الأعزاء والآخرين ألا يعدل بحسن اختيار الله به شيئا‏,‏ ويتجاوز عما لا يرضيه من حياته إلي ما يرضيه منها فيشكر ربه عليه ويسلم بأنه وأمر من بعض الداء الدواء كما قال أمير الشعراء‏,‏ فيعزف عن خيار التصحيح إذا كانت أضراره الإنسانية والعائلية والاجتماعية أكبر بكثير من أضرار استمرار الحال علي ما هو عليه والرضا به‏.‏ وكذلك يفعل الفضلاء ومن يستشعرون مسئوليتهم العائلية عمن يعتمدون عليهم في حياتهم‏,‏  ومسئوليتهم الإنسانية عن إعلاء المثل العليا في الحياة أما اختيار أنا وبعدي الطوفان فهو اختيار ذوي الأثرة والأنانية والإحساس المتضخم بالذات على حساب الغير‏,‏ وهؤلاء لا يجدي معهم الحديث الآن على الأقل وهم في ذروة النشوة الموصومة بانتصار الحب علي الأعراف والتقاليد والقيم العائلية والاجتماعية وكافة القيود والأغلال الاجتماعية وإنما قد يجدي الحديث إليهم بعد حين وحين يخمد الفوران العاطفي الذي يذكيه الآن الإحساس بالتحدي للصعاب والعقبات العائلية والاجتماعية‏..‏ وعندها قد يكتشف أطراف مثل هذا الاختيار أن ما خسروه من خسائر إنسانية وعائلية واجتماعية خلال سعيهم لنيل سعادتهم الخاصة بغير اعتبار سوي لمشاعرهم ورغباتهم وحدها قد يكون أكبر بكثير من حجم ما نعموا به بالفعل من سعادة‏..‏ حقيقية كانت أم زائفة فصبرا يا سيدتي فان خداع الأبصار لا يدوم إلى الأبد ولابد من يوم يراجع فيه كل إنسان كتابه مع الحياة ويؤرقه ضميره بما جنى على الآخرين بغير ذنب جنوه سوى أن أقدارهم قد وضعتهم علي غير إرادة منهم في طريق سعيه لسعادته‏..‏ وقد يتدارك ما يستطيع تداركه من أخطائه وعثراته قبل أن يفوت أوان الإصلاح والاعتذار عن الأخطاء فلقد شعرت بعمق فجيعتك فيمن أخلصت له الحب طوال الرحلة فلم يبادلك للأسف بعض هذا الحب‏,‏ وضحى بك عند أول مفترق للطرق كأنما قد كانت حياتك معه ومشاعرك تجاهه ضياعا من الضياع‏.‏ ولقد ذكرني موقفك الحسير وشقيقه الأكبر يقدم إليك فدية الغدر والخيانة بموقف إحدى زوجات الإمام الحسن بن علي حين ولي الخلافة بعد مقتل أبيه وأخطأت الزوجة فهنأته بها قائلة‏:‏ لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال لها‏:‏  أيقتل علي وتظهرين الشماتة ؟‏..‏ أذهبي فأنت طالق ثلاثا‏.‏ وبقيت في بيته حتى انتهت عدتها وبعث إليها بعشرة آلاف درهم كمتعة ومؤخر صداق‏,‏ فقالت المرأة لمن حمل إليها المال وهي باكية‏:‏
ــ متاع قليل من حبيب مفارق‏!‏
وصدقت فيما قالت يا سيدتي فكل شيء في الحياة حقا متاع قليل إذا افتقد الإنسان راحة القلب وسكونه إلى جوار من يحب‏.‏
لكن ماذا نقول نحن فيمن لا يرون إلا أنفسهم ورغباتهم ومطالبهم من الحياة ولا يعنيهم في كثير أو قليل ما قد يقدمونه من قرابين بشرية علي هيكل الفوز ببلوغ غاياتهم ؟
قد نقول ما قاله أحد الحكماء في موقف مشابه‏:‏ لقد أحببت الإخلاص وكرهت الغدر وآمنت بالخير والحق والعدل والجمال‏,‏ والمثل العليا‏..‏ وكان ذلك لنفسي قبل أن يكون لغيري‏..‏ فان كافأني الغير على ما حملت لهم من مشاعر طيبة بالوفاء لي فبها نعمت‏,‏ وان جحد البعض عطائي ومشاعري وإخلاصي‏,‏ فلقد استمتعت بممارسة إحساس العطاء والحب والوفاء والنبل‏..‏ ولي ما أحسست به‏..‏ وعليهم عاقبة ما فقدوه من عطائي السابق لهم‏,‏ وفي ذلك بعض العزاء‏.!‏
نعم يا سيدتي وفي ذلك بعض العزاء‏..‏ فتماسكي دفاعا عن نفسك وصحتك ودفعا للهم والحزن والمرض‏,‏ واستجمعي قواك لكي تواصلي رحلة الحب والعطاء لأبنائك وتستكملي معهم رسالتك وتستمتعي بجني ثمار عطائك النبيل لهم‏..‏ ولا بأس بفكرة العودة للعمل لكي تشغل بعض أوقاتك وتخرجك من دائرة الانحصار داخل مأساتك الشخصية‏..‏ إلى العالم  الأوسع بآفاقه واهتماماته وشواغله فالفارغ من كل عمل يشغل الإنسان عن همومه هو أعدي أعداء المهموم بأمره‏..‏ وأنشط أعوان المرض عليه‏..‏
فأرجعي إلي عملك ولو بصفة مؤقتة وثقي في نفسك وجدارتك بكل خير وجميل في الحياة وتأكدي دائما من أنه "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب"
صدق الله العظيم ـ والسلام.

رابط رسالة السعادة الخالصة تعقيبا على هذه الرسالة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات