ذهول القلب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003
أضع بين يديك قصتي
راضيا بحكمك فيها, فأنا محام في السابعة والأربعين من عمري, وقد أتاني الله من
فضله الكثير, وأقبلت علي الدنيا, فمن علي بالزوجة الصالحة, وهي سيدة فاضلة
بجميع المقاييس وجميلة ومطيعة وأطاعتني في كل شيء, حتى عندما طلبت منها
الاستقالة من عملها للتفرغ للبيت وافقت على الفور بالرغم من أنها جامعية, وقد
رزقني الله سبحانه وتعالى منها بثلاثة أبناء يعدون من خيرة شباب العائلة .. وقد
وصلوا إلى الجامعة وكليات القمة, أما من الناحية المادية فقد أفاض المولى عز وجل
علي من نعم الدنيا الكثير, فمكتبي يعد من أكبر مكاتب المحاماة في مدينتي, كما
شاركت في عدة مشروعات تجارية لاقت جميعها النجاح والحمد لله كثيرا على نعمائه.
أما عن حياتي
العاطفية فزوجتي كانت تشغل دائما كل قلبي, صحيح أن زواجنا كان تقليديا ولكن الله
ألف بين قلبينا وجعل بيننا المودة والرحمة, وكنت الرجل الأول في حياتها كما كانت
هي الفتاة الأولى في حياتي, فأفضت عليها من مشاعري وأفاضت علي من مشاعرها,
ولطبيعتها الخيرة أحبها أهلي جميعهم, صحيح أن رحلة الحياة لم تخل من بعض المشاكل
الصغيرة ولكنها كانت سريعا ما تنتهي, فما كانت زوجتي ترضى بأن تتركني غاضبا منها
ــ حتى لو كنت أنا المخطئ.
إذن .. أين
المشكلة وأنا أنعم بحياة سعيدة مستقرة والحمد لله؟.. لقد بدأت مشكلتي قبل
عامين, ففي أحد الأيام اتصلت بي إحدى قريباتي ترجوني قبول قضية طلاق تريد إحدى
أقرب صديقاتها وزميلتها في العمل إقامتها على زوجها, ورفضت في البداية لأني لا
أقبل في مكتبي قضايا الأحوال الشخصية, لكنها استفاضت في الحديث عن المأساة التي
تعيشها صديقتها مع زوجها, بالرغم من حداثة زواجهما لدرجة أنها قضت أكثر من نصف
فترة الزواج في بيت أمها, بالإضافة إلى ثلاثة محاضر شرطة لاعتداء الزوج أو أحد
أقاربه عليها, كما أن هذه الفتاة ليس لها رجل يحميها, فليس لها أخوة ذكور
ووالدها متوفي منذ فترة وأزواج شقيقاتها تخلوا عنها, فقبلت بعد الضغط والإلحاح
وفي نيتي أن أعهد بالقضية لأحد المحامين الشباب في مكتبي, وحددت لها موعدا
لمقابلتي بالمكتب مساء نفس اليوم, وفي الموعد المحدد أتت, فما أن دخلت مكتبي
حتى بدأت فصول مأساتي.. وبمجرد أن وقع بصري عليها أدركت أنها نصفي المفقود الذي
ظللت عمري كله أبحث عنه, واشتعل الحب في قلبي من النظرة الأولى, وحدثت تلك الشرارة
التي يتحدثون عنها بمجرد رؤيتي إياها. وظللت لأكثر من ربع الساعة أنظر إليها ولا
أفهم حرفا واحدا مما تقول, لقد وقعت في غرامها لدرجة الوجد والصبابة, وصارت هي
كل حياتي وملكت علي جوانب نفسي وقلبي .. وعرفت منها جميع تفاصيل حياتها
الزوجية, وأخذت القضية لنفسي وسرت فيها بكل ما لدي من خبرة حتى استطعت أن أحصل
لها على حكم أول درجة بالطلاق.
وهنا بدأ الفصل الثاني من قصتي, وقد تسألني كيف مضت الفترة السابقة على صدور الحكم بيننا, فأخبرك بأنني ما جرؤت خلال ما يقرب من العام على مصارحة الفتاة بشئ مما يجيش به صدري, فقد أخفيت بين جوانحي حبي عن الجميع حتى عنها هي, وكثيرا ما كنت أجلس إلى نفسي لأحاسبها وكنت أشعر بالخجل أمامها لهذا الحب, فكيف وأنا في هذه السن أسقط في شراك الحب.. وما الذي كان إذن بيني وبين زوجتي وهي التي كنت أعتقد أن حبي لها لم يترك فراغا في قلبي لسواها؟ ولم هذه الفتاة بالذات وأنا من خلال عملي ومعارفي وعلاقتي بالمجتمع تعرضت للكثير من الإغراءات فلم تلن عزيمتي والحمد لله؟
المهم كتمت حبي في
صدري وأخذ عقلي بزمام المبادرة فكيف أحب فتاة لا تزيد سنها على سن أكبر أبنائي سوى
بعامين أو ثلاثة؟ ومن أدراني أنها أحبتني؟ وحتى لو كانت أحبتني ما نهاية قصة الحب
الشاذ هذا؟ هل هو الزواج؟ وهل ستقبل هي ــ بعد الطلاق ــ الارتباط بمن هو في ضعف
عمرها؟ وزوجتي رفيقة عمري هل يكون الجزاء لها مني زوجة ثانية؟ وغلب العقل ما سواه.
وجاء يوم صدور
الحكم ولم تستطع الفتاة الذهاب إلى المحكمة لسماع النطق بالحكم بل انتظرتني في
مكتبي, وطرت إليها أزف لها البشرى وما أن سمعت مني الخبر السعيد حتى وجدتها بين
ذراعي تقبل وجنتي ويدي, وبكل شوق العمر احتويتها بين ذراعي, وتوقف الزمن
للحظات وباحت شفتاي في لحظة بما حرصت على إخفائه.. وأقسم لك بأنها كانت المرة
الأولى التي ألمس فيها امرأة أخرى غير زوجتي.. ثم كانت المفاجأة
الأخرى أن أخذت الفتاة يدي وراحت تلثمهما وهي تعترف لي بحبها منذ أول نظرة ولكنها
لم تجرؤ على مصارحتي بهذا الحب, وأخذنا تيار الحب الجارف وعشت أجمل لحظات عمري
في ظل حبها, ولم تتعد هذه السعادة المكالمات الهاتفية, ورجع بي الزمان إلى
الوراء ربع قرن, فعدت الفتى المراهق الذي يعلو وجيب قلبه مع اقتراب موعد اللقاء
عبر أسلاك الهاتف.
إلى أن كانت ليلة جلست فيها إلى نفسي للمحاسبة,
وانتبهت لما أفعل.. فكيف لمن كان في مثل سني ووضعي الاجتماعي والعائلي أن ينزلق
لهذه الصغائر السخيفة, وما نهاية هذا الحب؟ إن النهاية الطبيعية هي الزواج,
فهل سأستطيع الزواج منها؟ وكيف ستكون صورتي أمام أبنائي؟ بل ماذا ستكون صورة
أبنائي أنفسهم أمام أصهارهم في المستقبل القريب؟ ثم والأهم زوجتي ورفيقة عمري هل
سيكون الجزاء لها على رحلة العمر هو زوجة ثانية؟
ومهما كتبت فلن
أستطيع أن أصف لك مدى العذاب الذي قاسيته خلال تلك الفترة, لقد حدث تحول عنيف في
شخصيتي وتحولت من الإنسان الهادئ الوديع إلى المستثار دائما وضيق الصدر لأي شئ..
ولقد شعرت زوجتي بتغيري لكنها بحكمتها ونقاء سريرتها وصبرها لم تعلق على هذا
التغيير بأي شئ. وتحاملت أنا يا أخي على نفسي وصبرت وكلي أمل في أن تتكفل الأيام
بمداواة الجراح.
ولكن تأتي الرياح
بما لا تشتهي السفن, ففي ذات ليلة كنت بمكتبي حين اقتحمت علي الحجرة هذه السيدة
الشابة, وهي في حالة يرثى لها من الفزع
والاضطراب, فهدأت من روعها وأجلستها, وبعد جهد استطاعت أن تملك نفسها وعرفت
منها أنها خلال انصرافها من عملها في الفترة المسائية لمحت زوجها السابق وفي
ملامحه كل ألوان الشراسة والرغبة في الاحتكاك بها, فما كان منها إلا أنها
استغاثت بإحدى زميلاتها وطلبت منها أن تقلها إلى مكتبي, فقد خشيت أن تذهب إلى
منزلها فيتبعها الرجل ليفتك بها, خاصة أنها تقيم مع والدتها المسنة بمفردهما,
وهدأت من روعها وأنا أخبرها بأنه لا يملك لها شيئا, وبعد أن هدأت تماما عرضت
عليها أن أصحبها إلى منزلها وفي نيتي أنني إذا وجدت الرجل ينتظر أمام المنزل أن
أستعين بالشرطة للقبض عليه وأخذ التعهد اللازم بعدم التعرض لها, وحدث ما توقعته
فقد كان الرجل منتظرا أمام باب العمارة, فعرضت عليها ما فكرت فيه فرحبت, خاصة
أنها فرصة للتعرف على والدتها, ولتقدم لي الشكر علي ما قدمته لها.. هذا ما
خططنا له, ولكن كان للأقدار رأي آخر, ففي المسكن لم تكن والدتها موجودة, وقد
تركت لها رسالة بأنها عند شقيقتها التي فاجأتها آلام المخاض, وأردت الانصراف
سريعا ولكنها رجتني أن أنتظر قليلا حتى تتأكد من انصراف زوجها السابق, ووافقت,
ولم ندر بنفسينا إلا وكانت الكارثة قد حلت ووقعنا في مستنقع الخطيئة, فكيف حدث
هذا وأنا الرجل الذي كنت حتى هذه اللحظة لم ألمس امرأة سوى زوجتي.
إنني المسئول
الأكبر عن هذه الجريمة, لأنه بحكم سني وخبرتي وتديني كان لابد أن أتحكم في نفسي
وعواطفي, ولم أنم ليلتها والليالي التالية ولم أستطع النظر في عيني زوجتي
الطاهرة وأنا المدنس. إنني الآن ليس أمامي إلا طريقان لا ثالث لهما, الأول هو ما يمليه
علي الضمير وهو أن أتحمل تبعة خطئي بشجاعة وأواجه الجميع وأتقدم للارتباط بهذه
السيدة ضاربا عرض الحائط بكل الاعتبارات العائلية والاجتماعية, والثاني هو أن
أنسى ما حدث أو أتناساه وأمضي في طريقي وحياتي وكأن شيئا لم يحدث.
إنني لست جبانا ولم
أهرب من أي موقف تعرضت له في حياتي من قبل, وعلى استعداد لتحمل كل تبعات الموقف..
فماذا تقول لي ؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
ليس الحب وليد نظرة واحدة كما يزعم البعض لأنفسهم لكي يبرروا بذلك ذهولهم عن واجباتهم العائلية والإنسانية في بعض الأحيان, وإنما هو نتاج تفاعل بطئ للمشاعر والأحاسيس.. قد تكون النظرة الأولى هي بدايته المبكرة.. لكنها أبدا ليست العامل الأساسي في نموه أو نضجه أو تطوره.وأغلب الظن أن هذه السيدة الشابة قد صادفتك وأنت تعيش حالة من الهدوء العاطفي مع زوجتك.. وقد تحققت لك أسباب النجاح المهني.. والاستقرار العائلي.. فبعث ظهور هذه السيدة في مجالك الرغبة لديك في مغالبة الملل.. ومعايشة إحساس المغامرة العاطفية.. والانطواء على سر شخصي لا يطلع عليه أحد سواك.. ويحرك مياه البحيرة بعض الشئ ويجدد ذكريات الشباب, ويشعر الإنسان بأنه مرغوب لذاته كما يحلو للبعض أن يؤكدوا لأنفسهم كلما تقدم بهم العمر.. والحقيقة التي يتغافل عنها هؤلاء هو أنه ليس هناك إنسان يريد أن يتنكب الطريق القويم ولا يجد من الإغراءات حوله ما يستجيب له.. لهذا فقد قيل بحق إن التسيب الأخلاقي أسهل كثيرا على المرء من الاستقامة الشخصية, ومن الوفاء لشريك العمر والإخلاص له والالتزام به, لأن التسيب الأخلاقي لا يتطلب من المرء أكثر من أن يرخي القيود الأخلاقية التي يلتزم بها ويستجيب لأول إغراء ويرحب بأي نزوة. في حين تتطلب الاستقامة الشخصية الكثير والكثير من مجاهدة النفس.. ومغالبة الإغراء والتعفف عن المتع المحرمة.. والترفع عن إيلام شريك الحياة.. أو مكافأته على وفائه بالغدر به أو خيانته.
وكل ذلك مما لا
يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة والقلوب الحكيمة, ولهذا فإن القابض على قيمه
الدينية والأخلاقية كالقابض على الجمر في هذا الزمن الصعب الذي تختلط فيه المفاهيم
والمعايير.. وترتفع دعاوي القيم الفردية التي تعتبر سعادة الإنسان المؤقتة,
وحدها هي الهدف, ولو تعارضت مع سعادة من يتحمل مسئوليتهم أو مع واجباته
الإنسانية والعائلية والأخلاقية, ولقد أشار الكتاب المقدس إلى هذه الفتنة بقوله:
سيبلونك الله بالجنون والعمى وذهول القلب.
وقال الشاعر
الأمريكي: متعة الحب لحظة.. شجن الحب يدوم إلى الأبد.
وما تواجهه الآن هو شئ من هذا الشجن بعد أن
أخطأت في حق نفسك وزوجتك الفاضلة وأبنائك الشباب بهذه النزوة التي لا تليق بك
وتتناقض مع كل ما التزمت به في حياتك العائلية والمهنية من مبادئ من قبل. فكأنما
قد ذهلت فجأة عن كل ما كان ينبغي لك أن تسعد به وتعتز من توفيق في الحياة الزوجية.. والحياة العائلية.. والنجاح
المهني والكثير والكثير مما يستوجب شكر الخالق المنعم عليه.. والحفاظ عليه
والدفاع عنه بالاستقامة الشخصية والالتزام الأخلاقي.
بل لقد أسأت إلى
هذه السيدة الشابة نفسها التي لجأت إليك لتستعين بك على أمرها.. فأسهمت في تعقيد
مشكلتها.. وإن كنت لا أعفيها من مسئولية تفريطها الأخلاقي معك واستجابتها لك وهي
تعلم أنك زوج لسيدة فاضلة وأب لأبناء في سن الشباب.
لكنه قد جري ما جرى
.. وخير ما تفعل الآن هو أن تقطع كل صلة لك بهذه السيدة معتذرا لها عما كان من
ضعفك معها وإغرائك لها.. وأن تندم ندما صادقا على ما فعلت وتستغفر ربك كثيرا عنه..
وترجع إلى سابق عهدك من الالتزام الأخلاقي.. والإخلاص لزوجتك.. وتقدير
مسئولياتك العائلية وتعقد النية على ألا ترجع إلى ما كنت فيه أبدا.. وتبادر
بتعويض زوجتك عن انصرافك عنها وإيلامك لها خلال هذه المحنة.. وتكفر عما ارتكبته
من خطايا في حقها وفي حق نفسك وغيرك.. ولتدع هذه السيدة الشابة لحياتها ونفسها..
لعلها تبدأ حياة جديدة مع غيرك خالية من القلاقل والاضطرابات.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر