ثمن التجربة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2001
أنا زوجة وأم لأبناء
بلغوا سن الشباب.. وقد مضت رحلة الحياة بخيرها وشرها وتجاوزت مع زوجي
صعوبات البداية.. ووقفت إلى جواره إلى أن حقق نجاحه المادي وأصبح له
عمل مهني مستقل.. وإيراد محترم.. وتقدم الأبناء في مراحل الدراسة
وبلغ أكبرهم المرحلة الجامعية فتركزت حياتي
في رعاية زوجي والاهتمام بأبنائي.. ومتابعة دراستهم ومشاركتهم اهتماماتهم
وسماع حكاياتهم عن أصدقائهم وزملائهم.. ثم روي لي ابني الأكبر ذات
يوم أن صديقا له قد تعرف على فتاة جميلة وأحبها وسوف يتقدم لخطبتها في القريب
العاجل, فتمنيت له أن يرتبط هو أيضا بفتاه جميلة من أسرة طيبة.. ووعدته
بمساعدته في الزواج حين يأتي الوقت الملائم.. وبعد فترة قصيرة ابلغني أن صديقه
قد تقدم لخطبة فتاته من أمها.. وقوبل بالترحيب وسوف يقدم لها دبلة الخطبة
في احتفال صغير, وفي الموعد المحدد ارتدى ابني بدلة السهرة وربطة عنق جميلة..
ليذهب مع صديقه إلى الحفل فبدا آية في الوسامة والرجولة حتى خشيت عليه من
الحسد وقرأت في سري سورة الفلق.. وقبلته وأنا أقول له إنني أتمنى أن يجيء اليوم
الذي يصبح هو فيه عريسا مثل هذا الحفل, وذهب ابني إلى خطبة صديقه.. ورجع في
المساء يروي عن الحفل وصديقه وفتاته.. وأم الفتاة الأرملة التي تنافس ابنتها
في الجمال والأنوثة وتزوجت ثلاث مرات خلال رحلة حياتها كما عرف من صديقه..
واستمعت لحديثه بشغف وشاركته الكلام عن هذه الأسرة ثم تكررت بعد زيارات
ابني مع صديقه لأسرة خطيبته.. وفي كل مرة يحكي لي عن حفاوة هذه الأم به.
ودعوتها له لان يزورها مع خطيب ابنتها في اي وقت ودعوتها لهم جميعا إلى الغداء
في مكان عام.
ولاحظت انبهار ابني
بشخصية الأم ولباقتها في الحديث فسألته عما إذا كانت لها ابنة أخرى لكي يفكر في
الارتباط بها.. فأجابني بأنه ليس لها سوى هذه الابنة المخطوبة للأسف.
ثم رغب ابني أن يرد
الدعوة لهذه الأسرة ويدعوها في مكان عام.. فاقترحت عليه أن يدعوهم إلى البيت
لنتعرف عليهم ونقدم إليهم العشاء وابتهج كثيرا بهذا الاقتراح, وجاءوا
بالفعل وأقمت لهم مائدة عشاء حافلة وتعرفنا عليهم وقضينا معهم سهرة جميلة..
لم تكف خلالها الأم عن الإشادة بأخلاقيات ابني وشهامته وكيف انه إنسان خدوم وقد
استعانت به في قضاء أكثر من مصلحة لها, وعقب انصرافهم قال لي زوجي إن اهتمام هذه
السيدة بابننا ليس عاديا.. وانه يشك في نياتها تجاهه.. فاستبعدت
ذلك على الفور لأنه لا يكبر ابنتها سوى بثلاث سنوات, لكنه لم يقتنع بذلك وراقبت
ابني بعدها.. فلم ألحظ عليه شيئا مريبا.. ومن باب الاحتياط فقد طلبت منه
أن يقلل من زياراته لأسرة هذه الفتاة تجنبا للمشاكل والشبهات.. ووافقني
على رأيي.
واقترب امتحان السنة
النهائية له.. فتفرغ للاستذكار وأصبح يقضي معظم وقته في البيت.. فلاحظت أن
هذه السيدة تتصل بنا كل يوم للاطمئنان عليه.. والتأكد من تفرغه للمذاكرة وتطلب
الحديث معه بعض الوقت.
ثم فوجئت بها تأتي إلى
زيارتنا دون سابق موعد حاملة معها الجاتوه والتفاح.. وتقدم لابني منه وتصر
على أن يأكل أمامها لكي يعوض المجهود الذي يبذله في المذاكرة وتقول لي في
تفسير ذلك إنها اعتادت ان تفعل ذلك مع ابنتها في فترة الاستعداد للامتحان,
وتذكرت شكوك زوجي في اهتمام هذه السيدة بابننا وبدأت أشعر بالقلق..
وتكررت الزيارة خلال
فترة الامتحان دون أن اقدر على الاعتراض.. وانتهى الامتحان ونجح ابني..
وفوجئت بهذه السيدة وابنتها وخطيبها يحضرون إلى بيتنا ومعهم التورتة..
ويحتفلون بالنجاح.. واضطررت لمشاركتهم الفرحة وقلبي ينهشه القلق وازداد قلقي حين
رأيتها تقدم إليه سلسلة مفاتيح ذهبية كهدية النجاح.. واعتزمت أن أواجه ابني
بشكوكي واطلب منه أن يريحني منها.. وقبل أن افعل ذلك فوجئت به يعارضني بأنه
يريد أن يتزوج من هذه السيدة وبأنه يحبها وهي تحبه وترغب بشدة في الزواج منه
وتعرض عليه ألا تكلفه شيئا من الناحية المادية وانفجرت القنبلة في حياتنا
العائلية..
وتجهمت السماء في
الأسرة السعيدة.. وشهد بيتنا خلافات شديدة مع ابننا وقلنا له أنا
وزوجي كل ما يمكن أن يقال في مثل هذه الكارثة.. وتعجبنا من أن يرغب في الزواج
من سيدة في السابعة والأربعين من العمر وهو الذي لم يبلغ الرابعة والعشرين
بعد.. وتحدثنا إليه عن حقه في أن يتزوج فتاة في مثل سنه أو تصغره قليلا
لكي ينجب منها ويحيا حياة طبيعية وكيف أن هذا الحب المزعوم مسألة عارضة لن تصمد
للزمن وسوف تتغير مشاعره تجاهها بعد قليل واستخدمنا معه كل الحيل من الترهيب
والترغيب بلا جدوى وفي لحظة ضيق اتصلت بهذه السيدة وتحدثت إليها طالبة منها
أن تساعدنا في هذا الأمر فإذا بها تحدثني في صفاقة عن الحب الذي لا يعترف بفارق
السن.. وكيف أنها لن تكلفه شيئا لأنها ميسورة الحال ولديها إيراد كبير..
الخ, فكادت سماعة التليفون تسقط من يدي وأدركت انه لا فائدة من مخاطبة
الأم فيها.. وبعد متاعب ومشاجرات عديدة بيننا وبين ابني الذي أصبح مسلوب
الإرادة تماما معها.. أصر استجابة لرغبتها على إتمام الزواج قبل أن يعمل..
بل قبل حتى أن تتزوج ابنتها نفسها التي لم ينته خطيبها بعد من إعداد مسكنه!
وكاد زوجي في قمة
انفعاله أن يضرب ابني ليرغمه على الابتعاد عن هذه السيدة.. لكني نجحت في إقناعه
بتمالك نفسه فأعلن له أنه لن يساعده بمليم واحد في هذه الزيجة التي لا يوافق
عليها.. وأنه لن يعطيه الشقة التي يدفع أقساطها لكي تكون له في المستقبل ولن
يحضر زواجه من هذه السيدة.
ولم يغير كل ذلك من
إصراره على المضي في مشروع الزواج واضطررت لبيع قطع من مصاغي وأعطيته ثمنها لكيلا
يبدأ حياته الجديدة وهو خالي الوفاض.. وتزوجها.. وأقامت العروس لنفسها فرحا
وارتدت الفستان الأبيض لكي تغيظنا, وحضرت الفرح وقلبي يتمزق من الألم
وأصبحنا بعد الزواج لا نرى ابننا إلا كل عدة أسابيع مرة.. وبعد أن
يجف دمعي من التوسل لزوجي, لكي يسمح له بزيارتي.. ثم يجيء فأفاجأ بأنه لم يأت
وحده.. دائما جاءت معه العروس المصون بكل جرأة لأنها لم تقبل بزيارته لنا إلا
بشرط وجودها معه لكيلا يغيب عن أنظارها لحظة وحتى لا ننفرد به أو نسر إليه شيئا
عنها, فيمضي الوقت قليلا وهو جالس كالضيف في الصالون لمدة ساعة ثم يستأذن في
الانصراف وتتعمد هي أن تتأبط ذراعه أمامنا كأنما تقول لنا انه لم يعد ملك سواها..
وعلى هذا الحال مضي
حوالي العامين ثم فوجئت به يرجع إلينا ذات يوم مريضا وعليلا وقد فقد الكثير من
وزنه ووجهه مصفر ويقول لي أنه قد اختلف معها وطلبت منه الطلاق فطلقها
وبكي بمرارة وهو يقبل يدي ورأسي ويطلب مني العفو عنه لأنه لم يستمع لنصحنا
له..
واتفقت مع زوجي على
ألا نلومه اكتفاء بما تعلمه خلال هذه التجربة.. وبدأ يبحث عن عمل من جديد.
وعمل بإحدى الشركات فإذا بإنذار علي يد محضر يعلنه بان هذه السيدة قد أقامت ضده
دعوى نفقه.. ثم إعلان آخر عن دعوي جديدة تطالبه فيها بمبلغ عشرة آلاف جنيه
تزعم انه قد اقترضها منها وأعطاها ورقة بذلك, وتحولت حياتنا جميعا إلى جحيم..
وفي كل يوم يأتي إعلان قضائي جديد ومن محكمة مختلفة.
ثم قال لنا ذات يوم
أنها انتظرته عند باب الشركة التي يعمل بها وطلبت منه أن تتحدث إليه.. في
مكان عام, وذهب معها فطلبت منه أن يرجع إليها ويعيدها إلى عصمته مقابل أن تتنازل
عن كل الدعاوي التي أقامتها ضده كما قالت له إنها لم تلجأ إلى هذه الدعاوي إلا
لكي ترغمه على الصلح معها.
وحذرته من العودة
إليها بكل ما املك من قوة..
وكذلك فعل زوجي وكل
أقاربه وهو مقتنع بان زواجه منها كان خطأ كبيرا من البداية ويقول انه يكرهها الآن
بشدة ولا يطيق عشرتها لأنها تسيء معاملته ولا تحترمه وتستنزفه صحيا لكنه لم
يستطيع الصمود أمام ضغطها عليه بالقضايا والإنذارات ولا يملك ما يؤديه إليها لكي
يتخلص من متاعبها.. كما أن ابني يشعر بالخجل الشديد من أبيه وبالانكسار
أمامه.. ولا يجرؤ على مطالبته بتحمل الأعباء المادية للانفصال.. ويفضل
العودة إلى هذه السيدة من باب اليأس من حل مشاكله معها بطريق آخر عسى أن تلتمس
أحواله في المستقبل فيستطيع الاستغناء عنها.. وأنا لا أوافقه على هذا الرأي
ولا أطيق أن افقده مرة أخرى أو أن أراه يعيش حياة يضطر إليها بسبب عجزه عن تحمل
تكاليف الانفصال.. وأريد ان افعل أي شيء لمساعدته.. فبماذا تنصحني يا سيدي.
* ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
من يخطيء ثم يتقاعس عن
إصلاح خطئه يرتكب خطأ جديدا وزواج ابنك من هذه السيدة التي تكبره بنحو ثلاث
وعشرين سنة.. وتزوجت قبله ثلاث مرات كان خطأ جسيما منذ البداية تورط فيه بقله
خبرته بالحياة ورفضه للاستماع إلى نداء العقل والحكمة من جانب أبويه والأهل, ولقد
عجزتم عن إنقاذه من الوقوع فيه في ذلك الوقت لأن من قدر الآباء والأمهات
أن يفقدوا سيطرتهم على الأبناء حين يكونون في اشد الحاجة إلى حكمتهم وإرشادهم..
كما أن من قدرهم أيضا أن يشقوا بشقاء أبنائهم وهم يكابدون تبعات ما حذرهم منه
الآباء والأمهات وتوسلوا إليهم بالدمع السخين أن ينقذوا أنفسهم منه بل أن من
قدرهم كذلك أن يتحملوا أيضا في بعض الأحيان تبعات أخطاء هؤلاء الأبناء التي
يعجزون عن تحملها.. وإلا يتقاعسوا عن نجدتهم حين يستغيثون بهم لإنقاذهم من الغرق
في البحر الهائج الذي نبذوا كل تحذير من قبل من عدم الاقتراب منه.
ولأن الأمر كذلك فلا
مفر يا سيدتي من أن تعينوا ابنكم على الصمود أمام عاصفة القضايا والإشكالات
التي أطلقتها هذه السيدة لكي ترغمه علي استئناف حياته الزوجية معها.ولا
مهرب من تقديم هذه التضحية المادية الجديدة له إنقاذا له من الأسر الذي لا يرغب
صادقا في العودة إليه..
ولست أرى ما يدفعك
للتردد في مخاطبة أبيه في هذا الأمر وحثه على تقديم هذا العطاء له لإنقاذه مما
جره على نفسه بعدم تبصره وانسياقه وراء أهوائه
كما أني لا اشك في
استعداد هذا الأب لتقديم هذا العطاء إذا استشعر صدق ندم ابنه على تورطه في هذه
التجربة الخاسرة, وعمق استيعابه لدروسها وتبصره لهول ما فعل بحياته
وبأسرته, حتى ولو تطلب الأمر أن يعتبر ما يسدده عنه من التزامات مادية لهذه
السيدة دينا جديدا عليه يضاف إلى سابق عطائه له ويؤديه إليه حين تسمح له الظروف
بذلك أو إلى إخوته الصغار حين يحتاجون إلى عونه ومساعدته في المستقبل.. فلأن
يكون مدينا لأبيه أفضل كثيرا من أن يقبل بحياة لا يرغمه عليها سوى عجزه عن تحمل
تكاليف التخلص منها, ولأن يضحي والده الآن ببعض ماله من أجله أكرم له من أن تضيع
بضع سنوات أخرى من عمر ابنه في الشقاء والمعاناة قبل أن يواجه نفس هذا الموقف
الحتمي بعد حين, ذلك أن عودته إلى هذه السيدة لن تعني سوى تأجيل النهاية
المحتومة لهذه العلاقة المخالفة لمألوف الحياة لفترة أخرى من الزمن قد تفسد
خلالها روحه وشخصيته فيعجز فيما بعد عن التواصل السليم مع الحياة, وتتراجع
فرصة في إقامة حياة عائلية طبيعية مع غيرها في المستقبل فقوانين الحياة هي
الأولى دائما بالإتباع.
ولم يكن زواجه من هذه
السيدة سوى خروج علي قانون الحياة الذي يقضي بأن يتجه شاب مثله بمشاعره إلى فتاة
مقاربة له في السن ويرتبط بها ويحيا معها حياة عائلية سوية وينجب منها
ويمارس إحساس الأبوة
ولم يكن لقاؤه بها في
هذه التجربة سوى نقطة تقاطع بين طريقين يأتي كل منها من اتجاه.. ويمضي إلى
اتجاه آخر.. والإنسان قد يتوقف بعض الوقت عند نقطة التقاطع هذه لكي يلتقط
أنفاسه.. لكنه لا يستقر فيها إلى النهاية.. وإنما يغادرها بعد حين يطول
أو يقصر متجها إلى غايته الأصلية.
ولقد استغرقت نقطة
التقاطع هذه من حياة ابنك حوالي العامين ومن الحكمة ألا تسمحوا له بتبديد
المزيد من العمر عندها ولو اقتضي ذلك منكم شيئا من التضحية المادية.
كما أن سراب الحب الذي
أوهمه برغبته في هذه السيدة لم يكن غالبا سوى ستار للاشتهاء الجسدي الذي
أغراه بها..
وحال الطيش والاندفاع
بينه وبين التعرف على حقيقة مشاعره بشأنها كما انه من الواضح أيضا أن هذه
السيدة لم تكن أمينة عليه.. ولا حريصة على صالحه ومستقبله كما ينبغي للزوجة التي
تفهم الحياة الزوجية فهما صحيحا أن تكون.. إذا كان كل همها هو إحكام سيطرتها
عليه.. واصطناعه لنفسها ولو اضر ذلك بمستقبله وحياته وشخصيته بدليل تفننها
في إضاعة فرص العمل التي أتيحت له.. لكي يستمر اعتماده المادي عليها وتفرغه
الكامل لها.. وبدليل سعيها أيضا لإبعاده عن أبويه وإخوته وأهله وكل
عالمه القديم لكي تحكم الحصار حوله, أيضا فأين الرجولة والمسئولية واحترام النفس
لشاب مثل ابنك في حياة زوجية علي هذا النحو..
وهل كل غاية الحياة
الزوجية هي استئناس شاب بكر التجربة وفي عنفوان صحته وشبابه وإحاطته بالأسوار
لكيلا يشغله عن غرائزه شاغل آخر من شواغل الحياة الجادة؟
و إلى أي مدى يستطيع
الرجل الحر أن يحتمل حياة لا دور له فيها إلا هذا الدور الرخيص؟
يا سيدتي لقد كانت
تجربة خاطئة في حياته ومن صالحه وصالحكم جميعا أن تنتهي الآن مهما كانت التبعات
والأعباء, ذلك انه حين تستوفي مثل هذه التجربة كل فصولها فإن التصرف
الوحيد الملائم للتعامل معها هو وضع النهاية لها وتحمل ثمنها.. واستيعاب
دروسها.. والاستفادة بها في تجنب الأخطاء والعثرات في قادم الأيام.. ولا
شيء آخر.. وشكرا.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2001
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر