اللحظة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1989

 اللحظة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1989

اللحظة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1989

من المواقف القليلة في الحياة التي يتساوى فيها الخطأ والصواب إلى حد كبير .

ولا عجب في ذلك .. ونصيحتي في هذه الحالة أن تستفت قلبك قبل أي مشير آخر وأن تعمل بما سوف يفتيك به .. فأي طريق تمضي فيه في هذه الأحوال فيه صواب من ناحية وخطأ من ناحية أخرى .. والإنسان في النهاية لا يتعلم الحكمة بغير ثمن .

عبد الوهاب مطاوع


منذ عشر سنوات تزوجت من فتاة ملتزمة ومهذبة تعرف حقوق الحياة الزوجية واحترام الزوج وتتقبل النصيحة بصدر رحب فعشت معها حياة هانئة وفي مستوى مادي واجتماعي معقول لأني طبيب ولي مشروع يدر دخلا , وقد رزقنا الله بثلاثة أطفال أضاءوا حياتنا .

ولا أذكر خلال سنوات زواجنا أنه قد حدث بيننا خلاف دام أكثر من يوم ..فقد كانت خلافاتنا المعدودة بسيطة وتتلاشى دائما بمجرد أن نتناقش حولها ونحتكم فيها إلى كتاب الله وسنة رسول الله .

وساعدنا على ذلك أننا قد اتفقنا منذ البداية على ألا نفشي أسرارنا العائلية لأحد مهما كان قربه منا .. وألا نشرك الأهل في مشاكلنا مهما حدث , وعلى أن يحترم كل منا أهل الآخر فكانت تحترم فعلا أمي وأبي وإخوتي وكنت أحترم بدوري أباها وأمها وأختها الوحيدة ومع ذلك فقد كنت ألاحظ أن أمها تبدر منها تصرفات توحي بأن في صدرها شيئا تجاهي .. وكنت أتغاضى عن ذلك ولا ألفت نظر زوجتي إليه حتى لا يظن أحد أنني أريد الوقيعة بينهما .. وكنت أقول لنفسي مادمت وزوجتي نعيش في سعادة فلا داعي لإثارة أية مشاكل فرعية ..

وشجعني على ذلك أن صهري رجل فاضل لا يصدر عنه إلا كل ما هو خير , وكنت أحس في قرارة نفسي أنه غير راض عن تصرفات زوجته معي في كثير من الأحيان .

 

ثم توفي صهري رحمة الله عليه .. وطلبت حماتي من ابنتها أن تقيم معها فترة من الوقت لأن ابنتها الأخرى تعيش في الخارج وعرضت علي زوجتي الأمر فعرضت عليها بدوري أن تقيم أمها معنا فالمسكن واسع وهي في منزلة أمي , ورفضت الأم أن تقيم معنا فاصطحبت زوجتي أولادي وأقامت معها .. وأقمت أنا مع أمي وأبي إلى أن تنتهي هذه الفترة المؤقتة وتعود زوجتي إلى البيت .

وبدأت أتردد على زوجتي وأولادي من حين إلى آخر وبعد فترة قصيرة عرضت زوجتي أن أقيم معهم في بيت أسرتها فرفضت لحساسيتي ولرغبتي في عدم تقييد حرية الأم بوجودي معها .. فبدأت بعد قليل ألاحظ فتور حماتي عند استقبالها لي .. ثم بدأت لا تجالسني حين أزورها وبدأت تتصرف بعض التصرفات الصغيرة التي تشير إلى عدم ارتياحها لزيارتي لهم فلم ألفت نظر زوجتي لشيء من ذلك مقدرا أن أعصاب أمها مازالت مرهقة من أثر الصدمة , لكن التصرفات الصغيرة تزايدت وتجاوزت الحد إلى الإساءة المباشرة لي والتجريح فبدأت أباعد بين زياراتي وأنا أُعزّي نفسي بأنها فترة مؤقتة مهما طالت فإذا بزوجتي نفسها وقد بدأت تتغير تجاهي !

 

وكان قد مضى على إقامتها مع أمها شهر ونصف الشهر وهي فترة كافية لمواساة أمها فطلبت منها أن تعود إلى البيت فراحت تماطلني في العودة وتستمهلني فترة بعد فترة .

وذات يوم ذهبت إلى بيت أمها لأرى أولادي و زوجتي وأطالبها بالعودة ففوجئت بأمها تعلنني بأنها لن تعود إلى بيتي إلا إذا كتبت لها جزءا من مالي فتعجبت للطلب المفاجئ وسألتها بدوري هل بلغها عن سلوكي ما يسئ لي ..هل أسأت إلى زوجتي يوما ..فكانت الإجابة بالنفي , فانفردت بزوجتي وسألتها عن رأيها فيما قالته أمها فإذا بها من رأي أمها فنصحتها بألا تفتح للشيطان بابا بيننا فلم تستجب وغادرت الغرفة مصطحبة معها أمها وبدأتا تتبادلان الألفاظ السيئة عني وأنا جالس مذهول بينهما لا أعرف ماذا يجري ..

ولا أتصور أن تخرج مثل هذه الألفاظ من زوجتي المهذبة الرقيقة التي لم تغضبني يوما واحدا ولم أجرحها ولم تجرحني بكلمة منذ تزوجنا .. وظللت مندهشا وقد عقدت الدهشة لساني فترة طويلة من الوقت وهما لا تكفان عن تبادل الألفاظ السخيفة حتى وجدت نفسي فجأة أنطق بكلمة الطلاق ..ثم نهضت حزينا وهرولت مبتعدا عن البيت وأنا أرى حياتي وكل شيء جميل فيها ينهار في لحظة وبلا مقدمات .. وعانيت الصدمة لفترة ..حتى هدأت النيران داخلي قليلا وتدخل وسطاء الخير للصلح بيننا فتمسكت الأم بنفس الشروط لعودتها .

 

 ولم أر معنى لأن أعيش مع زوجتي وأولادي تحت الإذعان لشرط مهما كان نوعه لأنهم حياتي وكل ما املكه لهم .. بلا إجبار أو إذعان , فرفضت الشروط واتفقنا وديا على النفقة وعلى كل شيء وعلى أن أرى أولادي بانتظام .

ومضت الحياة هكذا .. وكلما تذكرت كيف انهارت هذه السعادة فجأة تألمت .. وكلما تذكرت صورة زوجتي وهي تصفعني بألفاظ لم أسمعها منها من قبل تعجبت ..وساءلت نفسي ..هل كنت الزوج المخدوع الذي لم يعرف حقيقة زوجته إلا في هذه اللحظة القاسية !

وشغلت نفسي بعملي وارتباطاتي ..وبعد عامين ظهرت في محيط الأسرة أرملة متدينة وعلى خلق مات عنها زوجها بعد ستة أشهر من الزواج في حادث سيارة ولم تكن قد حملت منه , ورحب أبي وأمي وإخوتي بها وارتحت إليها وارتاحت إلي وتزوجنا , وكان أكثر ما شجعني على الزواج منها هو أن أمها متوفاة فدعوت لها الله أن يرحمها وشكرته أن رحمني أنا من الخوف من تأثير بعض الأمهات على بناتهن , وبعد قليل جاءتها الإعارة إلى إحدى الدول فسافرت معها ووفقني الله في عمل يدر علي أجرا عاليا وعشنا معا والحمد لله في سعادة وهناء واستقرار وقد رزقني الله منها طفلا جميلا , وبقيت على اتصال بأولادي أؤدي إليهم النفقة وأطمئن عليهم من حين إلى حين .

 

وفجأة سمعت أن أم مطلقتي قد انتقلت إلى جوار ربها ..فطلبت لها الرحمة والمغفرة عما آذتني فيه ..ثم عدت يوما فوجدت خطابا من مطلقتي تقول لي فيه أنها نادمة على ما بدر منها وأنها كانت واقعة تحت تأثير أمها الراحلة وأن ضميرها يعذبها لأنها ظلمتني ..وإنها نالت من العقاب ونظرة الآخرين لها ما لا يطاق وأنني أول حب لها ولن تجد أحدا في كرم أخلاقي وأنها لا تريد شيئا سوى الصفح عنها وأن يجتمع شملنا مرة أخرى وأنها تقبل أن تعيش معي وأنا متزوج لأنها تعرف عني إنني لن أظلمها ولن أظلم زوجتي الأخرى .

فماذا أفعل يا سيدي ..لقد وقعت في حيرة شديدة , هل أردها إلى عصمتي ..أم أتركها لحال سبيلها عسى أن يرزقها الله بمن هو خير مني وهل أخبر زوجتي الحالية بما يجري ..ماذا أفعل علما بأن جرح إهانة مطلقتي لي لا أظن أنه سوف يلتئم لأني أحسست فجأة أنها كانت تعيش معي بشخصية غير شخصيتها الحقيقية .



ولكاتب هذه الرسالة أقول :

أنت يا صديقي فعلا في موقف محير ..لأنه من المواقف القليلة في الحياة التي يتساوى فيها الخطأ والصواب إلى حد كبير .

فمن الصواب مثلا أن تعيد مطلقتك إلى عصمتك وتجمع شمل أبنائكما فتنقذهم من التمزق بينكما ومعاناة الآثار السلبية البغيضة لانفصال الأبوين على الأبناء .

لكنه من الخطأ أيضا وربما بنفس الدرجة أن تفعل ذلك إذا رفضت زوجتك قبول هذا الوضع وطلبت الانفصال فتهدم بذلك سعادتك الحالية وتمزق ابنك الوليد بينكما وتعرضه لنفس هذه الآثار الكريهة .

ومن الصواب ألا ترفض نداء مطلقتك وندمها وهي صادقة فيه ..وقد عاشرتك بشخصيتها الحقيقية سنوات طويلة فكانت الزوجة المهذبة الرقيقة حسنة العشرة التي لم تغاضبها يوما ولم تغاضبك يوما , أما شخصيتها الأخرى في تلك اللحظة القاسية ..فلقد كانت الشخصية المستعارة الزائفة التي ظهرت فجأة بتأثير أمها الطاغي عليها وقد زالت بزوال المؤثر , وأنت حبها الأول كما تقول هي ولعلها كذلك أيضا بالنسبة لك .

 

لكنه من الخطأ أيضا وبنفس الدرجة تقريبا أن تسيء إلى مشاعر زوجتك الحالية التي تعيش معها الآن في هدوء واستقرار وسعادة وقد وجد كل منكما في الآخر ما يضمد جراحه ومن يعوضه عما لقيه من آلام في الحياة .

فما المخرج إذن من هذه الحيرة ؟ الحق أنه لو لم تكن قد أنجبت من زوجتك الحالية لنصحتك بلا تردد بأن تخيرها بين إعادة مطلقتك وأبنائك إليك مع بقائها زوجة لك أو أن تسرحها بإحسان تغليبا لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد ..

ولو لم تكن قد أنجبت من مطلقتك ثلاثة أبناء لنصحتك بألا تلتفت أصلا إلى ندائها وبأن تدعها إلى حال سبيلها بعد أن استقرت حياتك مع غيرها ..لكن وجود الأبناء يغير الكثير من الحسابات يا صديقي ..

ولا عجب في ذلك إذن فاستفت قلبك قبل أي مشير آخر واعمل بما سوف يفتيك به ..فأي طريق تمضي فيه صواب من ناحية وخطأ من ناحية أخرى .

أما إذا أردت نصيحتي الشخصية فإني أنصحك بأن تعرض الأمر على زوجتك الحالية بكل جوانبه وبأن تترك لها مهلة كافية للتفكير فيه بروية ..ثم اترك لضميرها وعقلها وقلب الأم فيها الخيار بلا ضغط منك وهي من عانت من قبل الترمل والوحدة وتصاريف القدر ..

 

فإن قبلت عن طيب خاطر مبدأ الجمع بينها وبين أبنائك ..رحمة بهم وصونا للحرمات حتى لا تزورهم في بيت أمهم وهي أجنبية عنك ..فأعد مطلقتك إلى عصمتك واعف عما كان ..واعرف لزوجتك الحالية فضلها في ذلك وأضفه إلى موازينها الثقيلة عندك ..أما إذا رفضت وتمسكت وجعلت من  الانفصال شرطا له فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا لوم عليها ولا عتاب في ذلك ..وبادر بالاعتذار لمطلقتك عن عدم استطاعتك إصلاح خطئها في حق أبنائك بخطأ آخر في حق ابنك الوليد ..وليختر لها الله ما يعوضها عما حدث .

 

والإنسان في النهاية لا يتعلم الحكمة بغير ثمن ..وإن كان المؤسف حقا أنه ثمن يدفعه الأبناء قبل أن يدفعه الآباء والأمهات ..

رابط رسالة القرار من كاتب الرسالة مرة أخرى

رابط رسالة الاختيار الصعب تعقيبا على هذه الرسالة

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1989

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات