هاتف الأمان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

هاتف الأمان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

هاتف الأمان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


أكتب لك في الأيام الأخيرة من شهر رمضان لأروي لك قصتي عسي أن يكون فيها بعض ما ينفع الناس.

أنا يا سيدي رجل في الأربعين من عمري نشأت بين أبوين متحابين وأشقاء وشقيقات كنت أصغرهم, وقد وعيت الحياة فوجدت أبي مشلولا شللا كاملا لا يفارق فراشه وأمي ترعاه وتحنو عليه, ولا يصرفها اهتمامها به عن رعايتنا .

أما أبي فكان باسما دائماً لطيفا مع الجميع ونبعا لا ينضب للحكمة ثم شق اخوتي جميعا طريقهم في الحياة وتخرجوا وعملوا وتزوجوا وبقيت أنا مع أبي وأمي وحدنا يزورنا إخوتنا من حين إلي حين.

وكان من عادتي حين أصحو من نومي وأتناول إفطاري واستعد للخروج أن أطرق باب غرفة نوم أبي لأحييه تحية الصباح وأتلقي قبلته فوق جبيني واسمع دعاءه الطيب لي بالخير والفلاح ثم اخرج إلى ما نويت إليه مطمئنا , وظللت على هذا الحال طوال سنوات صباي وشبابي وحتي السنة الأخيرة في دراستي الجامعية ثم طرقت باب غرفته ذات صباح وجاءني صوته ضعيفا فدخلت وفوجئت بمشهد لم يمح من مخيلتي بعدها أبدا.

فقد رأيت أمي منكفئه على أبي الراقد في سريره لا يبدو منه سوى رأسه من فوق كتفيها والدموع متحجرة في عينيه, وكل حزن الدنيا محفور في وجهه ولم أفهم شيئا في البداية وتجمدت في موقفي حتى ناداني لأرفع أمي عنه وأعيدها إلى فراشها القريب. وفهمت في هذه اللحظة فقط ماذا حدث.

لقد نهضت أمي من نومها فتبادلت معه أحاديث الصباح كالعادة ثم اقتربت منه لترفعه وتجلسه على الفراش وتضع الوسائد خلفه كما تفعل كل يوم واحتضنته وهمت بأن ترفعه فإذا بالسر الالهي يغادر جسدها الرقيق في هذه اللحظة بالذات وتسقط عليه ويعجز هو عن فعل شئ ويظل ساكنا في موضعه وهي على صدره يبكيها في صمت ويسمع تحركاتي في صالة الشقة ويشفق من أن يناديني فأرى أمى علي هذا الحال وينتظر معجزة من السماء تعينه على أمره, وحين طرقت الباب كان قد مضى علي رحيل أمي عن الحياة نصف ساعة جفت خلالها دموعه وأصبح وجهه تمثالا للحزن الجليل.

وخلا البيت من أمي رحمها الله وجعل مثواها الجنة وبعد أيام الحداد عاد أشقائي وشقيقاتي إلي بيوتهم ووجدت نفسي وحيدا مع أبي .. ولم أكن كثير الخروج بطبعي فلم أواجه مشكلة كبيرة في رعايته وكانت سيدة طيبة من أقارب أبي البعيدين تأتي كل صباح لتساعدنا في تنظيف البيت منذ فترة طويلة فاعتمدت عليها في رعاية أبي خلال الساعات القليلة التي أغيب فيها بالكلية, ثم أعود فألازمه حتى اليوم التالي, وتركت غرفة نومي وأصبحت أنام بجوار أبي في فراشه وأصحو عدة مرات خلال الليل لأقلبه من جنب إلى جنب حتى لا يكل طول الرقاد, ثم أقوم بكل شئونه الشخصية من حمام إلى ملابس إلخ, وافعل ذلك ولسانه لا يكف عن الدعاء لي.

 

وأصبحت لا يطيب لي نوم ولا جلوس لمشاهدة التلفاز إلا إلى جواره في الفراش.وقد تحولنا إلى صديقين أروي له كل أسراري وأستشيره في كل أموري وأجد عنده دائما الرأي الصائب في كل شئون الحياة وبعد شهور قليلة من وفاة أمي دخلت امتحان البكالوريوس فإذا بي انجح بتقدير مرتفع لم أحصل عليه طوال سنوات دراستي مع إني لم أبذل أكثر من جهدي العادي كل سنة, ولم أجد تفسيرا لذلك سوى أنه توفيق من الله لرضاء أبي عني ومن قبله أمي رحمها الله وأغراني نجاحي بتفوق بمواصلة الدراسة , واستشرت أبي فشجعني على دراسة الماجستير سواء عينت معيدا بكليتي أم لم أعين وبدأت دراستي العليا وعملت في أحد المكاتب الاستشارية عملا مؤقتا في انتظار التعيين بالكلية .ولم يكن لي حظ التعيين بالكلية فلم أحزن عليه كثيرا وجاءني تعويض السماء عنه قبل أن يمر وقت طويل, فقد استدعاني صاحب المكتب وهو أستاذ جامعي على خلق وعلم وأثني على عملي معه ثم طلب مني أن أسافر إلى أسيوط لإعداد دراسة ميزانية عن مشروع يشرف عليه لحساب جهة أجنبية لمدة أسبوعين مقابل أجر إضافي كبير فشكرته على ثقته بي ثم اعتذرت له عن عدم استطاعتي تنفيذ المهمة لأسباب عائلية ورشحت له زميلا أقدم مني بالمكتب , وصدم الأستاذ برفضي وتغير وجهه فلم أجد مفرا من أن أصارحه بالسبب الحقيقي وهو أني لا أستطيع الغياب عن أبي أسبوعين كاملين لأن ظروف أشقائي لا تسمح لهم بملازمته في هذه الفترة لكني مستعد لأي عمل يكلفني به بشرط ألا يقتضي المبيت خارج بيتي فاستراحت تعابير وجهه وصرفني إلى عملي شاكرا, وبعد شهر من هذا الحديث استدعاني وأبلغني أنه قرر تعييني بالمشروع العلمي الذي يشرف بمرتب يزيد كثيرا عن مرتبي بمكتبه وبعقد مؤقت لمدة 5 سنوات وأنه لن يقيدني بمواعيد صارمة للحضور والانصراف ويترك لي أداء ما يكلفني به من أعمال في البيت, وشكرته بحرارة وطرت لأبي أزف إليه الخبر وبدأت أتردد على هذا المشروع كل يوم وأواصل دراستي للماجستير وتعرفت في العمل على زميلة لفتت نظري بأدبها وجديتها وعمق شخصيتها وتزاملنا في أكثر من بحث فنشأت بيننا ثقة متبادلة واحترام.

 

وتحول الاحترام من جانبي إلى إعجاب حين بدأ كل منا يحدث الآخر عن ظروف حياته وعرفت منها أنها تعيش وحيدة مع أمها بعد زواج شقيقتها وأنها المسئولة عن أسرتها لأن أمها مريضة جدا منذ فترة طويلة ولا تغادر فراشها إلا إلى المستشفي في الأزمات الحادة. وبدأت أفكر فيها واستشرت أبي فأيدني في تفكيري وشجعني على مفاتحتها.

وتجرأت ذات يوم وفاتحتها فرحبت بي ولكنها أشفقت علي من تحمل ظروفها الخاصة فأكدت لها أن حالي لا يختلف كثيرا عن حالها ورويت لها عن ظروفي فطلبت مني بسعادة أن أخطبها.

وتمت الخطبة وكانت فيما أتصور خطبه من نوع خاص, فلقد اصطحبت إخوتي وذهبت إلى بيتها وقرأنا الفاتحة مع خالها وزوجي شقيقاتيها إلى جوار فراش أمها التي بدت سعيدة رغم مرضها وهزالها الشديدين , ثم اصطحبت الجميع وتوجهنا إلى أبي وقرأنا الفاتحة مرة أخرى إلى جوار فراشه وكانت ليلة سعيدة في حياتنا وتفاهمت مع خطيبتي على أن كلا منا لا يستطيع التخلي عن مسئوليته تجاه أعز الناس إليه.

لذلك فان بيتنا لابد أن يجمع بيننا جميعا ولهذا فإننا سوف نتزوج في شقة أبي على أن تعيش معنا أمها خاصة وأن الشقة من 4 غرف وتتسع لنا جميعا. وسعدت خطيبتي بهذا العرض. ورحب به أخوتي بشدة , وبدأت أجدد الشقة وأعيد طلاءها استعدادا للزواج وتعجلتني خطيبتي لإتمام الزواج بسبب إلحاح أمها عليها بأن تحقق لها أمنيتها في أن تراها بفستان الزفاف قبل أن يحم عليها القضاء ,وكنت أفضل الانتظار بعض الوقت حتى انتهي من استعدادي لكن أبي أشار علي بالتعجيل مراعاة لظروف فتاتي. وقدم لي هديته المالية التي سمحت بها ظروفه.

 

واستدعى إخوتي وأمرهم بأن يقدموا لي هدايا الزواج نقودا قبل القران لأستعين بها على أمري وتزوجنا وانتقلت فتاتي وأمها إلى شقتنا وسبحان الله يا سيدي إني لم أشعر بوجود أمها المريضة معنا بعد زواجنا فلقد كانت كالنسمة الرقيقة لا نحس بها وهادنتها الأزمات التي كانت تفاجئها كثيرا قبل الزواج وأصبحت تغادر فراشها من حين لآخر وتجلس معنا في الصالة وتعرض المساعدة في خدمة أبي فيعتذر لها شاكرا. وعشنا حياتنا معا في هدوء وأصبحت أتسلل في الليل إلى غرفة أبي مرتين أو ثلاثا لأقلبه في فراشه وأعود لفراشي وأصحو لذلك بدون منبه وأعود للاستغراق في النوم كإني لم أنهض منه. وعشنا عامين لم أنجب خلالهما ثم توفيت أم زوجتي يرحمها الله بعد أزمة حادة, وبكيتها كأنما عاشرتها طوال عمري. وماتت وهي تدعو لي بالستر في الدنيا والآخرة وتوصيني بابنتها وتذكرني بأنها يتيمة الأب منذ الصغر ولم يعد لها في الدنيا غيري وبكاها أبي طويلا أيضا. أما زوجتي فلقد أنزل الله عليها سكينته وتصبرت وحرصت على ألا تكدر حياتنا بأحزانها فتضيف إلى معاناتنا المزيد وفي العالم الثالث من زواجنا أنجبت طفلة وحصلت على الماجستير, ووجدت بعض زملائي يراسلون الجامعات الأجنبية للحصول على منحة لدراسة الدكتوراه فراسلت عددا منها تقليدا لهم وأنا لا أمل لي في الاستجابة, ومضت شهور فإذا بي أتلقى ردا من أحداها تمنحني فيه هذه المنحة بتوصية من خبير أجنبي يعمل معنا بالمشروع وكان أستاذا بها.

واستشرت أبي كعادتي في كل أمور حياتي فشجعني على السفر والقبول لكني لم أطمئن إلى صدق حماسه وخيل إلي أنه ليس سعيدا بذلك.

واستشرت زوجتي فلم ترفض ولم تؤيد وعرضت أن تبقى مع أبي لفترة لرعايته حتى يتدبر إخوتي أمرهم معه وقالوا أنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مني المزيد وبدأت الإجراءات , وكل يوم أعيد على أبي السؤال فيقسم لي أنه راض عن سفري وأن من حقي أن أحصل على فرصة لن تتكرر في حياتي , ومع ذلك ظل هاتف في صدري يهمس لي بأنه يخشى المستقبل والوحدة وليس سعيدا بسفري .واستمررت في الإجراءات ولم تبق سوى الاستقالة من المشروع ووصول تذاكر السفر , فأبلغتني زوجتي أنها دخلت لتقدم لأبي عصير البرتقال وتعينه على تناوله كعادتها بعد الظهر فوجدته مغمض العينين ودموعه تسيل من تحت جفونه وأنه ارتبك حين رآها وتعلل بحرارة الجو فاضطربت لذلك اضطرابا شديدا وأمضيت ليالي طويلة مؤرقا أتخيل صورته وهو يبكي وحاله حين أتركه وحيدا وأسافر, وأتساءل خائفا هل يغضب علي ربي لأني تخليت عنه وماذا سيكون من أمري إذا فعلت ثم أفكر في الفرصة التي لن تتكرر ويشتد عذابي .. واستمر هذا العناء ثلاثة أسابيع لم أهنأ خلالها براحة أو نوم.

 

ثم فجأة هبطت علي السكينة من السماء وقررت عدم السفر وانزاح عن صدري حجر ثقيل وأبلغت الجميع بذلك ولم أتوقف عند اعتراض أبي وعاد لي الإحساس بالأمان والاطمئنان وأصبحت أنام بعمق وانهض متفائلا كما كنت .. وبعد شهور أنجبت زوجتي طفلا فأسميته باسم أبي .. وفوجئت بعد مولده بأيام بتحويل عقدي المؤقت مع المشروع إلى عقد دائم مع الهيئة الأجنبية التي تتولاه. وكانت معجزة تستعصي على الخيال وقررت تسجيل رسالتي للدكتوراه في إحدى الجامعات المصرية وبدأت خطواتها الأولى.

وانتهى عقد زوجتي مع المشروع فنصحتها بالتفرغ لطفليها ورحبت بذلك وكأنما أطمأن أبي إلى استقرار حياتي فودعنا في هدوء ولحق بجوار ربه راضيا عني وخلا البيت منه ومن وجهه الوضاء وصوته الهادي ومضى عامان على ذلك فنقلت للعمل في أحد فروع الهيئة خارج مصر واصطحبت أسرتي الصغيرة معي وعشنا أربعة أعوام بدأ خلالها ابني وابنتي دراستهما الابتدائية واشتريت خلالها أيضا شقة مناسبة وأثثتها مع زوجتي وعدنا إليها حين انتقلنا لبلادنا ومازلت من ذلك الوقت أعمل بهذه الهيئة وقد تنقلت بين أكثر من بلد وصادفت من التوفيق في حياتي الخاصة وحياتي العملية ما أسجد لله معه شاكرا فضله ونعمته عليَ. فلم يحدث ما يعكر صفو الحياة بيننا رغم ما شهدناه عن قرب من مآس في حياة بعض الزملاء لنا خاصة ونحن في الخارج أو بعد عودتنا لمصر, ولم يشهد زواجنا إلا ما هو من طبيعة الحياة من مغاضبات صغيرة لم يطل أخطرها أكثر من يوم واحد والحمد لله.

وقد استقر في قلب كل منا حبه للآخر واعتماده عليه واعتباره سنده الوحيد في العيش وهدية السماء له مكافأة له على ما قدم من خير لأقرب الناس له.

كما صادفت من التوفيق في حياتي العملية ما لا أراني أهلا له ولا أجد تفسيرا سوى أنه بفضل رضا أبي عني وأمي من قبله فإذا كنت قد تخليت عن حلم الدكتوراه في الخارج فلقد حققت في عملي ما لم يكن يرشحني له ما هو أكثر من الدكتوراه ولم أندم أيضا على أني لم أواصل دراستها في مصر بسبب اضطراري لقطع الدراسة والعمل بالخارج, ويكفيني ما أنعم الله علي به من مركز مرموق ودخل محترم وعمل مضمون وأكثر من ذلك من رضا عن كل شئ فإذا كان لابد من ضريبة للحياة نؤديها إليها عما ينالنا من خير وتوفيق في الدنيا صابرين, فلقد جاءت ضريبتي أيضا في حدود الاحتمال البشري والحمد لله والشكر له, فلقد أصيب ابني في حادث تصادم بشع ونحن في الخارج وكان فضل الله علينا عظيما فنجا منه بمعجزة عجز خيال الأطباء أنفسهم عن تصورها, لكنه ترك آثارا تطلب إجراء عدة جراحات له وقد أجرينا الجراحة الأولى له في الخارج فكانت نتائجها مذهلة للأطباء الذين أجروها, ورغم اضطراب أصدقائي الذين رافقوني خلال إجرائها لما سمعوه من الأطباء عن خطورتها فقد تعجبت من نفسي ومن الإحساس بالأمان والاطمئنان الذي سيطر علي وأكد لي بإذن الله سبحانه وتعالى لن يتخلي عني وعن طفلي وأنه سينهض ويلعب مع أقرانه كما كان قبل هذا "الامتحان".

 

ونجحت الجراحة الأولى وأجرينا له الثانية في مصر ونجحت أيضا نجاحا عجيبا, وسوف نجري له الثالثة في أجازة الصيف إن شاء الله ونسبة نجاحها تزيد عن 98% بفضل الله وعونه وحين تنجح بأمره وأذنه سيعود طبيعيا أو كالطبيعي والحمد لله فهو يعيش الآن حياة عادية ومتفوقا في دراسته , وقد اصطحبته حين عدنا لمصر وهو في الجبس إلى شقة أبي وأدخلته غرفة نومه رحمه الله وأريته فراشة وقلت له أن جده ظل سجين هذا الفراش عشرين عاما لا يغادره ولم يتبرم ولم يسخط ولم يشك همه لأحد وكان دائما راضيا وشاكرا نعمة ربه, والحمد لله على ما تأتينا به المقادير فإذا كنت أكتب إليك الآن فلكي أشارك أصدقاءك المهمومين همومهم وادعوهم جميعا لأن يثقوا بربهم , ويأملوا في كرمه ورحمته وإلا يفقدوا الأمل فيه أبدا مهما اشتد الظلام .. فالله خير حافظا للجميع وأرجو ألا تحرم ابني من دعواتك الطيبة يوم الجراحة الكبرى وسوف أكتب لك بموعدها حين يتقرر بإذن الله .. والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته...

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

تأملت طويلا هاتف الأمان الذي يهتف في صدرك في الشدائد بأن الله لن يتخلى عنك ولن يخذلك أبدا فلم أجد له تفسيرا إلا فيما يسميه بعض العارفين بجميل الظن بالله .. ففي الحديث الشريف ما معناه أن حسن الظن بالله من أفضل العمل عنده .. وحسن الظن به سبحانه يعني أن يكون رجاؤنا فيه متصلا لا ينقطع أبدا وأن نقدم لأنفسنا من الأعمال ما يطمعنا في عفوه ورحمته وجوائزه في الدنيا والآخرة .. فنسبق جميل الرجاء بجميل الطاعة ويستقر اليقين في قلوبنا بإذن الله خير حافظا ونحس باطمئنان القلب لرعاية الله لنا حتى لكأننا نقول مع الشاعر العربي:

وأني لأرجو الله حتى كأنني

أرى بجميل الظن ما الله صانع

ولا شك أنك يا صديقي قد قدمت لحياتك ما يؤهلك لجميل الظن بالله ويطمعك في جوائزه وحسن رعايته لك ولأسرتك ولقد راقبت تتابع الجوائز في رسالتك فوجدتها مصداقا لقوله تعالى :"وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم".

فأنت قد كوفئت عن كل اختبار اخترت فيه ما تكرهه لنفسك مؤثرا أداء واجبك النبيل تجاه أبيك على رغباتك وصالحك الشخصي بأفضل مما لو كنت قد اخترت نفسك وفضلتها على أداء واجبك, فلقد نجحت لأول مرة بتفوق في البكالوريوس حين أثرت رعاية أبيك على انطلاقك كشاب لا تثقله رعاية أب مقعد مريض وأنت قد حصلت على فرصتك الذهبية في العمل المرموق الذي يضمن لك مستقبلا آمنا حين فضلت أن تجاهد في أبيك على أن تستسلم لإغراء المصلحة الذاتية والدراسة في الخارج والحياة البراقة هناك.

ففزت برضا النفس والضمير قبل رضا أبيك .. وصفا لك نومك بعد جفاء وقلق كعهد أصحاب الضمائر الحية إذا واجهوا نفس الحيرة ثم جاءت المكافأة تسعى لتؤكد لك أن الخير فيما اخترت واختاره الله لك إذا ما كان نجاحك في دراستك مضمونا وما كان حصولك على الدكتوراه مؤكدا وما كان فوزك بعمل مرموق كالذي فزت به مأمولا بشهادة الدكتوراه أو بغيرها لكن الله يعلم وأنتم لا تعلمون.

لقد كان جميل ظنك بالله هو مرشدك إلة مرفأ الأمان ولم يخيب الله لك رجاء وحين امتحنتك الحياة بما جرى لابنك كان عفو ربك ولطفه أكبر ولسوف يتم نعمته عليك بالشفاء الكامل لابنك ورعايته لك ولأسرتك للنهاية إن شاء الله.

لقد قال نابليون بعد اندحاره أمام أبواب موسكو وعودته خائبا : إذا لم تنزل بالإنسان قط ملمات فليوطن نفسه على أن يلقى منها قدرا يعادل على الأقل ما ناله من إقبال الحظ عليه.

لكن ذلك ليس قانونا رياضيا فإن كان له جانب من الحقيقة فأهميته في أنه ينبغي أن يهيئنا فقط لأن نرضى بما نؤديه من ضرائب إذا فرضت علينا كما رضينا من قبل بما نلنا من طوالع السعد وإقبال الحياة .

وأصحاب الحظوظ هم من يؤدون ضرائبهم للدنيا هينة ولينة وفي مراحل البناء والصمود ثم ينعمون بما أفاء الله عليهم به ويهنأون براحة القلب والضمير في سن الهدوء والجلال وجني ثمار رحلة الحياة.

ولا شك أنك واحد من هؤلاء فبمثل ما قدمت لنفسك من رعاية لأبيك وبمثل ما قدمت لنفسك من برك بأمك وأخوتك وزوجتك وأمها. وبمثل  ما قدمت وما تقدم للحياة من إيثار وعطاء وواجب إنساني عام, تنال الجوائز وتعطى العطايا ويجزل العطاء.

فأما الدعاء لابنك فمن الأعماق .. وأما البشرى بتمام عفو ربك عما ناله فإني لانتظرها في حينها بإذن الله.

رابط رسالة أداة الانتقام تعقيبا على هذه الرسالة

رابط رسالة الغربان تعقيبا على هذه الرسالة

  نشرت في أبريل 1992 بجريدة الأهرام باب بريد الجمعة
كتبها نقلا من مصدرها / بسنت محمود
راجعها واعدها للنشر /نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات