بلا عاطفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 

بلا عاطفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

بلا عاطفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

سيدي العزيز .. أرجو أن تقرأ هذه الرسالة إلى النهاية بغير أن يصيبك الملل .. فهي رسالتي الأولى إليك لكنها فيما يبدو لن تكون الأخيرة كما إنها سوف تعطيك صورة صادقة عما وصلت إليه حالة الناس ومن التنافس والبعد عن روح التآخي والحقد اللا أخلاقي .. وهي المعاني التي تلح على محاربتها كل أسبوع وكأنك يا صديقي تنفخ في قربة مقطوعة . إنني اكتب إليك هذه الرسالة استكمالا لقصة صاحبة العمارة التي نشرتها الأسبوع الماضي .. فأنا یا سیدي فرد من أسرة مكونة من عشرة أفراد نصفهم بنون والنصف الآخر بنات ، وكلنا والحمد لله أشقاء أي أبناء أب واحد وأم واحدة .. وكلنا جامعيون .. وكل إخوتي وأخواتي يشغلون مراکز مرموقة ، كما أننا أيضا والحمد لله أغنياء جدا من الناحية المادية ، وعن نفسي فأنا خريج حدیث منذ 5 سنوات وأعمل منذ عامين في شركة قطاع عام مرموقة أتقاضى فيها مرتبا يصل مع الحوافز إلى ۲۲۰ جنيها شهريا ، ولي دخل ثابت يصل إلى حوالي 150 جنيها .. وكنا - أقصد أنا وإخوتي وأخواتي - يكره بعضنا بعضا جدا ولا يتمنى أحد منا للآخر خيرا أبدا . وكلنا أيضا نفرح في مصائب بعضنا !. وكلنا بلا استثناء نكيد وندبر المكائد لبعضنا البعض ، وبعض هذه المكائد يصل إلى أقصى ما يمكن أن يتصوره إنسان ! كل ذلك بالرغم من أننا نتميز جميعا بالوسامة والجمال وبراءة المظهر وحلاوة اللسان !.

 

ولا أطيل عليك في هذا الكلام .. فنحن نملك عن والدنا رحمه الله عمارة كبيرة لا يزيد إيجار أغلى شقة فيها عن 6 جنيهات أما أرخص شقة فيها فإيجارها ثلاثة جنيهات ونحن - إخوتي وأنا – بالطبع و لا نطيق أحدا من سكان عمارتنا الكرام . ولا نتحمل أي رغبة في الخير لأحسن واحد فيهم ، وقد تسألني لماذا ؟ أو هل أساء إليكم أحد منهم فأقول لك إننا نكرههم هكذا بلا سبب والله العظيم .. سوى إننا لا نحب أحدا في الدنيا فكيف نحب أناسا يعيشون في سعة من العيش والسكن ولا نفكر في الانتقام منهم ؟! وسأطلعك على ما عقدنا العزم عليه بل وشرعنا فعلا في تنفيذه .

 ففي هذه العمارة القديمة شقة أعيش بها مع أمي الحاجة وهي سيدة شديدة الاحترام ومتمسكة بأهداب الدين والأخلاق - وسبحان الله أننا جميعا نشأنا على نقيضها وقد فكرنا في حل رائع لمشكلة هذه العمارة القديمة التي نتقاضى منها بضعة جنيهات .. ويتلخص هذا الحل في أننا بدأنا في نقل الأشياء المهمة من الشقة بالإضافة إلى المستندات وكل ما له قيمة إلى عمارتنا الأخرى التي ليس بها سكان ، وستسمعون قريبا - إن شاء الله - عن حادث من أكثر الحوادث بشاعة وفظاعة .. كيف ؟ سأحكي لك كل شيء .

 

 في شقتنا بالعمارة القديمة ثلاث أنابيب بوتاجاز ، بالإضافة إلى مجموعة من المواد شديدة الانفجار والاشتعال التي أحضرتها خصيصا لذلك من معمل الشركة التي أعمل بها ، وفي يوم قريب إن شاء الله ! سنخرج من هذه الشقة .. ثم سيدوي انفجار شدید لن يبقي بعده من عمارتنا سوى الأنقاض .. وبعد أن تنتهي . الموجة والتي ستحدث عقب الانفجار من انتقال كبار المسئولين بمديرية الأمن والمحافظة إلى موقع الحادث ومن نشر بالصحف وإذاعة في التليفزيون .. ومن س و ج ومحاضر طويلة تكتب بالقلم الجاف .. وبعد أن تقوم المحافظة مشكورة بإخلاء الضحايا .. ونقل سعداء الحظ منهم إلى مساكن الإيواء .. ستخمد الهيصة وتختفي تماما من سطور الصحف .. ثم نتسلم ارض العمارة لنبيعها .. أو لنبني فوقها عمارة جديدة نبيع شققها بالشيء الفلاني .. لكن ذلك ليس هدفا وحده .. فأهم منه في رأيي أننا سوف نستريح من هذه الوجوه الكريهة .. وجوه سكان عمارتنا .. الكلاب ، وصدقني أننا لا نكره سكان عمارتنا فقط وإنما نكره سكان أي عمارة فهم جميعا كلاب ! وهم جميعا يتمسكنون حتى يتمكنوا ، وكراهيتنا للسكان جميعا هي الشيء الوحيد الذي يتفق عليه إخوتي جميعا وأنا أولهم بالطبع !.

 

إنني اكتب إليك هذه القصة .. ومهما صنعت فلن تستطيع أن تمنع شيئا أو توقف شيئا .. بل لن تستطيع فيما أعتقد أن تأخذ علينا شيئا لسبب صريح هو إني وإخوتي من جميع التخصصات وستساعدنا خبراتنا المختلفة في إحكام التدبير والتخلص من نتائجه .. كما أننا جميعا بلا عاطفة .. وستأسف كثيرا حين أقول لك أن سعادتنا هي في الانتقام من أية مجموعة مترابطة سعيدة أو أي عائلة متماسكة .. أرأيت أي نوع من السعادة .. هي سعادتنا ؟!.

إنني أرجوك ألا تحزن لما تقرأه الآن فنحن مختلفو الطباع .. وقد أردت فقط كواحد من قرائك أن أشير عليك برأينا في مشكلة صاحبة العمارة الجاهلة التي نشرت قصتها في الأسبوع الماضي .. فهي فعلا جاهلة أساءت إلى نفسها بما كتبته عن نفسها وعن مشاعرها وكان الأولى بها أن تستشير من يعرف كيف يتصرف في مثل هذه الحالات .. إن هذا هو رأيي في المشكلة ومن حقنا عليك نشره بدون اختصارات وأنت دائما تحترم آراء قرائك ونحن منهم.

***********

هذه هي الرسالة الخطيرة التي تلقيتها ضمن رسائل عديدة تعلق على قصة صاحبة العمارة ، وهي رسالة مفزعة بكل معنى الكلمة سواء أكان ما تشير إليه من "تدبير إجرامي" جادا وحقيقيا ، أم مجرد تعبير عن رغبات مكبوته وموقف طبقي حقير من البشر .

فإذا كانت الأولى فهي جريمة اتفاق جنائي على جريمة بشعة لا أجد وصفا لائقا بها.

وإذا كانت الثانية فهي تعبير "جنائي" أكثر خطورة عن حالة رهيبة من التفسخ والعدوانية والانحطاط .. لا أجد أيضا وصفا لائقا بها .

 

وفي كلتا الحالتين فهي جريمة سواء أكانت جريمة تدبير أم جريمة تفكير ولعل جريمة التفكير أخطر لان التدبير يمكن أن يفسد .. ويمكن أن يتراجع عنه أصحابه خوفا من العواقب .. أما جريمة التفكير وجريمة الانحراف الفكري فمن الذي يستطيع أن يرد أصحابه عنه ؟ .. ومن الذي يستطيع أن يقوم ما اعوج من نفسيات ومشاعر هؤلاء وأمثالهم تجاه البشر ؟.

إنني قد لا اصدق هذه المؤامرة التي يتحدث عنها كاتب الرسالة لكنني أصدق بالضرورة بعض ما كتبه عن نفسه وعن أشقائه الذين يكره بعضهم بعضا ويفرحون في مصائب بعضهم البعض . وأرى أن مثل هذه الشخصية المريضة ، إن كانت الصورة صادقة - لا يمكن أن تفرز سوى هذا التفكير الإجرامي وسوى هذا الشعور بالاستعلاء الحقير على البشر لمجرد أنهم سكان ، علما بان 99% من سكان الأرض بالضرورة سكان ! ولعل والدك رحمه الله الذي ترك لكم هذه العمارة لكي تشعروا بالاستعلاء على سكانها كان بالضرورة ساكنا في مكان ما قبل أن يشتري هذه العمارة !.

 

. إن من غير المجدي بالطبع أن أناقش صاحب مثل هذه العقلية .. ولا أن أفكر في أن أطالبه بأن يصحح نظرته للحياة وللبشر أو حتى لإخوته الذين قد يكون مغاليا في تصويرهم جميعا على هذا النمط العجيب من الخراب النفسي ولا أريد أن استطرد طويلا في الرد على كاتب هذه الرسالة .. لكني أحس بعد أن قرأت رسالته .. أنني مدين بالاعتذار للسيدة الأرملة كاتبة رسالة الأسبوع الماضي .. والتي قسوت عليها كثيرا لأنها عبرت عما في صدرها من مشاعر مكبوته تجاه سكان بيتها . فهي في النهاية أرملة ووحيدة وتتحمل مسئولية 6 أبناء وتعاني من صعوبات الحياة .. وربما فاض بها الكيل فعبرت عما جاش في صدرها ببعض العبارات الطائشة التي قد لا تعنيها حقيقة .

أما أنت يا أيها المهندس الأعزب الشاب الغني جدا كما تقول .. ويا من تتقاضى من شركة قطاع عام مصرية ۲۲۰ جنيها كل شهر وأنت خريج حديث تعمل منذ عامين فقط ولك دخل ثابت آخر ۱۰۰ جنيها وتعيش في شقة واسعة مع الحاجة والدتك المتمسكة بأهداب الدين والأخلاق ..

أنت .. يا كل ذلك .. ماذا أقول لك ؟ لقد خشيت غير مشكور علي من الملل وأنا أقرأ رسالتك لكنك لم تخش أن تنفجر شراییني مما أقرأه ولم ترع الله ولم تخشه في تفكيرك الإجرامي هذا .. فأي حياة هذه يا الهي ؟.. ليرحمنا الله جميعا .. أو لتنزل علينا صواعقه لتسوى الأرض بمن عليها إذا كنا حقا قد تدهورنا إلى هذا الحضيض ! .

رابط رسالة صاحبة العمارة



·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات