بصمة الاصبع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أريد أن أحكي لك قصتي واستشيرك فيها .. منذ سنوات كنت طالبة بإحدى الكليات النظرية .. والتقيت فيها بزميل لي ارتبطت به عاطفيا وتعاهدنا على أن نعيش ما بقي لنا من عمر معا .. فتقدم لخطبتي وتردد أهلي في قبوله لتعثره في الدراسة حتى لم تبق له سوى فرصه واحدة لو رسب فيها لفصل من الجامعة لكني تمسكت به واستخدمت كل ما لي من تأثير عاطفي على أهلي وأمي ليقبلوا به وألححت عليهم بذلك وأنا أؤكد لهم أنه سيجتاز عثرته وينجح في دراسته .. فقبلوا على مضض وتمت الخطبة , ولم تمض شهور حتى ظهرت نتيجة الامتحان ورسب فتاي واضاع فرصته الأخيرة وصدر القرار بفصله من كليته , وصدم أهلي بفشله في الدراسة , أما أنا فلم يغير ذلك شيئا من مشاعري تجاهه فقد كان حبي الأول والأخير والذي لن يتكرر كبصمة اصبعي التي لا شبيه لها , وسددت أذني عن كل نصيحة ورفضت الاستجابة لتوسلات أهلي لي بأن أفسخ خطبتي له خوفا من أن يؤثر فشله الدراسي على علاقتي به أو أن يعجز عن أن يوفر لي إمكانيات الحياة البسيطة .
وكيف كان لي أن استجيب لنصائح أمي وأنا أسيرة هوى من أحب وهو طيب القلب ورقيق الطبع وقد احتواني تماما وملك علي كل أمري ؟ لقد واجهت الموقف بواقعية ولم يكن أمامنا سوى أن يسافر خطيبي مع أخته المتزوجة من رجل عربي إلى بلده ليعمل هناك ويدبر ثمن شقة الأحلام ومتطلبات الزواج , وارتضت أسرتي هذا الحل مادمت متمسكة به .. وسافر خطيبي تاركا طائر الأمل الجميل يرفرف بأجنحة فوق رأسي ليل نهار, وغاب عاما طويلا ثم اتصل بي يبشرني بقرب عودته مع أخته وزوجها في الاجازة ليتم الزواج ويصطحبني في رحلة شهر العسل التي حلمنا بها وكنت قد أنهيت دراستي الجامعية فبدأت استعد لمسئولية الزواج .. وانتظر يوم عودته لأثبت لأسرتي صحة اختياري لمن ارتبطت به وأن الشهادة الجامعية ليست وحدها طريق السعادة , وجاء يوم اللقاء فانهارت معه كل أحلامي الوردية فقد صارحني خطيبي بأن كل ما كسبه خلال عام قد تبدد في مشروع صغير بالمشاركة مع شخص آخر وإن كل ما معه لا يكفي إلا لحفل زفاف متواضعة .. وطلب مني أن أسانده في موقفه لأنني كل ما يملك من الحياة , وبعد الزفاف شبه الصامت سوف يصطحبني للاقامة معه في البلد الذي يعمل به.
وثار أهلي ثورة جامحة ورفضوا زواجي بغير أن يوفر لي شقة في مدينتنا أو حتى يبدأ بحجزها وسداد مقدم ثمنها , وانهمرت دموع أمي العزيزة وهي تحذرني من أن أبدأ حياتي الزوجية بلا أي ضمان أو حصن أمان لي كالشقة .. لكن ماذا أفعل يا سيدي مع هذا "الشئ الجميل " الذي يحتل قلبي ويدفعني لأن استجيب لنداء حبيبي مهما اعترض أهلي .
لقد سددت أذني مرة أخرى عن نصائح أمي وتحديت أهلي وقلت للجميع أنني سأعمل مع حبيبي في البلد العربي وسنبني حياتنا معا ونحقق كل ما نحلم به وسنعود لنثبت للجميع كذب ظنونهم في كفاءة زوجي أو وعوده , وتم الزفاف واستخرج لي زوجي جواز السفر وبدأت استعد للرحيل بعد شهرين من زواجنا , فإذا بزوجي يصارحني بأنه لا يستطيع اصطحابي معه في السفر لأنه لا سكن له هناك سوى بيت أخته ولن يستطيع توفير سكن لي على الفور واستأذني في أن يسافر وحيدا على أن أقيم مع أسرته خلال غيابه ثم يستدعيني بعد أن يكون قد وفر لي السكن المناسب خلال شهرين على الأكثر .. ومرة ثالثة احتج أهلي ورفضوا هذه الطريقة .. وتحديت نصائحهم من جديد واستجبت لزوجي .. وتخليت عن كل مصوغاتي الذهبية واعطيت ثمنها له لأعينه بها على نفقات سفره وسفري القريب وإيجاد سكن له .. وسافر زوجي وانتظرت في بيت أسرته فاتصل بي بعد فتره ليعتذر لي عن عدم استطاعته أن يستدعيني إلى حيث يقيم لأنه قد سدد بما أعطيته من نقود ديونه وبدأ يكافح في عمل جديد ويستدعيني فور أن يتمكن من تدبير امكانيات الحياة الكريمة لي .. ولم يكن أمامي إلا أن أصدقه من جديد واتمسك بالأمل فيه حتى النهاية وعشت شهورا في بيت أسرته .. تغيرت خلالها للأسف معاملة أمه لي كثيرا وكثرت اهاناتها لي ولأهلي .. كأنما تريد أن تشعرني بأنني حتى ولو كنت جامعية فإنني سأظل أقل من ابنها الذي لم يكمل دراسته .. وتحملت ذلك صابرة واخفيته عن أمي وأهلي حتى لا أبدو أمامهم وكأنني أدفع ثمن رفضي لنصائحهم .
ولم أجد خلاصا لي من هذا العناء سوى أن يضمني زوجي إليه في غربته فتوسلت إليه في التليفون أن يستدعيني وعرضت عليه أن أدبر ثمن تذكرة السفر من اخوتي إذا عجز هو عن تدبيره . فأجابني بجفاء فظيع بأن الباب يفوت الجمل وأنني أستطيع مغادرة بيت أهله إلى بيت أهلي إذا أردت ذلك لأنه لا يستطيع استدعائي إليه بسبب ظروفه المتعثرة في الغربة , وهرولت بعد أن تلقيت هذه الصفعة المؤلمة اجمع ملابسي لأغادر بيت أهله ففوجئت به يتصل بي ثانية وينهار باكيا ويتوسل إلي أن أتحمل ظروفه وأصمد وسوف يعوضني عن كل معاناتي معه في المستقبل السعيد بإذن الله .. وهددني بأن ينتحر إذا تخليت عنه .. فلم أستطع أن أتحمل بكاء حبيبي ووعدته بأن أصمد واستمر في بيت أهله واصبر واتجلد حتى تتحسن ظروفه , ووفيت له بوعدي يا سيدي وصبرت وتجلدت ومضت الشهور دون أي بارقة أمل ولا اتصال أو خطاب من جانبه .. وبغير أن أعرف عنه شيئا سوى أنه يقوم بأعمال تجارية بسيطة ومازال يبحث عن عمل مستقر, ورجعت أخته في الاجازة فصدمتني بأنه لن يستطيع توفير سكن لي حيث يقيم ولا بعد قرن من الزمان لأن ما يكسبه لا يتجاوز مصروف يده الشخصي .. فشعرت بأنني أسقط من فوق جبل عال إلى هاوية سحيقة , وقررت العودة إلى أهلي لأقيم عندهم إلى أن يأذن الله لنا باجتماع الشمل .. واحتضنتني أمي بحنانها .. رغم كل ما رفضت من نصائحها وطالبتني بالصبر و"صبرت" عاما بعد عام حتى مضت أربعة أعوام كاملة على زواجي وزوجي لم يزل يدعي قلة الرزق مع تمسكه الدائم بي وتوسله إلي أن أتحمل ظروفه .. وتعددت الأقاويل حول أسباب فشل زوجي في غربته وسمعت الكثير.. وقال البعض أنه يعيش عالة على زوج أخته وأن كل اعماله تبوء بالفشل فانهار حلمي الجميل بعد أن تسربت الأعوام من بين يدي دون لقاء أو استقرار , واخيرا وبعد أن نفد كل الصبر قررت أن أطلب الانفصال الشكلي عن الرجل الذي أحببته وتمنيته زوجا وخليلا وشريكا لرحلة عمري , بعد أن تحقق الانفصال الزوجي عمليا بعد شهرين فقط من الزواج .. لكني أتعجب يا سيدي لماذا تغير زوجي هكذا خلال هذه السنوات فأصبح يتمسك بورقة زواجي منه ولا يتمسك بي أنا شخصيا كزوجة وانسانة وشريكة عمر حتى لم أعد أشعر باحتياجه إلي وإلى قربي منه , إنه مازال يدعى عدم قدرته على اصحطابي معه وعدم قدرته على توفير سكن لي حيث يقيم فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يعود لبلده إذا كانت أبواب الرزق موصدة أمامه هناك ؟
إني أريد أن أضع حدا لهذه الحياة دون أن ألجأ إلى المحاكم وزوجي مازال يرفض الانفصال ويطالبني بالصبر فبماذا تنصحني أن أفعل ؟ وبماذا تفسر تغير شخصية زوجي خلال الفترة الأخيرة , فلم يعد متحمسا لتحقيق أحلامنا القديمة .. بالكفاح والعرق ولم يعد يطالبني إلا بالصبر والانتظار؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــــكــــاتــــبة هــــذه الــــرســــالــــة أقــــول:
شخصية زوجك لم تتغير ولم تتبدل في شئ يا سيدتي , لكن عينيك اللتين ترينه بهما الآن هما اللتان تغيرتا واتسع مجال الرؤية أمامهما فرأيتا في زوجك كل ما كانت تتعاميان عنه من قبل ويشير إليه الجميع وترفضين تصديقهم أو الأخذ بنصائحهم .
أما زوجك نفسه فهو "برئ" من تهمة التغير أو التبدل في شئ فلقد كان متعثرا في دراسته ورأى الجميع أنه سيضيع فرصته في التعليم ورأيت أنت بعيون المحب غير ذلك .. وكان شخصية اعتمادية يعتمد على غيره في حياته ويحتاج دائما لمن يسند ظهره بدعامة من خشب حتى لا يقع على الأرض , ورأيت أنت بنفس هذه العيون أنه شخصية قادرة على الكفاح وتحقيق الأحلام خلال وقت قصير , وكان خائر الارادة ومن هؤلاء الأشخاص الذين تطلق عليهم في علم النفس عبارة "المستهدفين للفشل" أي الذين تتكرر عثراتهم خلال رحلة الحياة أكثر مما يصادفون فيها من نجاح ورأيت أنت أنه قادر على صنع المعجزات , ثم صهرتك نار التجربة والمعاناة فأزالت عن عينيك بعض غشاوة الحب ورأيت لأول مرة ما كان الجميع يرونه منذ البداية ويحذرونك منه بلا جدوى , وقلت مع العقاد العملاق وكما "يزعم" دائما كل محب بعد فوات الأوان : ما ينظم بيتا شعريا :
كنت أجهل من عيوب صفاتها
عيبا ولكن كل حب أحمق
وليس أدل على "خور إرادته" من أنه وبعد 4 سنوات من انتظارك له ليس قادرا بعد على استجماع ارادته والاعتراف لنفسه وللآخرين بأنه قد فشل في غربته وأن من واجبه تجاهك أن يكون أمينا معك ويعود إليك ليلبي احتياجك النفسي والعاطفي إليه وينطح الصخر في بلده ليجتمع شملكما فيه في أي مكان ولو في بيت أسرته إلى أن تتحسن الأحول , إذ أنه حتى الاعتراف بالفشل يتطلب أحيانا إرادة قوية وأمانة مع الحياة لكي يكون بداية للنجاح في ميدان آخر.
إنني أدرك جيدا صعوبات النجاح في الغربة خاصة في ظل الظروف الحالية وأعرف تماما أنها ليست إبحارا سهلا في بحر الثراء كما يتوهم بعض الحالمين ولست ألومه على تعثر خطواته في غربته ولا على اصراره على المحاولة دون أي بادرة نجاح طوال 4 سنوات , وإنما ألومه فقط على تعلقه بالأمل الواهي طوال هذه السنين مستنيما إلى يسر حياته في بيت شقيقته تاركا وراءه زوجة شابة لم يجتمع به شمله سوى شهرين فقط خلال أربع سنوات أو أكثر , ولو كان عزبا لوافقته على الاصرار على المحاولة في الغربة حتى نهاية العمر إذا شاء , أما وقد ارتبط بك قبل اغترابه وارتبطت حياتك به فإن الأمر لابد أن يكون مختلفا , لهذا فمن رأيي يا سيدتي أن تخيريه نهائيا ودون أي تراجع من جانبك بين استدعائك إليه الآن إذا كان قادرا على ذلك , أو العودة إليك بلا تسويف ومحاولة شق طريقه في بلده بمساندتك ومساعدتك النفسية والعاطفية له ومهما كانت صعوبات الطريق .
فإن لم يقبل بهذا ولا بذاك .. وتمسك "بورقة" الزواج دون أى محاولة لتحقيق حلم اجتماع الشمل بعد هذه السنوات .. فلا مفر إذا فشلت معه الجهود الودية من أن تلجئ للقضاء طالبة الطلاق للهجر أو للضرر خوفا على نفسك من الفتنة , ولا مفر من أن تبدئي حياة أخرى بعد حين تعرفين فيها بالتجربة وبدروس الأيام أن "بصمة الإصبع" قد تتكرر مرة أخرى في بعض الأحيان حين يشاء ربك ذلك , وأن الزواج سكن ورحمة ومودة وليس ورقة صماء تربط بين متباعدين طالت بهما الفرقة وأن نصائح الأهل تستحق منا دائما وفي كل الأحوال ألا نصم آذاننا عنها خضوعا لمرض الحب وحده اذ أنه من واجبنا تجاه أنفسنا أيضا وليس تجاه هؤلاء الأهل فقط أن نتفكر في هذه النصائح طويلا وأن نحاول باخلاص تبين سلامة القصد فيها ثم نعمل بعد ذلك بما تهدينا اليه عقولنا وقلوبنا معا منها .. وشكرا لك .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر