فاتورة حساب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

فاتورة حساب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984 

فاتورة حساب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984


أكتب إليك هذه الرسالة الخاصة لثقتي التامة بك وإن كنت لا أعرفك إلا من مآسي بريد الجمعة, ثم لسبب آخر استميحك عذرا فيه هو أنني لا أجد أحدا أبثه همومي بعد أن مات صديق عمري وكان الوحيد الذي أستطيع أن أتحدث إليه في مشاكلي.

مشكلتي باختصار هي أنني كنت موظفا كبيرا مرموقا محبوبا من زملائي ومرؤوسي, محترما في منزلي مطاعا من كل أفراد أسرتي, ثم تغير الحال تماما بعد أن أحلت إلى المعاش منذ سنوات, فقد نسيني زملائي ومرؤوسي تماما, كأني لم أعد على قيد الحياة, هؤلاء لهم عذرهم في مشاغل الحياة لكن أفراد أسرتي ما هو عذرهم يا صديقي؟

 

لقد تغيرت أحوالهم معي كثيرا بعد إحالتي إلى المعاش, وتحول حب أبنائي وبناتي وزوجتي لي إلى كراهية وبغض, وتحولت طاعتهم لي واحترامهم لي إلى عقوق وإساءات, فجلوسي يضايقهم وسيري يقلقهم, واستماعي للراديو ومشاهدتي للتليفزيون تثيرهم, فأين أذهب وليس لي مكان آخر "سوى بيتي" ؟

إنني أتساءل أحيانا عما جرى ؟ فلا أجد سببا معقولا.. فهل يفقد الإنسان احترامه بين أسرته حين يحال إلى المعاش, وينقطع الأمل والرجاء فيه ؟.. قد أفهم أن يضعف هذا الاحترام عند طلاب الحاجات حين يفقد الإنسان قدرته على خدمة الآخرين بفقده لموقع عمله.. لكن كيف يتغير هذا الاحترام بين الأبناء وأفراد الأسرة نفسها ؟.

 

لقد تزايدت الخلافات مع زوجتي وتزايد تحريضها لأبنائي عليً حتى تفاقم الخلاف مع زوجتي سامحها الله, وانتهى بعزلي من جانبها في حجرة بعيدة صغيرة في البيت كانت معدة أصلا للشغالة.. وأصبحت وحيدا تماما في أسرتي لا يكلمني أحد ولا أكلم أحدا, حتى أني لأكلم نفسي أحيانا خشية أن أنسى نطق الكلمات.. ووجدت نفسي محروما من دخول بقية غرف البيت الواسع التي تغلق دوني بالمفتاح, وأعيش منفصلا أعد لنفسي طعامي إذا سمح لي بدخول المطبخ, وأغسل ملابسي بيدي دون استعمال الغسالة الكهربائية !

 

قد تقول إن ذلك ضعف مني, لكني أقول لك لا يعرف العذاب إلا من يعيشه فهو ليس ضعفا لكنه محاولة لتفادي أهوال ومشاكل ومضاعفات أمراض كثيرة أخطرها القلب والسكر.. وعلى الرغم من ذلك فإني لا أنجو من العذاب فعند أي خلاف مع زوجتي ينضم كل أبنائي وبناتي جميعا إليها ضدي .. وأبنائي وبناتي يقاطعونني فلا يوجهون لي كلمة واحدة بالأيام والأسابيع والحياة في الأسرة التي كنت عمادها حتى وقت قريب أصبحت تدور حول محور آخر هو زوجتي المتجبرة سامحها الله.. والاجتماعات العائلية بين زوجتي وأبنائي تعقد في الغرف المغلقة تناقش أخطر الشئون العائلية دون دعوة الأب لسماع رأيه, ولو من باب الشكل أما في الأمور فأبسطها خطبة ابنة من بناتي .. أو فسخ خطبة ابنة أخرى أو شراء سيارة ! وحين أسمع فيما بعد بشأن من هذه الشئون اختنق بالدموع , وأتذكر كيف كانت كلمتي هي الكلمة الفاصلة في مثل هذه الشئون منذ سنوات قليلة قبل أن يسقط احترامي بين أهلي.

 

وأريد أن أكون أمينا معك فأقول لك إنني ربما أعرف سببا أخر لما ألاقيه الآن من أبنائي وزوجتي هو عقوقي أنا شخصيا لوالدي الذي مازال على قيد الحياة.. فلقد نسيته أو تناسيته إرضاء لأسرتي في بادئ الأمر, ثم أصبحت إقامتي معه أو مشاركتي لحياته أمرا مستحيلا فهي حياة متواضعة لا مكان لي فيها لا سيما بعد أن طعن في السن وأصبح في حالة غير طبيعية يحتاج فيها إلى عناية النساء.

فماذا أفعل الآن يا صديقي إن لي أبناء وبنات في مراكز مرموقة, وفي سن الزواج ومن حقهم عليً أن أصون سمعتهم وكرامتهم أمام الجميع, وإن لم يبقوا لي على شئ منها, لذلك فإنني مازلت حائرا ماذا أفعل هل انتحر؟ وأنا رجل مؤمن بالله ؟ أم أهرب بعيدا عنهم ؟ أم أطلق زوجتي.. وقد سبق وأن فعلت.. أم أتزوج زوجة جديدة ؟ أشر علي يا صديقي فإني لا أجد من أستشيره!

 

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

إنك لست في حاجة إلى رأيي يا سيدي فأنت رجل في قمة العمر وفي مرحلة النضج والحكمة.. لكنك في حاجة إلى أن تبث أحدا همومك وآلامك, وتريد أن تخرج من صدرك كل البخار المكتوم قبل أن ينفجر الصدر بما فيه وفي ذلك بعض الراحة وبعض العزاء.

وقصتك مؤلمة بالفعل لكن سر تعاستك فيها ليس هو الإحالة إلى المعاش فالكثيرون يحالون إلى المعاش كل يوم, ولا يفقدون احترام أبنائهم وأسرهم بل لعلهم يزدادون محبة واحتراما بين أسرهم لتفرغهم لرعايتهم بعد طول انشغال.

 

إن مأساتك ليست في المعاش لكنها في الخلافات المزمنة مع زوجتك بدليل سابقة طلاقك لها, ومأساتك الأكثر إيلاما هي في عقوق أبنائك وبناتك لك, وانحيازهم ضدك بتأثير هذه الخلافات, وهي أيضاّ في هذه العزلة القاسية المؤلمة التي تعيشها.. وفي هذا التجاهل الذي يرقى إلى مستوي الجريمة من جانب أسرتك لك في الشئون العائلية, التي ينبغي ألا يغيب فيها دور الأب مهما كانت الخلافات.

لكن هناك أمرا آخر أريد أن أحدثك عنه وأرجو ألا أؤلمك به كثيرا وأنت في محنتك هذه, إنك تعترف بأنك قد نسيت أباك الذي مازال على قيد الحياة إرضاء لأسرتك في بادئ الأمر, ثم أصبحت مشاركتك له حياته, مستحيلة لأنها حياة متواضعة لا مكان لك فيها خصوصا بعد أن طعن في السن وأصبح في حالة غير طبيعية!

أليست هذه كلماتك؟ لا بأس إذن فقد نسيك أبناؤك وأنت على قيد الحياة بجوارهم إرضاء لأمهم.. وربما لأنهم أصبحوا يرون أن مشاركتك حياتك واهتماماتك قد أصبحت الآن "مستحيلة" خصوصاّ بعد أن كبرت في السن !! أما علمت يا صديقي أن الدنيا ديون يسدد بعضها في حياتنا ويسدد بعضها الآخر في العالم الآخر.

 

إنني لا أبرر تصرف أبنائك فهو جريمة بكل المقاييس في حقك, وفي حق الإنسانية  وحسابهم عنها مع ربهم.. ومع أبنائهم وبناتهم أيضا إن شاء الله, لكني أسألك كيف أردتهم أن يكونوا أفضل منك أنت شخصيا في علاقتك بأبيك.. وفاقد الشئ لا يعطيه كما تعلم ؟ لم تعطهم المثل ولا القدوة في الوفاء للأب والاعتراف بفضله, فكيف تنتظر منهم أن يكونوا أبناء أوفياء؟ خصوصاّ في جو الخلافات الزوجية الذي يهز القيم ويفسد الأخلاقيات, إنها فاتورة حساب كنت مدينا بها لأبيك وجاء وقت السداد!

 

إنني لا أريد مرة أخرى أن أؤلمك لكنك تسألني ماذا أفعل, وسأقول لك ما تفعل: يا صديقي لا تنتحر ولا تطلق زوجتك.. ولا تتزوج زوجة أخرى.. ولا تفر بعيدا عن أسرتك .. ولكن أذهب إلى أبيك الطاعن في السن وقبل يديه وقدميه وأسأله العفو والمغفرة, وأشكر الله كثيرا أن طال به العمر لكي يعفو عنك فلا تبوء بجريمتك في حقه طول العمر .. فإن عفا وسوف يعفو بالتأكيد سوف يأتي إليك أبناؤك طائعين ولو بعد حين, ليسألوك العفو والمغفرة .. وسوف تتغير أمور كثيرة إلى الأفضل في حياتك. 

غفر الله لك ولنا وللجميع.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات