صراع الديناصورات .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

 صراع الديناصورات .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

صراع الديناصورات .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999


أبدأ رسالتي إليك بهذا الدعاء الذي يتردد دائماً في أعماقي: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) صدق الله العظيم.. فأنا شاب عمري 23 عاماً ولي شقيق وحيد عمره 17 عاماً.. ولقد نشأنا بين أبي وأمي في أسرة تظللها التقاليد الأصيلة ويرفرف عليها الحب الذي بدأت به حياة الأبوين وارتباطهما، وترسخ في أعماقنا حين أدركنا أنه وحده كان سبب وجودنا، حيث جمع الحب بين أبوينا وتحديا به الجميع والظروف المحيطة ونجحا في ذلك.

ولقد كنا نقيم في شقة صغيرة من حجرتين وصالة بمدينة نصر.. ونخرج يوم الإجازة مع أبوينا اللذين يعمل كل منهما بوظيفة ملائمة ويتقاسمان أعباء الحياة.. ولم نكن نشعر بأننا محرومان من أي شيء، ولا ننظر إلى غيرنا من الأبناء ولا يعنينا ماذا يملكون أو ينفقون، ثم تقدمنا في مراحل التعليم وارتقت أحوالنا المادية والاجتماعية كثيراً وانتقلنا إلى شقة أكبر وأوسع بمدينة نصر كذلك.. واحتفظ أبي بالشقة القديمة الصغيرة لتكون لي ولأخي في المستقبل، وأصبح أبي مديراً في عمله، وأمي مديرة في عملها، وأصبح كل منهما يمتلك سيارة خاصة يذهب بها إلى عمله.. وبعد فترة قصيرة.. بدأت حياتنا تشهد بعض المتغيرات الجديدة عليها وبدأت المشاكل العادية التي قد تحدث في أي أسرة تتكرر بمعدلات أسرع في حياتنا وتتجمع ضغوطها تحت السطح ونحن لا نشعر بها، وضاعفت منها ضغوط العمل ومشاكله.. فأدى كل ذلك إلى تضخيم آخر مشكلة زوجية شهدها بيتنا بين أبي وأمي ووسوس الشيطان لأحد الطرفين وهو في غضبه أن يتخلص من كل ما يربطه بحياته السابقة بدعوى أن العمر قصير، وقد لا يستطيع أن يفعل ما يريد أن يفعله الآن في المستقبل، فيرد عليه الطرف الآخر بالجرح والإهانة والتهديد بأن يفعل هو أيضاً نفس الشيء في أقرب وقت.

وتصاعد الموقف بأسرع من قدرتنا على الاستيعاب.. ناهيك عن الإصلاح أو التدخل لوقف التدهور، وطلق أبي أمي ولم يكتف بذلك وإنما تزوج أيضاً بأخرى رداً على إهانة أمي له ببعض العبارات المستفزة، وباع الشقة القديمة التي كان يحتفظ بها لنا ليشتري شقة أخرى يتزوج فيها. ولم تقف أمي مكتوفة الأيدي أمام هذه الإهانة الاجتماعية التي وجهها أبي بزواجه فتزوجت هي الأخرى خلال فترة قصيرة، وطلبت منا مغادرة الشقة التي نقيم فيها معها لكي يأتي زوجها ليعيش معها وغيرت كوالين الشقة وسدت أبوابها في وجهينا أنا وأخي كما لو كنا "خدماً" انتهت مدة خدمتهم في هذا البيت وآن لهم أن يبحثوا عن غيره. وعجبنا لما حدث.. وتساءلنا عن السبب فجاءنا الجواب أن الهدف هو أن نجد نفسينا بلا مأوى فنذهب لأبينا ونحصل منه على حقنا لديه بأي وسيلة فإن لم نستطع ذلك فلننغص، إذن عليه حياته الجديدة.. ولو بإشعاره بأننا قد أصبحنا مشردين بعد أن كنا نحيا حياة آمنة وننعم بحماية الأبوين ورعايتهما.. ولا عجب في ذلك وكل منهما يريد أن ينتقم من الآخر.. بغير أن يضع في حسبانه أنني في سنة البكالوريوس وأن أخي بمدرسة خاصة ذات مصروفات عالية.

ولأن الهدف هو الانتقام فقد راح كل منهما يشن على الآخر حرب الدعاوي القضائية ويجيء بمحامين كبار من أساتذة الجامعات وينفق على قضاياه من المال ما نتحسر أنا وشقيقي حين نتذكره ونحن نبيت في تجديدات مسجد قريب من منزلنا السابق كنت أصلي فيه بانتظام خلال شهر رمضان الماضي، فإذا به يصبح مأواي أنا وشقيقي إلى أن يقضي الله في أمرنا.. وإنني أتساءل يا سيدي هل تتغير النفوس من الحب إلى الكراهية العمياء والرغبة العارمة في الانتقام من الطرف الآخر على هذا النحو؟.. وهل تشمل هذه التغيرات في المشاعر.. مشاعر الآباء والأمهات تجاه الأبناء فتتحول من الحب والعطف والاهتمام والعطاء.. إلى اللامبالاة والجحود، وعدم الاهتمام؟ .

وهل توجد "العاطفة" في الإنسانية تجاه أبنائه كما توجد في الحيوانات غير العاقلة تجاه أبنائها؟.. وهل نحن المخطئان فيما حدث بين أبي وأمي؟ دعني أقل إن لنا نصيباً من ذلك لكن هل يكفي هذا النصيب لتفسير ما يحدث الآن.. وهل تستطيع أنت أن تفسر لنا ما يفعله بنا أبي وأمي كل منهما من ناحيته خاصة رفض كل منهما أن يضمنا إليه أو يوجد لنا مأوى كريماً؟.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

نعم.. أستطيع "للأسف" أن أفسر لك بعض ما تتعرض له الآن أنت وشقيقك من أذى في هذا الصراع الدائر بين أبويك على كل الجبهات.. أما إنني أستطيع ذلك "للأسف" فلأن ما سوف أقوله لك هو أسوأ التفسيرات وأبشعها وأبعدها عن الرحمة والعدل والدين وبر الأبوين بأبنائهما.. إذ أنني لا أجد مدخلاً لفهم كيف يصبح فجأة شابان كانا حتى وقت قريب قرة أعين أبويهما بلا مأوى مستقر ولا مهجع يرجعان إليه سوى تجديدات مسجد كان أحدهما يصلي فيه في رمضان، سوى أن أبويك وقد انفلت عقال رغبة كل منهما في الانتقام من الآخر وإيلامه وتنغيص الحياة الجديدة عليه، قد رغب في أن "يصدَّر" مشكلة أبنائه إلى الطرف الآخر، منتظراً منه أن "يضحي" دونه بتحمل تبعاتها لكي تصفو له هو حياته، وحين أثبتت والدتك أنها ليست "أضعف" من أبيك فيما يتعلق بمشاعرها الأمومية تجاه أبنائها ولا أقل منه رغبة في التخلص من مسئوليتهما وعدم التوقف أمامها وهي تشق طريقها الجديد في الحياة. فلقد أصبحت رغبة كل طرف منهما الآن ليست فقط أن يصدِّر مشكلة أبنائه إلى الطرف الآخر، وإنما أن يزعجه بها وينغص عليه صفو حياته الجديدة، فإن لم ينجح في ذلك فلعله على الأقل يستطيع أن يثقل ضميره بأمرها وأن يخصم من صفاء حياته الجديدة بقدر ما يشعره بالذنب تجاه هؤلاء الأبناء، فإن لم يتحقق له شيء من ذلك فلعله يستطيع –وهو المطلوب في كل الأحوال- أن ينقص من اعتباره لدى الآخرين ويظهر بمظهر من لا يعنيه مصير أبنائه في غمار طلبه لسعادته الشخصية واهتمامه بحياته الخاصة.

ولأن الهدف هو الانتقام وليس البحث عن حل عادل للمشكلة، فلقد أغلق كل من أبويك بابه في وجهيكما ولم يحتمل حتى فكرة التنازل عن بعض أسباب راحته وسعادته في حياته الجديدة، بقبول إقامتكما لديه ولو بالتبادل مع شريكه السابق، فكأنما يراهن بذلك على قدرة الطرف الآخر على احتمال تشرد أبنائه.. وينتظر الوقت الذي "يضعف" فيه قبل الآخر ويضم ابنيه إليه ولو أدى ذلك إلى تعثر حياته الجديدة.. فيتحقق المطلوب وينتصر الطرف الأكثر أنانية.. ويفوز في صراع الديناصورات التي لا يكف أحدهما عن الآخر حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.. وهكذا اتفقت إرادة الطرفين أو أنانيتهما على الأصح على ألا يفعل كل منهما شيئاً جاداً لحل مشكلة المأوى الملائم لكما.. مكتفياً فيما يبدو بمدكما ببعض نفقاتكما كأنما يرغب بذلك في أن تظل قضية الابنين المشردين حية في ضمير الطرف الآخر تذكره بالثمن الباهظ الذي دفعاه ثمناً لاختياره الذاتي لسعادته بعيداً عنهما.. وحية أيضاً في مجتمعه العائلي تذكر أفراده بمدى ذاتيته وعدم استعداده للتضحية ببعض اعتباراته الشخصية من أجل ابنيه، تماماً كما تفعل بعض الدول حين ترفض بإصرار منح جنسيتها لمن يلجأون إليها في ظروف الحروب أو المجاعات، لكي تظل مشكلتهم حية تؤرق الضمير العالمي وتدفعه للبحث عن حلول جذرية تعيدهم إلى بلادهم الأصلية. غير أن ما يمكن القبول به في السياسة في بعض الأحيان، لا يمكن أبداً القبول به في العلاقات الإنسانية وعلى الأخص في علاقة الأبوين بأبنائهما ولقد نسى أبواك للأسف في غمرة هذا الصراع الدامي بينهما أنه إنما ينتقم كل منهما من الآخر في أبنائه هو وليس في أبناء الطرف الآخر وحده، وأن رغبته في "إزعاج" الطرف الآخر بمشكلة الابنين أو إثبات تخليه عنهما طلباً لراحته لا يدفع ثمنها في النهاية سوى هذين الابنين.. وما أبشعها ساحة للصراع والانتقام.. وما أخس الفوز فيها والانتصار.. "وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" كما يقول لنا مضمون الحديث الشريف، غير أنني مازلت بالرغم من كل ذلك أعجب لهذا الانهيار المفاجئ في حياتك أنت وشقيقك حتى لتصبحا معاً فجأة بلا مأوى.. ولا أمل في مستقر قريب.. وأتساءل: وأين أعمامك وأخوالك وأهلك الأقربون؟.. وأين سعيهم مع الطرفين لكي يضع كل منهما مصيركما المجهول في اعتباره وهو يشن حرب القضايا على شريكه السابق ويدفع الأتعاب الباهظة للمحامين الكبار؟.. ولماذا لم يفكر أحدهما في تدبير مأوى لكما ولو في شقة مفروشة ببعض هذا المال الذي ينفقه على القضايا والصراع؟!

فإذا كنت تسألني هل "توجد" لدى الإنسان نفس العاطفة التي توجد لدى الحيوان تجاه أبنائه.. فإن سؤالك الأليم ليس سؤالاً تنتظر الإجابة عنه، وإنما هو زفرة صدر ممرور مما قد تتردى إليه في بعض الأحيان مشاعر البعض من جحود وأنانية ولا مبالاة بمصير ثمرات القلوب.. وإذا كان ثمة سؤال يبحث عن إجابة له حقاً.. هو هذا السؤال الذي أتوقف أمامه كثيراً في مثل هذه المآسي الزوجية.. وهو كيف تحول الحب الذي تحدى به أبواك الجميع في بداية ارتباطهما إلى كراهية ضارية للطرف الآخر ورغبة وحشية في الانتقام منه ولو بطعنة في صدر أبنائه منه؟

ألا يلاحظ معي البعض أن كثيراً من هذه المآسي قد بدأت بحب "تحدي به طرفاه الجميع" وتمسكا به ونجحا في فرض إرادتهما على الآخرين مما يعني أنه كان من البداية ارتباطاً لا يرشحه العقلاء للنجاح والاستمرار ويرون فيه ما لا يراه طرفاه اللذان حجبت عنهما العاطفة الهوجاء تعارضه من البداية مع أحكام العقل؟!

 

إن المثل الهولندي القديم يقول :" إن الحب إذا انقلب إلى كراهية فإنه لا يعرف حدوداً" وبعض علماء النفس يقولون لنا :" إن الكراهية قد تصبح في بعض الأحيان هو الوجه الآخر للحب" وأن هناك نوعاً مركباً من العلاقات العاطفية يصفونه بأنه علاقة الحب-الكره، التي تجتمع فيها المشاعر المتناقضة نتيجة لأن أحد الطرفين ينقم على الآخر بعض تصرفاته فيكرهه من أجلها.. لكنه ينجذب إليه في نفس الوقت بعاطفة أقوى هي عاطفة الحب فيتواصل معه منطوياً له على هذه المشاعر المتناقضة .. غير أنني على الناحية الأخرى أؤمن بأن الحب الحقيقي لا يمكن أن يتحول ذات يوم إلى كراهية حقيقية للطرف الآخر، وأنه قد يفتر أو يموت، لكنه لا ينقلب أبداً إلى النقيض ولا يدفع صاحبه إلى السعي لإيذاء شريكه السابق أو تدميره، لهذا فإنني أتحفظ على حكاية الحب الذي تحدى به أبواك الجميع في بداية حياتهما معاً هذه .. كما أتحفظ كذلك على كل المعاني البشعة التي يعكسها انصراف كل من أبويك لحياته الجديدة، وصراعه مع شريكه السابق بغير أن يجهد نفسه بالتوقف أو التفكير في مصير ابنيه من هذا الحب السابق المزعوم !!

 

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999

شارك في إعداد النص / أحمد محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات