الغربان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
دفعتني للكتابة إليك رسالة الشاب الكريم الذي تحمل والده القعيد سنوات طويلة وضحى بفرصته للسفر للخارج للحصول على الدكتوراه حتى لا يتركه وراءه بلا رعاية فعوضه الله عن كل ما ضحى به واجزلت له الحياة العطاء ورحل أبوه عن دنياه راضيا عنه .. أما لماذا أكتب إليك فلأني سيدة كان مفروضا أن تكون أقدر على هذا العطاء من الرجل لكن ظروفا سيئة أحاطت بي وأثرت على عطائي لمن حولي .
فمنذ 4 سنوات عدت أنا وزوجي وطفلاي من إحدى الدول العربية بعد أن أمضى زوجي فيها 16 عاما صاحبته السنوات العشر الأخيرة منها , وعقب عودتي بقليل أصيبت أمي بمرض أعجزها عن الحركة تماما فشعرت على الفور بأن واجبي الأول في الحياة الآن قد أصبح رعاية أمي وخدمتها في مرضها ووحدتها وانصرفت بكليتي إلى رعايتها وأصبحت أمضي معظم وقتي بجانبها وأهملت زوجي وأولادي , ثم أعود إلى بيتي في المساء مرهقة وعاجزة عن فعل أي شئ إلا الاستغراق في النوم , واستمر الحال على ذلك حوالي سنة حتى طلب مني زوجي أن أصطحب أولادي معي إلى بيت أمي لأنه مريض ولا يستطيع رعايتهم وحده وسوف يقضي فترة في بيت اخوته ليرعوه خلال انشغالي بها .. ووافقت على ذلك لاحساسي الطاغي بمسئوليتي تجاه أمي , ومضى أسبوع على ذلك ثم فوجئت بمن يخبرني بأن زوجي مريض للغاية ومحتجز بأحد المستشفيات الحكومية , فأسرعت إليه على الفور واكتشفت هناك الحقيقة المرة وهي أنه مريض بمرض خطير وليس مرضا بسيطا وأنه قد أخفى عني خطورة مرضه حتى لا يضاعف من همي بمرض أمي فاحسست احساسا شديدا بالذنب تجاهه وتركت أمي وأولادي في رعاية شقيقي وأقمت معه في المستشفى .. فلم تطل إقامتنا به أكثر من أسبوعين رحل بعدهما عن الحياة وأنا في ذهول لا أستوعب ما جرى.
وعدت إلى بيت أمي من جديد واحساسي بالتقصير في حق زوجي يملأ نفسي بالمرارة والحزن .. فوجدت معاملتي لأمي تتغير فجأة وأصبحت أضيق بإلحاحها علي في الطلبات وأثور عليها لأتفه الأسباب وأفضل قضاء معظم وقتي منفردة بنفسي في غرفة بعيدة عنها وعن الأولاد .. وتوقعت أن تهدأ نفسي بعد فترة قصيرة وأعود لمعاملة أمي وأولادي بالحسنى , فلم يحدث ذلك للأسف .. وإنما تماديت في الضيق بكل شئ .. ورحت أسترجع ما حدث لاستوعبه فبدأت اتساءل لماذا لم يسافر زوجي للعلاج في الخارج وقد كان يستطيع ذلك .. وتنهبت إلى أنه مات في مستشفى حكومي وليس في مستشفى خاص .. وبدأت أبحث عن الحقيقة فاتضح لي تدريجيا أنه دخل بكل ما جمعه من مدخرات شريكا في أعمال تجارية مع أفراد منفصلين فانفرد كل شريك بما عنده وبخل عليه في شدته ومرضه , وبدأت اتصل بالشركاء لاستعادة حقوق أبنائي وأنكر الجميع أن يكون لزوجي أي حق لديهم , وعرفت طريق القضاء وحصلت على حكم ضد أحدهم.
واكتشفت أني لكي أحصل على صورة منه لأطلب بمقتضاه الشريك بدينه يجب أن أدفع رسوما للمحكمة تقترب العشرة الآلاف جنيه , وازدادت حالتي سوءا مع أمي وأولادي حتى استطعت تدبير المبلغ ودفعه وتصورت أن هذه هي نهاية متاعبي وأنه قد آن الأوان لأن أعوض أمي وأولادي عن الفترة العصيبة الماضية فتوالت علي المتاعب من كل ناحية إذ فرَ أحد الشركاء بعد ان اقترض مبلغا ضخما من أحد البنوك بضمان الشركة وأصبحت مطالبة مع أولادي بسداد نصف هذا المبلغ وانفرد الثالث بالنشاط التجاري الذي كان زوجي يشاركه فيه بماله .. وانفرد الرابع بالمحل التجاري الذي شاركه فيه زوجي وغير عقده بإسمه واخفى بضائعه ثم ازدادت الأمور سوءا بمطالبة الضرائب لي بدفع ضرائب الشريك المتوفي , وعجزت تماما عن مقاضاة الشريكين .. وعن ملاحقة الضربات المتوالية فازدادت حالتي سوءا ولم أستطع الاحسان إلى والدتي كما أمرنا الله .. مما يزيد من آلامي وشقائي لأني بذلك أسد في وجهي أبواب السماء بعد أن أنسدت أبواب الأرض أمامي بما أعانيه من مشاكل ومتاعب .. وأخشى ألا يرحمني الله أيضا لأني لم أصبر على ما أصابني .. ولم أرفق بأمي وأولادي .. إني في انتظار حكمك علي .. وأنا راضية به مهما كان قاسيا , فلربما طهرتني كلماتك وأعادتني للطريق الصحيح .
ولــــكـــاتبـــة هــذه الــرسالــة أقـــول :
في مسرحية شهيرة للكاتب الفرنسي هنري بيك اسمها "الغربان" عاجلت المنية أحد رجال الأعمال قبل أن يرتب أوراقه ويستعد لحفظ حقوق ورثته فانقض الشركاء والمتعاملون معه على أرملته وبناتها الثلاث لاستلاب كل ما يستطيعون استلابه مستغلين في ذلك ضعفهن وعجزهن حتى صاحت الخادمة العجوز مستنكرة : هؤلاء هم الغربان الذين لا يتركون شيئا يمكن نهبه إلا نهبوه .. وهم أدنياء كالغربان .. ومثلهم أيضا لا يحسون بدناءتهم !
مع أن الحياة زاخرة دائما بمن يرعون الله في أعمالهم ويجفلون من المال الحرام وعلى وجه الخصوص من مال اليتامى إلا أنها لا تخلو أيضا من أمثال هذه الغربان التي تنقض على الضعفاء لاستلاب حقوقهم كلما لاحت لهم فرصة لذلك .. ولأننا نعرف ذلك جيدا فإن العقل يطالبنا دائما بأن نجيد فهم العلاقة بين الأسباب والنتائج حتى لا نأخذ البرئ بجريرة المذنب , ولكيلا نحاسب الآخرين عما هم ليسوا مسئولين عنه .. فأنت يا سيدتي ظروفك قاسية فعلا ومسئوليتك وسط المتاعب التي تحيط بك من كل جانب ثقيلة .. كما أنك تعانين من أزمة ضمير تجاه زوجك الراحل الذي يبدو أنه من هؤلاء البشر الذين يكتمون آلامهم في صدورهم .. ولا يطالبون حتى أقرب الناس إليهم بحقوقهم العادلة لديهم .. ومن كان في مثل ظروفك يحق له فعلا أن يضيق وأن يقل احتماله للآخرين بعض الشئ .. لكن ممن ينبغي أن يضيق .. وممن ينبغي أن يشكو ؟
إن المسئول عن متاعبك وحيرتك هم هؤلاء الغربان السود الذين سيلقون جزاءهم العادل في الدنيا والآخرة ممن لا تضيع عنده الحقوق , ومتاعبك النفسية وأزمة الضمير التي تعانينها أنت المسئولة عنها لأنك لم تعدلي بين وفائك بحق أمك عليك وبين وفائك بحقوق زوجك ويشفع لك في بعض ذلك على أية حال حسن نيتك وشرف مقصدك في الحرص على ارضاء ربك برعاية أمك .. فإذا كان الأمر كذلك ففيم الضيق بأمك وأولادك وما هم بمسئولين عن متاعبك ولا عن احساسك بالذنب تجاه زوجك الراحل ؟ لقد كنت أنت التي لم تحسني العدل بين أمك وزوجك فلماذا تحاسبينها في ضعفها وشدتها عما قصرت فيه أنت ؟
إن الإنسان في ضعفه يكون أحوج
ما يكون إلى عون ربه ورضائه عنه ليعينه على أمره .. ويفتح له الأبواب المسدودة في
طريقه وأنت بضيقك بأمك ونفاد صبرك عليها الآن لا تعينين نفسك على اجتياز محنتك أو
الصمود لمتاعبك .. وتعرضين كل ما قدمت من خير لأمك للضياع كمن نبهنا الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم إلى أنه قد يقضي عمره يعمل عمل أهل الجنه ثم يختم عمله بعمل
أهل النار فيبدد ما استحق من أجر وحسن جزاء , وليس من الرحمة بنفسك ولا بأمك
وأولادك أن تتردي إلى هذا الخطأ .. أو أن تتمادي فيه فعودي لنفسك يا سيدتي وارفقي
بأمك وبأولادك وبنفسك ولا تضاعفي من أسباب شقائك وتعاستك بهذا الإثم الكبير ..
واستغفري الله فيما سلف من أمرك واتصلي بي إن أردت بعض المساعدة القانونية في
صراعك مع الغربان أعانك الله وأعان كل أمثالك عليها وعلى أمثالها.
رابط رسالة هاتف الأمان المشار إليها في أول الرسالة
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر