صاحبة العمارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 

صاحبة العمارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

صاحبة العمارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984


تلقيت في بريدي هذا الاسبوع هذه الرسالة "المريرة".


أنا سيدة في الأربعين من عمري تزوجت كما تتزوج الفتيات في كل زمان وأحببت زوجي وأحبني وعشنا معا أياما سعيدة وأنجبت منه 6 أبناء , وخلال رحلة حياتنا معا سافر زوجي إلي إحدى الدول العربية وعمل بها لمدة سنوات ادخر خلالها مبلغا معقولا , وقرر أن يعود لبلاده ليستقر فيها ويشرف على تربية أبنائه عن قرب كما يجدر بكل أب لا يفضل "المادة" على رعاية بيته.. وعاد زوجي إلى وظيفته وفكرنا ماذا نفعل بمدخراتنا ثم هداه تفكيره إلى شراء قطعة أرض مساحتها 250 مترا لبناء بيت نسكن فيه وأتم زوجي بناء شقة .. وانتقلنا إليها وأحسسنا لأول مرة في حياتنا أننا نقف فوق أرض صلبة هي "بيتنا" وبدأنا نتطلع إلى المستقبل.

 

 كان لدينا ما بقي من المدخرات ولدينا مرتب زوجي الذي نستطيع به تدبير حياتنا وتربية الأبناء وليس بعيدا أن ننجح في ادخار بعض دخلنا لنبني شقه أخرى ونسكنها ثم نبني شقة ثالثة ورابعة بعد سنوات .. وهكذا خاصة وقد سمعنا أن بعض راغبي السكن على استعداد لإقراضنا تكاليف البناء وخصمها من الإيجار.. وحسبنا كل الحسابات فوجدناها مبشرة بالخير.. وبمستقبل سعيد.. وبحياة مريحة لا هي مترفة .. ولا هي جافة أو عسيرة وهذا هو عز الطلب واطمئننا إلى ذلك كثيرا .. لكنه فجأة حدث شئ واحد لم نضعه في حسابنا في ذلك الوقت.. ولم تشمله توقعاتنا ! فقد مات زوجي فجأة بعد انتقالنا بشهور للشقة الجديدة .. واكتشفت أنني قد أصبحت مسئولة عن مستقبل 6 أبناء بلا مورد سوى معاش صغير لا يصمد حتى لمطالب أول الشهر وأحاط بي الأهل يريدون مساعدتي .. ويفكرون معي ماذا أصنع واستقر رأينا على بيع قطعة أرض زراعية صغيرة هي نصيبي من الميراث عن أبي, وأن ابني بثمنها شقتين في "بيتي" فاستعين بإيجارهما على مطالب الحياة مع المعاش, وبنيت الشقتين فعلا وقمت بتأجيرهما بالقانون وطلبت بنفسي لجنه تقدير الإيجارات فجاءت وقدرت إيجار الشقة ب 13 جنيها وحمدت الله كثيرا على ذلك فلقد كان لهذا المبلغ قيمة كبيرة منذ عشر سنوات .

 

وكنت قد اخترت للسكن أسرتين طيبتين أحداهما لمهندس معماري والثانية لمهندس زراعي ودققت كثيرا في الاختيار..لأن من سأختاره سيجاورنا إلى نهاية العمر.. ومضت الأيام هادئة أدير حياتي بالمعاش الصغير ومبلغ 26 جنيها قيمة إيجار الشقتين وأحسست بالاحترام لنفسي وحياتي وكفاحي يزيده ما أحس به من احترام جيراني لي باعتباري "صاحبه العمارة".

لكن الدنيا تغيرت سريعا يا صديقي بعد ذلك فلقد انطلق غول الأسعار من عقاله وتكهربت الحياة وتفتحت أبواب الرزق الوفير لفئات عديدة أصبحت تكسب بلا حساب وتنفق بلا حساب .. وأنا ثابتة في مكاني "محلك سر" المعاش لا يزيد إلا قطرات لا تروي العطش وإيراد العمارة ثابت على ما هو عليه  رغم أن قيمته الشرائية قد أصبحت لا تزيد عن عشر قيمته يوم بنيتها ورغم إني استفدت بعد ذلك من قانون إنساني صدر فيما بعد وأصبحت أحصل على معاش آخر صغير عن أبي.

 

وبعد أن كنت موضع حسد البعض كصاحبة عمارة وصاحبة معاش أصبحت موضع رثاء الكثيرين, ومع الأيام تحول الرثاء إلى غطرسة من الآخرين وإلى استعلاء علي أنا التي تعيش مع أبنائها عيشة الكفاف! .. فأثاث شقتي رثه وملابسنا رثه وحياتنا جافة وقاسية .. تغير الزمن فأصبح السكان الذين يتمتعون بثمرة عمري وعمر زوجي هم أول من يتعالون علينا ويمدون أيديهم إلينا بالإيجار الحقير وكأنه صدقة .. فأصبحت أكره الناس وأتجنبهم حتى أخواتي صرت أتجنبهن لأنهن يرفلن في أغلى الثياب ويلبسن أغلى الحلي فضلا عن الأثاث الفاخر والتليفزيون الملون .. إلخ. وقد بلغ ثمن قطعة الأرض الزراعية التي بعتها بأبخس الأثمان الآن 60 ألف جنيه .. بعد الجنون الذي أصاب الأسعار وأسعار كل شئ .. وبدأ أخواتي يبعن أرضهن بهذه الأسعار المجزية وبدأن يخرجن للعمل في الخارج ويكسبن الآلاف.

إنني أكتب إليك هذه الرسالة لأسألك سؤالا واحدا .. هو لماذا لا نرعي الله والعدل والحق في وضع القوانين؟

ولماذا نرضي دائما الأغلبية على حساب الأقلية ونبيح للمواطن أن يمتص دم أخيه المواطن بإسم القانون ؟ لماذا لا تزيد إيجارات المساكن القديمة .. ولو بأقل نسبه وهي نسبه زيادة المرتبات التي لا تتجاوز 10% كل سنه.. لندفع بذلك "الجوع" عن أفواه الآلاف ممن حسبوا ظلما على أصحاب العمارات مثلنا؟ إن كل شئ يزيد ثمنه وكل إنسان يزيد أجره عاما بعد عام .. إلا إيجار المسكن الذي لا يزيد أبدا كأنه يتحدى الزمن .. والساكن الأول الذي يقيم في بيتي أصبح دخله الآن يبلغ أكثر من ستة أضعاف دخلي والآخر أصبح دخله يزيد عن 4 أضعاف دخلي ..أما صاحبة البيت فهي الوحيدة التي يتناقص دخلها بسبب الارتفاع الأسعار ..أي عدل هذا هل تريد أن أقول لك كل ما أفكر فيه الآن؟

إنني يا سيدي أتمنى أن "يموت" جميع المستأجرين عندي في لحظة  واحدة لكي تحل جميع مشاكلي وادفع عن نفسي العوز وشر الحاجة , ولقد تركز أملي الآن في أن يتسرب غاز البوتاجاز إلى السكان وهم نيام فيخنقهم جميعا.. أو أن تقع لهم كارثة تقضي عليهم جميعا لكي انتفع بتأجير المسكن للطالبات أو أن افتح به بعض المحلات! إنني أقول لك هذا بغير أن يقشعر بدني ولن تصدقني لو أقسمت لك بالله أنني قبل وفاة زوجي لم يكن من طبعي الحقد على أحد وأنني لم أكن أتمنى الشر لأي إنسان بل كنت أبكي لآلام الناس..لكن الأيام حاصرتني وجعلت مني حاقدة شريرة أحمل في قلبي الشر بعد أن كان ينبض بالرقة والحنان.

إنني أرجو أن أجد عندك الفهم لمشكلتي والجرأة العادلة لنشرها بأسلوبك عسى أن يرحم أولو الأمر عذاب أصحاب البيوت القديمة من أمثالي فهل تفعل؟

 

ولكاتبة هــذه الرســالة أقــول:

نعم افعل يا سيدتي وكلي ألم وأسى وحزن .. ليس لحالك فقط وإنما لحالنا جميعا حين تسود في حياتنا أمثال هذه القيم "الإجرامية".

لقد عاهدت نفسي ألا أكتب إلا ما أؤمن به خطأ كان أو صوابا .. لذا فإني التمس منك العذر إذا ما قلت لك بصراحة ما أصبحت أؤمن به عقب قراءة هذه الرسالة .

إنني أؤمن أن سر صعوبة حياتنا جميعا الآن هو أننا أطلقنا العنان بلا رادع من دين أو قانون أو ضمير جمعي لقوانين الغابة لكي تحكم حياتنا.. كقانون البقاء للأقوى وقانون كل شئء جائر مادمت أنا وأبنائي نطعم ونكتسي ونجد مأوى نهجع فيه! .. وقانون أقتلك قبل أن تقتلني! إلخ

 فأي حياة هذه يا سيدتي وأي إنسانية.. وأي دين ؟ أنت صاحبة مشكلة وصاحبة حق .. لا جدال في ذلك لكن من يوافق على أن يتمنى كل إنسان هلاك الآخر ليحل بذلك مشاكله؟ لا عجب إذن أن يقتل إنسان آخر ليشبع بعض احتياجاته.. ولا عجب أن يسرق آخر لكي يشتري التليفزيون الملون ويرتدي أفخر الثياب.

 

لقد نشرت رسالتك هذه لتلقي الضوء على مشكلة بعض البؤساء من أصحاب البيوت القديمة الذين يتضورون جوعا بالفعل ومستأجروهم يحققون الثروات الخيالية من نفس هذه العقارات لكن ذلك لم يكن وحده هو دافعي لذلك .. فلقد أردت أيضا أن يعرف البعض إلى أي حد من الذاتية والأنانية والإجرام ..أصبحنا نفكر في حل مشكلتنا؟! .. بل وإلى أي حد أصبحت آمال بعض أصحاب البيوت القديمة في التخلص من متاعب حياتهم .. وفي الانطلاق إلى الثراء والحياة اللذيذة, معلقة على خراب حياة آخرين .. بل وهلاكهم جميعا!

أليس هذا المنطق الإجرامي هو نفسه الذي يدفع  بعض أصحاب العقارات القديمة إلى إهمال صيانتها عمدا على أمل أن تنهار فوق رؤوس سكانها ليستطيعوا بيعها والإثراء منها.

أوليس هذا هو نفس المنطق الذي يبيح لأصحابه بيع السلع الفاسدة للبشر.. واختلاس أموال البنوك.. وتخريب البلد لكي يحققوا لأنفسهم الثراء, والموت والدمار والخراب للآخرين.

 

يا سيدتي إنني متعاطف مع مشكلتك الشخصية بالرغم من أن ظروفك قد تكون أفضل كثيرا من غيرك ومتعاطف أيضا مع قضيتك العامة وأراها قضية عادلة إلى حد كبير وينبغي أن تجد من مشرعينا الحل الذي يحقق مصالح الطرفين بأكبر قدر ممكن من العدالة لكني لست متعاطفا أبدا مع أسباب حقدك على الآخرين ولا مع إضمارك الشر للجميع لأنك تعانين بعض متاعب الحياة التي يعاني ما هو أفظع منها عشرات الألوف..كما إنني بكل تأكيد لست متعاطفا أبدا مع "أمنياتك" العظيمة لسكان بيتك ..وإن كنت قد عرفت منها إلى أي حد "يحبنا" بعض أصحاب العمارات.

أما عن حياة إخوتك اللائي بعن أنصبتهن بأضعاف ما بعت أنت به واللائي يرفلن في أغلى الثياب ..فلكل إنسان نصيبه من الدنيا.. ولكل إنسان حظه منها.. ولا أرى مبررا لتجنبهن أو لتجنب غيرهن لأنك أقل مستوى منهن.

فواضح أنك تنظرين للحياة كلها بمنظار خاص ..لا يرى إلا ما ينقصك وواضح أيضا أنني لا أصدقك حين تقسمين علي أنك لم تكوني نفس الإنسانة قبل وفاة زوجك وعلى أنك "تعلمت" الحقد من ظروف الحياة..

فنمط الشخصية في حدود معلوماتي لا يتغير بسهولة من النقيض إلى النقيض بسبب بعض صعوبات الحياة .. وأنت إنسانة شديدة الانشغال بالآخرين إلى حد تمني هلاكهم كما فهمت من رسالتك وأظن أنك كنت كذلك بدرجات متفاوتة قبل وفاة زوجك ثم ضاعفت صعوبات الحياة من قتامة نظرتك للآخرين .. وآسف لصراحتي معك.

رابط رسالة بلا عاطفة تعقيبا على هذه الرسالة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات