المفاجأة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

المفاجأة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

المفاجأة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

لم يخطر ببالي أنه سيجيئ يوم أجلس فيه لأكتب لك عن مشكلة تخص أسرتي التي تعيش في هدوء واطمئنان ونتمنى الخير للناس جميعا وسيرتنا في الحياة طيبة والحمد لله .. فنحن أسرة مصرية تعيش في احدى الدول العربية منذ حوالي عشرين عاما وأعمل أنا وزوجي في حقل التعليم .. ونحن مستقرون في حياتنا والحمد لله وقد حرصنا دائما على جمع شمل الأسرة والأبناء معا في كل الأوقات فظل الأبناء معنا حتى حصلوا على الثانوية العامة ورجع الابنان للالتحاق بالجامعة في مصر فبدأ القلق والوسواس في حياتنا عليهما والاتصالات التليفونية بهما إلى أن تخرج الابن الأكبر متفوقا وعمل باحدى الشركات المعروفة ونجح في عمله وحقق فيه تقدما طيبا .. وحرص على زيادة قدراته فأجاد الانجليزية وتلقى دورات مكثفة في الكمبيوتر وأشرف بجدية على مشروع صغير أقامه والده في مصر تمهيدا لعودتنا للاستقرار في وطننا في المستقبل القريب بإذن الله .. ثم بدأ ابني يفكر في الاستقرار والزواج وشجعناه على ذلك وتركنا له حرية الاختيار شكلا ومضمونا على أن يتحمل مسئولية اختياره لنفسه وكان شرطنا الوحيد عليه هو أن تكون أسرة الفتاة التي يرتبط بها متدينة ومحترمة وحسنة السمعة حتى نستطيع التعامل معها.

وبعد شهرين من عودتنا من إجازتنا في مصر لمقر عملنا اتصل بنا ابني يبلغنا بعثوره على ضالته وهي فتاة خريجة كلية مرموقة وتصغره بسنة واحدة ووالدها موظف كبير جدا باحدى الوزارات , وتحرينا عن الأسرة والأب فأشاد الجميع بهم واطمأن قلبنا إلى حسن اختيار ابننا البكر فوافقنا على المشروع وقبلنا كل شروط الأسرة وأولها دفع مهر قدره 15 ألف جنيه وأن نتحمل نحن كل الكماليات , ورجعنا إلى مصر لكي نعقد القرآن واشترينا فستان المناسبة وتم دفع المهر وأقيم حفل كبير في أحد الأندية وكانت ليلة سعيدة لمسنا بعدها رغبة ابننا في التعجيل بالزفاف في الصيف التالي فوافقناه على رغبته أو لهفته , وتفرغ هو طوال أربعة شهور للعمل ليل نهار بين عمله وبين تشطيب شقته حتى انتهت على خير ما يرام وعدنا في إجازة الصيف ومعنا السجاد وكان بعضه مما اعددته لنا لكن ظروف الاستعجال دفعتني لتقديمه لابني لكني رأيت العروس الشابة فلاحظت شدة ضعفها وعدم اقبالها على الطعام وسعالها المتقطع الغريب المستمر وكثرة نومها وعزلتها كما لاحظت انقباض ابني وعدم انشراحه بلا سبب مفهوم وحاولت استجلاء حقيقة الأمر وسألت والدة العروس عنه فأجابتني بأن كل ما تحتاجه ابنتها هو فاتح للشهية وسيتم عرضها على الطبيب بعد الزفاف وبعد عودتنا نحن إلى مقر عملنا وليس هناك مبرر لأي قلق وتم الزفاف بالفعل وبعد أسبوع منه سافرت مع زوجي وأولادي إلى الاسكندرية لقضاء أسبوع هناك وطلبنا من ابني وعروسه أن يلحقا بنا في اليوم التالي بعد أن نكون قد وجدنا مكانا مناسبا لقضاء الإجازة .. وجاءا بالفعل فهالني ما رأيته من اصفرار وجه زوجة ابني الشابة وحالة الانهاك العام البادية عليها حتى غلب عليّ وعلى زوجي الاكتئاب والاحساس بالحسرة وكتمنا مشاعرنا عن ابننا وتعلق أملنا بأن يمنحه الله طفلا أو طفلة نسعد بها وفي اليوم التالي كنا نجلس على رمال شاطئ البحر فإذا بزوجة ابني تشير لي على قدميها المتورمتين وتقولي لي أنها قد أكلت بعض المانجو مما أدى إلى ترسب الأملاح في قدميها وتورمهما قبل مجيئهما للاسكندرية بأيام .. فتأسفت لحالها وطلبت من ابني أن يحضر لها دواء للأملاح من أقرب صيدلية ورجعنا جميعا من الاسكندرية إلى القاهرة .. وفي اليوم التالي توجهت أنا وزوجي للمطار ومعنا ابنى وعروسه لتوديعنا فلاحظت أنها طوال رحلة السيارة للمطار لم تنطق بكلمة واحدة فأشفقت عليها وداعبتها وعاملتها كابنتي وأوصيتها بابني وأصيت ابني بها وسافرت أنا وزوجي ونحن ندعو لهما بالسعادة وركبنا الطائرة ونحن واجمان بلا سبب مفهوم فما أن عاد ابني وزوجته إلى مسكنهما كما علمنا فيما بعد حتى انهارت العروس الشابة وعجزت عن الوقوف على قدميها فحملها بالسيارة إلى بيت أسرتها لأنه كان عليه أن يتوجه إلى عمله في محافظة أخرى في الصباح الباكر فلم تمض أربعة أيام بعد ذلك حتى كانت العروس الشابة التي لم يمض على زواجها سوى 14 يوما فقط قد رحلت عن الحياة بين يدي أبويها في غرفة الانعاش بمستشفى كبير بالقاهرة.

وصدم ابني صدمة مروعة في أحلامه بالسعادة والهناء مع من اختارها لنفسه وصدمنا نحن معه صدمة مذهلة لكن المفاجأة الأشد قسوة لابني كانت في تقرير الوفاة الذي اطلع عليه وحدد سبب الوفاة بهبوط حاد في القلب بسبب تلف قديم في صمامين من صمامات القلب وعدم قدرتها على تحمل أعباء الزواج مع هذه الحالة الصحية الخطرة أما الأغرب والأقسى والذي لم أستطع أن أستوعبه حتى الآن فهو تحذير الطبيب المعالج للزوجة الشابة نفسها وأمها قبل الزفاف بأربعة أيام فقط من أن في الزواج خطورة بالغة على صحتها .. ومع ذلك فقد أتما مشروع الزواج كأن شيئا لم يكن وكأنهما لم يتلقيا أي تحذير والأعجب من كل ذلك أن والدتها كما عرفنا أيضا قد ذهبت بابنتها بعد الزواج بعدة أيام سرا إلى طبيبها المعالج ففحصها فحصا دقيقا وأخبر الأم أن حالة ابنتها قد تدهورت تماما خاصة بعد تورم قدميها وتعجب من سكن ابنتها بالدور الخامس وهي على هذه الحالة , ورغم ذلك فقد دفعت الأم ابنتها أو وافقتها على الأقل على السفر إلى الإسكندرية مع ابني لقضاء الأسبوع الذي دعوناهما إليه بدلا من اراحتها وعلاجها ويعلم الله كيف كانت مشاعري مع أسرة الفتاة لفقدها رغم ما تعرضنا وتعرض له ابني من خداع ملموس فيما يتعلق بحالتها الصحية فقد ساورتني الشكوك في أن يكون ابني قد علم بحالة الفتاة قبل الزواج وقد كانت تعاني من تلف صمامين في القلب منذ فترة طويلة ولها ملف علاجي ضخم لدى طبيبها وسألته في ذلك فنفى صادقا علمه به وقال لي أنه لاحظ سعالها المستمر وهزالها ففسره له الأب بأنه فيروس من الجو.

لقد كتبت لك رسالتي هذه لتشاركني المناقشة الصامتة الدائرة باستمرار داخلي وفي كل مكان منذ وقع هذا الحادث المؤلم هل من المعقول أن يدفع أب أو أم ابنتهما للموت عمدا وهما يعلمان أن الزواج سوف يقضي عليها وما الهدف ؟

إنني لا أستطيع أن أصدق ذلك وأقصى ما توصلت إليه هو أن الأبوين كانا يتوقعان لهذا الزواج الفشل بعد أن يكتشف ابني الحقيقة .. ولست أصدق أن الموت كان أو يمكن أن يكون من بين توقعاتهما لكن ألا يدخل ذلك في النهاية في باب الخداع والغش المنهى عنهما في الزواج ؟ وهل كان من الأمانة أن تخفي الفتاة نفسها وهي فتاة متعلمة ورشيدة وأبواها حقيقة حالتها الصحية على شاب تقدم إليها طالبا سعادته ولم يرتكب ذنبا ولا إثما .

إنني أكتب إليك رسالتي هذه لأرجوك أن تحث كل الشباب والفتيات الذين يقدمون على الزواج على ضرورة إجراء الفحص الطبي الشامل لأنفسهم قبل الزواج وأن يتمسك به كل طرف بالنسبه له وللطرف الآخر حتى لا يخدع أحدهما الآخر .. وألا يغتروا في ذلك بالمظاهر الاجتماعية ولا بالمناصب والشكليات فالخداع قد يجئ من أي اتجاه في هذه الأيام الصعبة فقد أردنا اسعاد ابننا فكانت النتيجة كما ترى موتا وخراب ديار كلفنا الكثير والكثير إلى جانب التجربة القاسية التي هزت ابننا من الأعماق والأدهى من كل ذلك هو أن الأسرة الأخرى قد أرادت نصيبها من أثاث ابنتها فإذا بها تطلبه بدعوى أمام المحكمة مما اضطرنا إلى طلب الطعن في الزواج من أساسه لقيامه على أساس الخداع والغش ولا حول ولا قوه إلا بالله .

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكـــاتـــبة هـذه الـرســـالة أقــــول:

 

نعم لا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا يا سيدتي لما تتردى إليه الأحوال الإنسانية في بعض الأحيان ومن هذه الأحوال المؤسفة حقا أن تتنازع أسرتان مثل أسرتيكما على بعض متاع الدنيا الرخيص مهما غلا ثمنه وسط هذه المأساة الاغريقية المؤلمة.

 لقد كان أحرى بكما معا أن تسويا هذا النزاع بعيدا عن المحاكم ولو تطلب ذلك أن يضحي الطرفان معا ببعض حقهما أو أن يتنازل أحدهما عما يتصوره حقا له وقد خسر ما لا يعوضه متاع , ولا يعيده للحياة مال لكن ماذا نقول وبعضنا للأسف قد يهين جلال الموت نفسه أحيانا بمثل هذا التنازع المؤسف!

إنني لا أنشر عادة النزاعات المعروضة على القضاء حتى لا أبدي فيها رأيا ينتصر لطرف على حساب طرف آخر في نزاع ينبغي ألا يقول أحد كلمته فيه سوى القضاء ولولا نداؤك للشباب المقبلين على الزواج بالحرص على اجراء الفحص الشامل قبل الاقدام عليه , وما رأيته في هذه القصة المؤلمة من فائدة تفيد هؤلاء الشباب وأسرهم لما نشرتها التزاما بهذا المبدأ لا لكي يتفادى كل طرف خداع الطرف الآخر له عن نفسه وحقيقة أحواله وهو أمر مطلوب في حد ذاته وإنما هو الأهم لكي يتفادى كل طرف خداعه لنفسه فيدفع حياته ثمنا عاجلا لتعلق الإنسان الدائم بالأمل في أن يبرأ بطريقة غامضة من كل أدوائه وأن ينال نصيبه العادل من السعادة في كل الظروف والأحوال .

إنه خداع أقسى من خداع كل طرف للآخر يترجم ميل الإنسان الأزلي إلى التشبث بالحياة وبالأمل الغامض في النجاة حتى وهو في النزع الأخير .. وهو حنين لم ينج منه بشر إلا الأنبياء الذين رأوا برهان ربهم فتهللوا للقائه وفارقهم حب الدنيا والأمل فيها حتى الصحابة والصالحون راودهم هذا الأمل الغامض وهم في الرمق الأخير .. فروي عن العادل الزاهد في نعيم الدنيا ومتاعها عمر بن الخطاب أنه قد تلفت حوله وهو في لحظاته الأخيرة وقال لمن حوله متعجبا من أمر نفسه : ان للموت لوحشة وأن للحياة لنصيبا من القلب ! وكيف بهذه العروس الشابة الصغيرة يا ربي ؟

لقد تعلقت بالأمل في الشفاء والسعادة وصدقت أملها وكذبت كل ما عداه حتى تحذيرات الأطباء وحالتها الصحية المتدهورة فتحالفت مع مرضها اللعين على حياتها ولست أدافع عنها بذلك وقد أصبحت بين يدي خالقها وإنما أفسر فقط بعض جوانب دوافعها لهذه المخاطرة القاتلة بغض النظر عما إذا كنت أؤيدها أو أخالفها فيها وإذا كانت هناك مسئولية فلسوف ينسبها القضاء إلى أصحابها بوضوح أما نحن فلقد رثينا لهذه الفتاة الصغيرة مهما كانت مسئوليتها عما جنته على نفسها أو مهما كانت مسئولية غيرها في هذا المصير الحزين ولابنك الشاب أيضا الذي روع بهذه المحنة القاسية وهو الذي طلب العفاف وطرق البيوت من أبوابها وتحرى في شريكة الحياة كل الشروط المناسبة فكان للأقدار الحزينة كلمة أخرى في سعادته واستقرار حياته وعسى ربه أن يعوضه عن محنته بخير مما حرم منه وبسعادة دائمة لا تغيب .

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات