الحل البغيض .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

 الحل البغيض .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

الحل البغيض .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003


لا أعرف كيف أبدأ حديثي معك‏,‏ فأنا سيدة في التاسعة والثلاثين من عمري وتزوجت وأنا في الثامنة عشرة‏,‏ لا أعرف كيف؟ ولكن هذا ما وجدت نفسي فيه‏,‏ وكان زوجي يكبرني في السن بنحو عشر سنين وكان وحيد والدته‏,‏ وكان أبوه متوفيا منذ زمن بعيد وليس له أخوة‏,‏ وله خالة مسنة ليس لها أولاد وأرملة‏,‏ وبدأت حياتي الزوجية مع زوجي وأمه وخالته وكان فارق السن بيني وبين أمه وخالته رهيبا‏,‏ واستكملت دراستي وأنا مع زوجي إلى أن تدخلت أمه وفرضت علي أن أجلس في المنزل وتم ذلك بالفعل‏,‏ وكان زوجي يشغل مركزا مرموقا في إحدى الشركات المهمة بالدولة‏.‏

وبدأت المشاكل بيني وبين أمه وخالته بحكم فارق السن بيننا‏,‏ وطلبت منه أن أقيم في شقة منفردة بي أنا وهو وتم الرفض‏,‏ ومرت السنة الأولى ورزقت بطفل جميل كان عندي أغلى من نفسي‏,‏ ومرت سنتان أخريان ورزقت بطفل ثان ولم أرزق بعد ذلك بأطفال‏,‏ ومرت الأيام وطلب مني زوجي أن أعمل لكي أساعده في تربية أولادنا‏,‏ وبدأت عملي في أحد الفنادق المعروفة واستمررت به إحدى عشرة سنة وكنت أسكن في حي مصر الجديدة وكانت بيني وبين زوجي عشرة جميلة‏,‏ وكنت دائما برغم الخلافات العائلية أقول إنه زوج مناسب جدا لأنني قد تعودت على أمه وخالته في المنزل‏,‏ وكنت دائما أحرص على نشأة أبنائي في بيئة هادئة مليئة بالبهجة والسعادة والتحقوا بمدارس لغات وكبروا أمامي‏,‏ وأنا سعيدة بهم لا أفكر في الانفصال عن زوجي مهما حدث من مشاكل‏.

 

وبعد نحو عشر سنوات من زواجي توفيت خالته وبعد ذلك مرضت أم زوجي بسبب السكر وتم بتر رجلها اليسرى ولم أفكر في أن أهمل حقها أبدا عسى أن يكرمني ربي في أولادي وفي حياتي‏,‏ وكانت لدي سيدة تجئ إلى المنزل كل أسبوع لكي تقوم بتنظيفه‏,‏ وبدأت أحس بالتعب من عملي واهتمامي بأولادي وخدمتي لأم زوجي‏,‏ وبدأت البحث عن خادمة تجلس معي في المنزل لكي ترعى أم زوجي‏,‏ وكانت حياتي جميلة ليس بها مشاكل مادية ولا اجتماعية وكنت دائما أحافظ على بيتي وزوجي وأولادي‏,‏ وكنت أهتم دائما بمظهري في البيت وخارج البيت‏,‏ وعندي سيارة وعند زوجي سيارة‏,‏ وجاءت الشغالة وعاملتها معاملة الأخت لأنها كانت تقريبا من سني ولكنها ليست جميلة‏,‏ وكان زوجي رجلا متدينا يصلي دائما في المسجد‏,‏ وابني الأكبر في السنة الثانية الثانوية وابني الأصغر في السنة الأولى الثانوية وكان دائما زوجي يتابعهم في الدراسة‏,‏ وأنا وقتي كله كان لعملي ولبيتي ولزوجي ولأولادي‏,‏ إلى أن جاءت أول صدمة لي وهي وفاة أبي ثم توالت الصدمات‏,‏ وتوفيت أمي منذ ثلاث سنوات وشعرت بالحزن على فراق أبي وكنت في حالة من الزهد في كل شئ لا أدري بما يجري حولي‏.

 

وبدأت أم زوجي تسوء حالتها في رجلها الأخرى وتم قطعها‏,‏ وزادت الأحزان والكآبة‏,‏ إلى أن جاءني ابني الصغير وقال لي إن الشغالة دائمة الجلوس مع أبي وأنا في العمل‏.‏
ورجعت ذات يوم من عملي فوجدت زوجي جالسا مع الشغالة وأمامهما زجاجات المشروبات والسجائر وأولادي صامتين ولا أدري ما فعلت‏,‏ كدت أكسر الزجاجات في الأرض‏,‏ وكانت مشكلة كبيرة بيني وبين زوجي وقمت بطردها من المنزل‏,‏ فبدأ زوجي يتغيب عن المنزل طول اليوم ولا أعرف مكانه‏,‏ إلى أن نهضت من نومي ذات يوم فقالت لي السيدة التي تنظف المنزل إن زوجي أخذ أمه وكل شئ يخصها وذهب‏!‏ وانتظرت عودته فلم يعد ومضت شهور وهو بعيد عن المنزل‏,‏ ولا أريد أن أتوجه إليه في وظيفته لأنه في مركز حساس‏,‏ ولا أحب أن أهينه في مكان عمله‏,‏ إلى أن عرفت أنه تزوج الشغالة وأنها حامل في شهرها الثالث وأقام معها في شقة في حي شعبي‏,‏ ومعه أمه المغلوبة على أمرها لأنها لا تدري ماذا يحدث حولها‏,‏ وبدأ يجئ البيت فتحدث بينه وبين ابنه الأكبر مشادة‏,‏ فهل تصدق ما حدث لي ولأولادي‏,‏ لقد بدأت أهمل عملي إلى أن تم فصلي منه‏,‏ وبدأت أحس بالضياع أنا وأولادي‏,‏ وطلبت منه الطلاق لكي أحمي أولادي ولكي أستطيع أن أواصل حياتي‏,‏ وتم الطلاق بالفعل ومرت الأيام موحشة علي أنا وأبنائي‏.‏

ودارت الدنيا بي واضطررت لبيع سيارتي لأصرف على أولادي وقمت بصرف التأمينات الخاصة بي خلال السنوات الماضية لتكملة المشوار‏,‏ وبدأت أبيع في كل شئ في المنزل ومضي على هذا الحال ثلاث سنوات أنفقت خلالها على الأبناء نحو ثلاثين ألف جنيه ووالدهم لا يحس بهم ولا ينفق عليهم ولا يسأل عنهم وكأنه قد رحل عن الحياة‏..‏ فماذا أفعل يا سيدي هل أتزوج رجلا يكبرني بثلاثين سنة مثلا لكي يقبل بالإنفاق على أبني‏..‏ أم أتزوج زوجا مناسبا في السن‏,‏ ومثل هذا الزواج سيكون شرطه الأول أن أتخلى عن أبنائي‏..‏ وهل من العدل أن يتخلى والدهم عنهم علي هذا النحو‏؟‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

أيا كانت الأسباب الحقيقية التي دفعت زوجك السابق للارتباط بمن فتحت لها بيتك لتقيم بينكم وتساعدك على تدبير شئون البيت‏..‏ وأيا كانت مبررات اختيارك للانفصال عنه واستقلالك بحياتك مع أبنائك‏,‏ فإن هذا الرجل مسئول شرعا وقانونا عن إعالة أبنائه إلى أن يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم‏,‏ ولابد أن يتحمل مسئوليته المادية والإنسانية عنهم‏,‏ فإذا كنت قد تنازلت عن حقوقك الشرعية لديه عند الانفصال كما فهمت من رسالتك‏,‏ فإن هذا التنازل لا يعفيه من تحمل مسئولية إعالة أبنائه ودفع النفقة العادلة لهم‏..‏ فهل يفعل ذلك حقا؟ وإن لم يكن يفعله فماذا تنتظرين لمطالبته به وديا في البداية ثم قضائيا إذا فشلت معه كل الجهود؟

إنها كارثة إنسانية أن يفضل زوج وأب رشيد شغالته على زوجته وأبنائه حتى ولو كان لديه ما يشكو منه من زوجته‏..‏ أو من تقصيرها بحكم عملها وانشغالها بأبنائها وفي رعاية أمه المقعدة‏..
وهو ما يبدو أن هذه الفتاة قد تسللت إليه منه‏,‏ فأظهرت الاهتمام المفتعل به ..‏ وأحكمت سيطرتها عليه حتى كان من أمرهما ما كان‏..‏ فلقد كان كل شئ قابلا للإصلاح حتى ولو اضطررت للتوقف عن العمل اختياريا وخصصت وقتا أكبر لرعاية أمه المريضة‏,‏ لكن وجود هذه الفتاة في حياتكم قد أفسد كل شئ للأسف‏..‏ وعرض زوجك للفتنة خلال غيابك بالعمل‏..‏ وأصبحت القضية الأهم الآن هي هؤلاء الأبناء ومسئولية إعالتهم ورعايتهم‏,‏ وسواء تزوجت ممن يساعدك على الإنفاق عليهم أو ممن لا يقبل بذلك فهم مسئولية أبيهم‏ ..‏ ومن واجبك ألا تتخلي عنهم قبل أن تضمني لهم سبل الحياة الكريمة‏..‏ ومن واجب أبيهم أن ينهض لتحمل مسئوليته عنهم‏,‏ حتى ولو كان الحل البغيض هو أن يضمهم إليه في جنته الصغيرة مع الشغالة السابقة إذا اضطررت أنت ذات يوم للزواج من رجل لا يقبل بهم معك‏..‏ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات