الآمال المفقودة ..رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا رجل تجاوزت الستين من عمري بشهور, كنت حتى وقت قريب مديرا للحسابات بإحدى شركات قطاع الأعمال , وأنا زوج وأب لولد وبنتين .. وابني هذا هو أكبر أبنائي وكان دائما معقد آمالي في الحياة , فكنت لا أفارقه منذ عودتي من عملي وإنما ألازمة نتسامر معا ويقص علي كل حدث له في المدرسة , ونخرج معا للنزهة أو إلى السينما وفي أحيان أخرى ألاعبه لعبته المفضلة .. الشطرنج .. ولا نفترق إلا عند النوم , ومرت الأيام والآمال تداعبني بشأن مستقبله فهو متفوق دائما في دراسته بدون مساعدة خارجية لكنه فجأة وهو في السنة الأولى الثانوية بدأ يهمل مذاكرته بلا سبب واضح , ولم أهتم بالأمر في البداية , لكنه في العام التالى بدأ يواجه صعوبة شديدة في الاستيقاظ من النوم , ثم بدأ وهو في السادسة عشرة يرفض أحيانا الذهاب إلى المدرسة .. أو يذهب إليها ويعود سريعا بعد أن يقفز من سورها .. ثم وصل إلى الثانوية العامة ففوجئت به يرفض المذاكرة نهائيا ويرفض الذهاب إلى المدرسة .. وعرفنا للأسف أنه قد بدأت تظهر عليه أعراض مرض نفسي خطير ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الفصام الذهاني ومنها النوم نهارا والسهر ليلا.
وبدأنا رحلة العذاب التي بلا نهاية مع الأطباء تارة والمستشفيات تارة أخرى .. ومع علاج يقبله وآخر يرفضه فتسوء حالته .. وتكون الطامة الكبرى إذ يثور لأتفه الأسباب أو يختلق الأسباب لتحطيم الأشياء , ويحل الكدر على البيت كله ولا يسمح لنا بالنوم.
وهكذا خيم الشقاء على بيتنا الذي كان سعيدا فأصبحنا لا نملك إلا البكاء والدعاء إلى الله أن يخفف عنه وعنا هذا العذاب.
وبعد سنوات طويلة من العناء لا يعلم إلا الله كيف تحملناها , تخرجت ابنتي الوسطى في كليتها العملية وعملت , ووصلت ابنتي الصغرى إلى السنة الثانية من كلية عملية أخرى , ومازال هو حتى الآن في السنة الثالثة من كلية نظرية ومهدد بالفصل لاستنفاد مرات الرسوب , ويلازم البيت بصفة دائمة ولا يغادره إلا نادرا .. وقد زاد من تعاستنا ان ابنتي الوسطى قد تقدم لها أكثر من شاب يطلب يدها وبعد أن نوافق عليه ويزورنا ويعلم بمرض ابني فإنه يذهب ولا يعود مرة أخرى.
والمشكلة ليست في تعاسة ابنتي التي لا ذنب لها في مرض أخيها فقط , لكنها أيضا منذ أحلت إلى المعاش منذ شهور أصبحت أكثر ارتباطا بالبيت وفي كل يوم تخرج زوجتي وابنتي الوسطى إلى عملهما وتخرج ابنتى الصغرى إلى تدريبها العملي وأبقى أنا وحيدا مع ابنى المريض الذي كان ذات يوم معقد رجائي , وأتحمل مضايقاته الشديدة حتى يفيض بي الكيل ولا أقوى على الاحتمال أكثر من ذلك فأرتدي ملابسي وأخرج لأهيم على وجهي في الشوارع بالساعات بلا هدف , ثم أعود حين أتعب فأجده في انتظاري ليكمل معي مسيرة العذاب والضيق النفسي وأحيانا أتحمله صابرا وأحيانا أخرى أثور وأبكي وأدعو الله له أن يشفيه من مرضه اللعين هذا ويشفي كل مريض مثله.
لكني لم أعد قادرا على الاحتمال أكثر مما تحملت لهذا أكتب إليك لكي تساعدني في إيجاد عمل لي .. أي عمل .. ومن أي نوع وليس من أجل عائدة المادي .. وإنما لكي أقضي خارج البيت أكبر وقت ممكن أتخلص خلاله من هذا الجحيم الذي أعيش فيه مع ابني ولعلي أنسى في عملي بعض آلامي وبعض ما أحس به من عجز تجاه أولادي .. فهل تفعل ذلك ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــكــاتــب هــذه الـرســالة أقــول :
الفصام محنة للآباء والأهل ربما أكثر ما هو محنة للمريض به .. وهو في أبسط تعريفاته اضطراب التفكير والإدراك والوجدان والسلوك , ويبدأ عادة في سن المراهقة أو بداية الحياة الراشدة ومن إشاراته المبكرة انهيار مستوى الأداء الوظيفى للشخص كما حدث لابنك شفاه الله حين بدأ يهمل مذاكرته فجأة , والانسحاب الاجتماعى والتقوقع , والسلوك الغريب والتبلد العاطفي وغرابة الأفكار واهمال النظافة الشخصية ونقص المبادرة والاهتمامات , وبعد ذلك تظهر الأعراض الذهانية كالضلالات والهلاوس وعدم اتساق الأفكار وفقدان الروابط بينها والتفكير غير الواقعي والسلوك المضطرب , وهو مرض له فترات اشتداد وفترات هوادة , ومع كل فترة اشتداد لابد من علاج المريض به علاجا اكلينيكيا ونفسيا , ويستمر التدهور لعدة سنوات بعد ظهور مؤشراته الأولى , ثم يقف التدهور وتقل شدة الأعراض الحادة , وتبقى الأعراض السالبة , كالجمود العاطفي والعزلة الاجتماعية ونقص الأداء وضعف الإرادة , والمفروض أن يكون التدهور قد توقف الآن في حالة ابنك بعد كل هذه السنوات , وبقيت الأعراض السالبة وقد لاحظ الأطباء أن العداء أو كثرة الانتقاد الموجه للمريض .. أو الانغماس معه في أعراضه الذهانية يزيد من معدل انتكاساته . لهذا فهم ينصحون بأن تتجنب أسرته هذه العوامل الثلاثة في علاقتها به .. لكى تتخفف بقدر الإمكان من معاناتها معه .. ولقد ساهم بريد الأهرام في علاج بعض الحالات المماثلة في فترات اشتدادها وأعان أصحابها على العودة إلى حالة الهوادة أو الاستقرار .. ولعلي أستطيع أن أعاونك في ذلك أيضا كما أرجو أن أستطيع توفير العمل المطلوب لك ليساهم في تخفيف ضيقك وآلامك .. فتفضل بالاتصال بي مساء الاثنين القادم .. وشكرا.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1993
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر