ساحة المعركة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004
قررت بعد تردد طويل
أن أروي لك قصتي, فأنا مهندس عمري55 عاما, نشأت في أسرة يسودها المحبة والاحترام.. وشققت طريقي في الحياة
وتزوجت منذ27 عاما.. وجاء
الأبناء سريعا.. فتشاغلت بهم
وبعملي عما اعانيه مع زوجتي من شك وغيرة وعصبية شديدة تصل إلى
حد الجنون, وقد وجدت حياتي بعد ذلك عبارة عن أوامر مشددة من زوجتي لي.. ومشاجرات مستمرة.. وصوت كالرعد يسمعه كل
الجيران في عمارتنا والعمارات المجاورة.. وأنا اتحمل من
أجل الأبناء.. وامضي معظم الشهور والسنوات في غرفة الأبناء كما أجدني رب الأسرة والمسئول عن كل شيء في البيت حتى ولو
كان من واجبات زوجتي, انهض
من نومي فأقوم بإعداد الإفطار
لنفسي وللأبناء, وزوجتي نائمة حتى
الضحى
وحين تستيقظ تقطع الوقت في
إجراء المكالمات التليفونية.. أو الذهاب إلى النادي أو إلى
الجمعيات الخيرية تاركة كل شيء للخادمة, والويل لمن يفكر في توجيه أي انتقاد أو لفت نظرها إلى واجبها كأم وزوجة.. أما أهلي
فهم ممنوعون بأوامر من
زوجتي من دخول بيتي نهائيا ومنذ
زمن طويل, وقد ماتت أمي وهي حزينة على حالي وبعد أن نصحتني
مرارا أن اتزوج مرة أخرى ما دمت لا أجد راحتي مع زوجتي, وأكدت لي أنه ليس عيبا ولا حراما على من كان في مثل ظروفي, غير أنني
لم اجرؤ على الإقدام علي
هذه الخطوة لأن زوجتي كانت كلما
لوحت لها بأنني قد أتزوج إذا فاض بي الكيل تهددني بأنني لو فعلت
فلسوف تحصل على الطلاق مني وتتزوج بعد انتهاء العدة بيوم واحد وتشرد أولادي! فاتراجع امام هذا الجبروت وأواصل الصبر
والاحتمال, ولقد اقسمت عليها
أكثر من مائة يمين طلاق فلم تبر
يمينا واحدا منها ولم تأبه لما اطلبه منها, وإذا نبهتها إلى
أنها ستندم على إساءة معاملتي وستعرف لي قدري بعد رحيلي عن الحياة, اجابتني في برود بأن معظم السيدات يتزوجن بعد رحيل
أزواجهن وأنه لا أحد يموت حزنا
عى أحد ولا ندما!.
سنوات وراء سنوات لم أشعر معها
يوما بطعم الحياة ولا بفرحة عيد, ولا بمناسبة عائلية, ولم يخفف عني
ما أعانيه سوى حبي لأولادي وحرصي عليهم وتعاطفهم معي خاصة ابنتي الكبرى, وقد نصحني ابنائي بالزواج أكثر من مرة فلم
اجرؤ على الإقدام عليه حبا
لهم وخوفا عليهم.. ثم جاء
خاطب لابنتي فاعترضت عليه زوجتي لأنه لا يعجبها أحد في الدنيا كلها
سوى نفسها, وكانت لي
أنا
أيضا بعض التحفظات عليه, لكن
ابنتي رحبت به واصرت عليه لكي تهرب من جحيم البيت ومن سوء معاملة
أمها التي تعاملها كخادمة, واضرب لك مثلا واحدا علي تحكمها في وفي الأبناء, هو أنها كانت ومازالت تحرم على ابنتي إذا
ركبت معي السيارة أن تجلس
إلى جواري لأن هذا مكان الهانم
وحدها.. ويجب أن يظل خاليا وتجلس ابنتي في المقعد الخلفي والويل
لنا إذا خالفنا الأوامر.. وبعد مناقشات طويلة ومشاكل عديدة تزوجت ابنتي ورحلت مع زوجها إلى الدولة العربية التي يعمل بها
وخلت علي الدنيا من
بعدها, وازداد غمي واكتئابي
بعد أن كانت تخفف عني, وكان آخر ما طلبته مني أن اتزوج وألحق
بها حيث تقيم لأبتعد عن المشاكل فلم استطع الاستجابة, إنني ارعي الله في حياتي وأؤدي فروضي الخمسة في المسجد ورزقي كله
حلال ولم أقرب الحرام,
واوفر لزوجتي حياة لم تكن تحلم
بها من قبل ومع ذلك فلا انال الرضا ولا أظفر بالحياة
الهادئة أبدا.
ولقد فاض بي الكيل منذ فترة
فهددتها إن لم تنصلح أحوالها أن اتزوج واضرب عرض الحائط بكل
الاعتبارات, فإذا بها ترد علي بأنني قد عشت معها طوال السنين كالنعامة ولا يصلح لي أن أحاول الآن ارتداء ثوب الأسد!.
وفي وسط ذلك كله كنت اتردد على
صديق لي منذ الطفولة له أخت ارملة لها بنتان تقيم في شقة مستقلة
بنفس البيت الذي يسكن به, واجد راحتي في الحديث إليه وإلى أخته إذا تصادف وجودها عنده.. وذات يوم اخبرني صديقي أن هناك شخصا تقدم إليه طالبا يد اخته وأن ابنتيها
توافقان عليه, وسألني رأيي
بصفتي صديقا للأسرة, فشعرت
وكأن خنجرا قد غرس في صدري.. وارتفع نبضي وغمرني العرق حتى خشيت
أن يلحظ علي صديقي ذلك وسألته عن رأي شقيقته في الفكرة والشخص فأجابني بأنها قد طلبت مني ان يستشيرني في الأمر
باعتباري اقرب الأصدقاء إليهم..
فشعرت بأنها إشارة موحية لي
وازداد اضطرابي وطلبت منه ألا يتعجل الأمر وأن يدع لنا فرصة كافية
للتفكير.. وعشت اياما شبه محموم افكر في هذه السيدة ليل نهار في البيت وفي العمل.. وفي كل مكان ثم اتصلت بها في موعد
اعرف أنها تكون فيه وحدها
وطلبت مقابلتها لأمر مهم,
وحاولت الاعتذار في البداية لكني ألححت عليها فالتقينا في مكان عام,
فما أن جلست أمامي حتى وجدتني أبكي بكاء شديدا كالأطفال واطلب منها الا تتخلى عني لأني احتاج إليها كما يحتاج الطفل إلى أمه,
ولن احتمل الحياة
بدونها فاستجابت لي بعد تردد
ووعدتني بالصبر على ظروفي وبقبولي حين أتقدم إليها بغض النظر عن
استمراري مع زوجتي أو انفصالي عنها, فشعرت بفرحة لم أشعر بها منذ سنوات طويلة, والآن فإنني استشيرك فيما أفعل هل أطلق
زوجتي الأولى وأتزوج ممن
شعرت لأول مرة بإنسانيتي معها,
أم هل اتزوجها سرا بعلم شقيقها واهلها واترك اكتشاف زوجتي
للأمر للظروف؟ علما بأن زوجتي الشريرة لن تتراجع عن ايذائي فيمن لا يعنيني أمر أحد سواهم وهم أولادي وربما تنفذ تهديدها لي
بالزواج وتشريد
الأبناء.. لكني اتساءل:
أليس من حقي بعد
كل
ما تحملت طوال السنوات الماضية
أن احيا مع سيدة صالحة اعرفها منذ كانت طفلة صغيرة ويشهد لها
الجميع بالفضل, حتي ولو تطلب الأمر أن اسعي للعمل في الدولة التي تعيش فيها ابنتي وألحق بها وابتعد عن زوجتي الأولى..
إنني أطلب مشورتك وأعرف مقدما
رأيك في الزواج الثاني الذي لا تفرضه ضرورة شرعية لكنني استحلفك
بالله العظيم ألا تظلمني وألا تطلب مني أن انسى هذه السيدة أو أن أعدل عن الفكرة وأواصل الصبر والاحتمال إلى ما لا نهاية
من أجل الأبناء.. لأن
هذا حرام والله العظيم ولأن
الأبناء لم يعودوا صغارا الآن وهم يلمسون معاناتي ويرون بأعينهم
ما أكابده ويقدرون ظروفي, ولقد سبق أن قلت لك إن ابنتي الكبري كثيرا ما نصحتني بالزواج لحل لمشكلتي.. فماذا تقول لي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
أمر محير حقا أن اشير عليك وأنت
تستحلفني باستبعاد نصيحة معينة من حديثي إليك فتضيق علي بذلك
دائرة التفكير والخيارات.. لكني سأحاول على أية حالة أن أشير عليك بما لا يتناقض مع آرائي السابقة ولا يكلفك في نفس
الوقت من امرك رهقا!.
يا سيدي استشر ابناءك فيما يشغل
فكرك الآن وهم راشدون أو يقتربون على الأرجح من سن الرشد.. ولا
تعتمد في ذلك على نصائحهم السابقة لك بالزواج لأنها ربما كانت وليدة اللحظة الانفعالية عند وقوع الأزمات بينك وبين زوجتك في حضورهم, ولقد يختلف رأيهم لو طلب منهم
الآن إبداء الرأي عند
التفكير الجدي من جانبك في الزواج
وبغير التأثر بضغوط الانفعال العابر, بل إن رأي ابنتك
نفسها وقد كانت أكثر الأبناء نصحا لك بالزواج قد يختلف الآن بعد أن تزوجت وخبرت مشاعر الزوجة التي يشقيها دائما أن يشاركها
أحد في زوجها حتى ولو لم
تكن الزوجة المثالية له.
وسواء أيدك الابناء في رغبتك في
الزواج أو عارضوك فيها, فإن التخفي بزواجك الآخر عن زوجتك وترك
أمر اكتشافها له للظروف, ليس مما يليق بالرجل الأمين الذي يشعر بأنه لا يقترف إثما ولا يعتدي على حق ويؤمن بعدالة موقفه,
فإذا أصررت على عدم
التخلي عن الفكرة فافعل كما
يفعل الفضلاء, وواجه زوجتك بما تعتزم, وبرر لها رغبتك في
الزواج من غيرها بما تعانيه وتفتقده في حياتك معها, وخيرها بين الاستمرار معك بعد زواجك مع تحملك لكامل المسئولية عنها
وعن أبنائك ومع العدل
بينها وبين الأخرى, وبين
الانفصال عنك وديا ونيل كل حقوقها الشرعية واستمرارك في تحمل المسئولية
المادية والعائلية الكاملة عن أبنائك.
ولا مفر من ذلك ولا مهرب..
ذلك أن لكل اختيار تبعاته وضريبته واجبة الأداء, وكما أن
لاستقرار حياة الأبناء وأمانهم ونشأتهم الطبيعية بين أبويهم, ثمنا هو معاناتك مع زوجتك وصبرك عليها.. فإن للاستمتاع بالحب
والعاطفة والسعادة الشخصية
ثمنا كذلك في مثل حالتك هو
اضطراب حياة الأبناء العائلية وتمزقهم بين أبوين منفصلين أو متغاضبين أو
متباعدين, غير أن هناك بصيصا من الأمل لا ينبغي اغفاله بالرغم من وهنه وضعفه, وهو أن زوجتك قد تستشعر لأول مرة جدية
عزمك على الزواج واختلاف
الأمر هذه المرة عن التهديدات
الكلامية السابقة, فتحس بالخطر الحقيقي علي حياتها الزوجية وحياة
ابنائها العائلية.. وتكف عن التحدي والمكابرة والتهديد بزواجها بعد الانفصال, وتنهض لحماية حياتها العائلية من التصدع
والانهيار ولاستعادة
زوجها قبل أن يفلت من يدها
للمرة الأخيرة.. وتصلح من شأنها فتسحب بذلك البساط من تحت قدميك فلا
تجد مبررا للاستمرار في الشكوى منها وهي قادرة علي ذلك إن أرادت, فماذا تراك سوف تفعل اذا حدث ذلك؟.
هل تصر على مواصلة المشوار مع
الأخرى بعد زوال الأسباب, فتفقد بذلك تأييد ابنائك لك وتعاطفهم
معك, أم تغالب نفسك ومشاعرك وتعتذر للأخرى وتدعها لمن لا تثقله مسئولية زوجة وابناء مثلك, فتهدأ مشاعرك بعد حين
وتواصل حياتك العائلية في
سلام؟.
إنها معركة لا مفر من خوضها إما
مع نفسك.. أو مع زوجتك, وربما مع ابنائك أيضا, فاختر
الساحة التي تخوض فيها وقديما قال شاعر الإنجليزية الأعظم وليم شكسبير:لا تدخل معركة.. ولكن إذا دخلت فاثبت!
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر