الهواية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

 

الهواية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

                          الهواية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990 

 

أنا سيدة في الخامسة والثلاثين من عمري تزوجت من نحو ثلاثة عشر عاما عقب تخرجي في الجامعة مباشرة من شاب وسيم ممشوق القوام مرموق الوظيفة إلا إنه عقب زواجه مني تكشف لي أمر غريب جدا فيه وهو أن زوجي يحب أن يحملني ويتجول بي في الشقة لفترات ربما لا تصدقها إذا ذكرتها لك وفي أثناء ذلك يغير من أوضاعي كما لو كنت طفلة صغيرة ويغضب إذا ما طلبت منه إنزالي .. الأمر الذي يضطرني لأن أتحامل على نفسي حتى لا أغضبه .. وذات يوم سألته : اوليس من حقي أن يكون لي مكان على الأرض شأني شأن بقية البشر ؟ فأجابني أنت جزء مني وأنا لا أشعر أني "على بعضي" إلا وأنا أحملك !

 

أنجبت من هذا الرجل ولدين الأول قارب الثانية عشرة من عمره والثاني يصغره بعلم تقريبا وظننت بعد أن أنجبنا أن زوجي سوف يكف عن هذه العادة التي أدمنها ولكنه لم يفعل حتى بعد أن أصبح الولدان مميزين وكل ما طرأ من تغيير هو أن زوجي بدأ يمارس هوايته في فترة عدم وجود الأولاد بالمنزل أو في أوقات يظن فيها أنهم نائمون .. والى هنا والأمور مقبولة إلى أن جاء يوم قارس البرودة وحسب عادتي في مثل هذه الأيام أخذت حماما ساخنا وعقب خروجي من البانيو وقفت على كرسي من البلاستيك وارتديت ملابسي ثم فتحت الباب وطلبت من أولادي أن يأتوني بالشبشب الذي تركته خارج الباب حتى لا يبتل فاخذوا يبحثون عنه لفترة حتى ضقت ذرعا بهم وانتهرتهم على عبثهم ولما لم يجدوه سمعت ابني الأكبر يقول لأخيه سوف احل لكم هذا الإشكال ثم ما لبث أن اقترب من الكرسي الذي كنت أقف عليه وذهلت عندما وجدت نفسي على كتفه وقد استدار بسرعة وخرج من الحمام واتجه نحو غرفة نومي وهو يحملني إلى أن أدرك السرير فتركني لأجد نفسي جالسة عليه .. ولا استطيع أن أصف لك مدى ذهولي مما حدث ولكني تمالكت نفسي وذكرت هذه الواقعة لزوجي عند عودته للمنزل فلم يبد اهتماما كثيرا وقال لي لاحظي أن أبناءنا مازالوا أطفالا ولو أنهم بلغوا سن الشباب لكان لي تصرف آخر وأنا أفضل أن تحسمي الأمر معهم دون تدخل مني .. وقد ظننت أن ما حدث هو مجرد حادث عابر لن يتكرر ولكنه تكرر مع الولد الثاني ودون سابق إنذار أو مبرر عندما كنت ذات يوم أقوم بترتيب المطبخ واقترب مني الولد فاعتقدت أنه في حاجة إلى حناني فضممته إلى صدري ثم أخذت في استكمال ما بدأت من أعمال وإذ بالولد يثني ركبتيه ويحيطني بذراعيه ويصل يديه ببعضهما ويحكم قبضته علي ثم يرفعني في لحظة مقاومته ولكني لم أتمكن من النزول إلا بعد أن اجتاز بي طرقة طويلة ووصل إلى الصالة حيث كان أخوه ورائي حتى كدت أن انفجر . 

 وتمالكت نفسي وحاولت أن افهم منهما سبب هذا التصرف فأجاب ابني الأكبر أنه يشعر انه رجل حين يحملني .. أما الثاني فقد عبر عن سعادته فقط بأنه استطاع حملي .. فطلبت منهما عدم تكرار ذلك .. لكنهما طلبا مني أن اسمح لهما بحملي مرة واحدة كل يوم.

ومازلت أتعجب فوزني يزيد على الستين كيلو جراما وأنا أطول منهما بكثير ولا اعرف كيف أتصرف معهما .. ولا مع زوجي فهل عندك تفسير لذلك ؟

 

 ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

 لا اعرف لماذا تذكرت بعد أن قرأت رسالتك كلمة الخليفة العباسي السفاح حين جاءوه برأس آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد فغفل عنه قليلا ثم تنبه له فرأى قطة قد اقتلعت لسانه وراحت تمضغه فقال : لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا مروان في فم هرة، لكفانا ذلك !

على أية حال .. نعود إلى رسالتك فأقول لك إنه لم تعرض لي من قبل في رسائل بريد الجمعة ولا فيما قرأت من بعض كتب علم النفس حالة مماثلة لهذا التصرف بحيث يمكن قياسه عليها وتفسيره بها .. لهذا فلا مفر من الاجتهاد .. وفى ظني أن حمل زوجك لك لفترات طويلة رغم تضررك من هذا التصرف قد يعكس رغبة في الاستحواذ والامتلاك أو ربما يعكس إحساسا بافتقاد الأمان أو رغبة دفينة في ممارسة عاطفة الأبوة تجاه طفلة بالذات خاصة أنكما أنجبتها طفلين .. كما قد تكون له دلالات أخرى ليست بعيدة عن التفسيرات الفرويدية المعروفة .. وربما يكون له في طفولته تفسير يتطلب الغوص في أعماقه إلى أن يكتشفه .. لكن الأمر لا يتطلب كل هذا العناء مامادام في حدوده الآمنة ! .. ومادام يسهم في تحقيق الوفاق الزوجي بينكما ، أما عن تصرف ابنيك فلا تفسير له سوى تقليدهما لأبيهما فيه ورغبتهما في ممارسة تصرف من تصرفات الكبار كما شاهداه بعيونهما فضلا عن رغبتهما في اثبات رجولتهما المبكرة .. وشبوبهما عن الطوق والأمر أولا وأخيرا أهون مما تظنين وقد تكون خفة وزنك وربما قصر قامتك نسبيا أيضا في تقديري من عوامل الإغراء على ممارسة هذا التصرف معك .. فإذا كان مازال هذا التصرف يضايقك ورفض زوجك الإقلاع عنه فأفضل طريقة للاحتجاج عليه كلما رفعك إلى أعلى هو أن تهتفي بسقوطه بأعلى صوت على طريقة المظاهرات.

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1990

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات