السعادة الخالصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

 السعادة الخالصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

السعادة الخالصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

بقدر إعجابي بآرائك وفلسفتك في الحياة بقدر ما أغضبتني وأشعرتني بالحزن بعد أن قرأت رسالة نشرت في هذا الباب من عدة شهور بعنوان الماء الفاتر‏,‏ كانت الرسالة من زوجة وأم انصرف عنها زوجها بعد أكثر من‏25‏ عاما من الزواج والكفاح ليتزوج من أخرى التقى بها أخيرا‏,‏ ويقول إنه قد وجد الحب الذي كان يبحث عنه معها فضحى بحياته العائلية المستقرة وزوجته التي تحملت صعوبات البداية معه وأبنائه من أجلها‏,‏ ولقد شعرت عندما قرأت ردك عليها وانتقادك لتصرف زوجها وحديثك عن ذوي الأثرة والأنانية والإحساس المتخم بالذات على حساب الغير وكأنك تسبني أنا مع أنك لا تعرفني ذلك أن لي تجربة في الحياة مشابهة وإن كانت عكسية فأنا سيدة في أواخر الأربعينيات من العمر وقد طلبت الطلاق من زوجي بعد‏22‏ عاما من الزواج‏,‏ لكي أتزوج من ابن خالتي‏,‏ وأريد أن أقول لك أنه ليس هناك إنسان مستعد لأن يهدم بيته بعد هذه العشرة الطويلة بأي حال من الأحوال حتى ولو كان مثالا للأنانية‏,‏ إلا لأنه بالفعل لم يجد راحته في حياته الشخصية‏,‏ فحياته الزوجية تبدو سعيدة بل مثالا للسعادة الزوجية من الخارج‏,‏ لكنه وحده الذي يعرف إذا كان سعيدا حقا أم غير سعيد‏.

 

ولن أتطرق إلى أسباب عدم السعادة مع زوجي الأول ووالد البنتين الجميلتين اللتين أنجبتهما منه‏,‏ لكن هناك عبارة استوقفتني في ردك على صاحبة مشكلة الماء الفاتر تقول لها فيها مهونا عليها ظروفها فصبرا يا سيدتي‏,‏ فإن خداع الأبصار لا يدوم تقصد بذلك أن زوجها الذي انصرف عنها إلى الأخرى واقع الآن في خداع البصر أو وهم الحب وسرعان ما ينقشع الوهم وتنكشف الحقيقة‏,‏ وأريد أن أقول لك إن ما أنا فيه لم يكن خداعا للأبصار‏,‏ فلقد مضت سبعة أعوام على زواجي الثاني ومازلت سعيدة مع العلم بأن زوجي الأول كان أغنى من زوجي الثاني ولديه أموال كثيرة وكانت لدي سيارتي الخاصة‏,‏ وأنا معه كما كان لدي ما هو أهم من كل ذلك وهما ابنتاي‏.‏
والآن فإني أقيم في شقة مفروشة مع زوجي الثاني‏,‏ لكن بيتنا يتنفس الحب والصدق والسعادة على الرغم من شدة تأنيب ضميري لي ولست أتحدث عن تأنيب الضمير بمجرد الكلام‏,‏ بل إنني قد مرضت بالسرطان منذ عامين وكان زوجي وحبيبي خير معين لي‏.‏


كما أقول لك إنه ليس خداعا للأبصار لأن الابنتين الحبيبتين تعشقان زوجي وسعيدتان في حياتهما وتحبانني حبا يفوق الوصف‏,‏ ولهذا فليس كل من يفعل ما فعل زوج كاتبة رسالة الماء الفاتر إنسانا أنانيا أو عديم الإحساس‏,‏ ولا يصح تعميم الحكم على الجميع لأن النفس البشرية شديدة التعقيد ولا يستطيع أحد أن يفهم أغوارها‏,‏ وتأكيدا لهذا فإني أقسم لك بالله العظيم أن عندي ضميرا وأنه قد أنبني طويلا وكثيرا حتى زارني مرض السرطان كما أنني أرعى البنتين أفضل رعاية وأزورهما كل يوم وأعبدهما من بعد الله وهما تعبدانني وتقولان عني‏: ‏إنني أم نادرة وتحسدان نفسيهما علي‏,‏ ولو لم تصدقني تستطيع الاتصال بهما وأن تسألهما عن ذلك.

 

 إنني أبدو الآن وكأنني أدافع عن نفسي أو كأن ضميري مازال يؤنبني على ما فعلت والحقيقة أنه مازال كذلك ولولا هذه النقطة فقط لكنت أسعد امرأة في العالم مع هذا الرجل المتدين الصادق الكريم بلا حدود والذي لا يملك مليما واحدا في أي بنك‏,‏ وكذلك أنا ومع ذلك فلو رأيتنا لحسبتنا من أصحاب الملايين‏.‏
أخشى أن أكون قد أغضبتك فأضيف بذلك إلى أسباب تأنيب الضمير لدي سببا جديدا‏..‏ ولقد فكرت في أن أطلب منك اللقاء لكني أعلم أنك لا تحبني ولا تحب من هم مثلي ولهذا اكتفيت بالكتابة لك وأريد أن أعرف رأيك‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

فلتهنأ لك الحياة كما اخترتها لنفسك‏,‏ لكنه ليس من العدل أن تنتظري أن يقلدك أحد الأوسمة مكافأة على مثل هذا الاختيار‏..‏ لأن اختيارا من هذه الاختيارات التي قد نتفهم في بعض الأحيان الدوافع التي قادت إليها‏..‏ وقد نتلمس لصاحبها بعض العذر فيها‏.‏ لكننا لا نكافئه في نفس الوقت عليها ولا نضعه أبدا في المكانة العالية التي نضع فيها أهل التضحية بكل الاعتبارات من أجل سعادة الأبناء وأمانهم واستقرارهم مهما كانت معاناتهم في حياتهم الشخصية‏.‏
ولا يغير من ذلك شيئا كثيرا أن نعرف أن ابنتيك تعشقان زوجك الحالي وأنهما تحبانك حب العبادة وتحسدان نفسيهما عليك‏,‏ ولا أن نعرف كذلك أنك تعبدينهما من بعد عبادة ربك سبحانه وتعالى وتقومين برعايتهما حق الرعاية‏..‏ فذلك كله قد يخفف من بعض الآثار السلبية لهجرك لهما من أجل الزواج ممن تجدين معه السعادة‏,‏ أو يعادل بعض هذه الآثار‏,‏ لكنه لا يتوجك مثالا للأم الرءوم التي تضع سعادة ابنتيها وأمانهما واستقرارهما فوق كل الاعتبارات‏,‏ وأنت تعرفين ذلك جيدا وتسلمين به في أعماقك وتدركين أنك قد أقدمت على الاختيار الذي يقدم عليه الإنسان وهو لا يأمل في أن يشيد به الآخرون لما فعل‏,‏ وإنما غاية ما يأمله هو أن يصمد للوم أو يتخفف منه على الأقل أو يتفهم الآخرون أسباب اضطراره إليه ويلتمسوا له بعض العذر فيه‏,‏ ولو لم يكن الأمر كذلك لما صاحبك الإحساس بتأنيب الضمير ولوم الذات طوال سبع سنوات من سعادتك الحقيقية التي ليست من قبيل خداع البصر‏,‏ حتى هذا أورثك هذا الإحساس المؤلم المرض كما تقولين أنت نفسك في رسالتك وهذا الإحساس نفسه هي الشهادة الصحيحة لأمومتك وليس حب ابنتيك لك أو لزوجك أو حبك لهما ولا عجب في ذلك لأن الضمير الأخلاقي قد لا يحول بيننا وبين ارتكاب الأخطاء في بعض الأحيان‏..‏ لكنه يمنعنا غالبا من التمتع بها‏.‏


وهذا هو السر في أن سعادتك الحقيقية التي ترفلين فيها الآن سعادة منقوصة وليست خالصة لأنه ينغصها عليك إحساسك المؤلم بالتخلي عن ابنتيك من أجل سعادتك الشخصية‏..‏ وإدراكك كذلك أنك حتى ولو لم تكوني من أهل الأثرة والأنانية كما تقولين عن نفسك‏,‏ فإنك لست كذلك من أهل التضحية والفداء والاحتمال من أجل الأبناء‏,‏ فهل ترينني مجافيا للحقيقة في ذلك‏.‏
إننا نحكم على مواقف الأشخاص على ضوء توافقها أو تعارضها مع القيم الدينية والأخلاقية والمثل العليا ـ ونسلم بأن لكل إنسان ظروفه الخاصة وقدرته على العطاء واحتماله الذي قد لا يستطيع تجاوزه للمكاره وإلا انهار كالبنيان الآيل للسقوط‏,‏ لكن مراتب الأشخاص إنما تتحدد دائما يا سيدتي ـ برعايتهم للمثل العليا والمباديء والقيم التي يؤمنون بها وقدرتهم على التضحية من أجل هذه المثل‏,‏ واستعدادهم للصبر على المكاره تجنبا للوم والانتقاد وسقوط الاعتبار كما أن الأخلاق القويمة كما يقول لنا الكاتب الانجليزي لورد تشسر فيلد‏:‏ تقوم على تضحيات بسيطة ببعض الاعتبارات الشخصية وفي كل ذلك فإن العبرة دائما براحة القلب والضمير وتوافق الإنسان مع نفسه ومع المجتمع المحيط به والقيم السائدة فيه وإحساسه بالرضا عن اختياراته في الحياة‏..‏ وإدراكه بأنه لا يظلم أحدا إيثارا لذاته‏,‏ ولا يسعد بحياته على حساب شقاء الآخرين وتعاستهم ولا خصما من سعادتهم وحقوقهم عليه‏..‏
أم هل ترين أنه قد استحدثت الآن معايير جديدة للسلام النفسي وراحة القلب والضمير سوى ذلك ؟

رابط رسالة الماء الفاتر

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات