النظرات المتبادلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

 النظرات المتبادلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

النظرات المتبادلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

أنا سيدة تجاوزت الأربعين بقليل .. زوجة وأم لثلاثة أبناء ومشكلتي للأسف ليست كغيرها من مشاكل الحياة الزوجية، وإنما حكمت علي الأقدار بأن أكابد مشكلة من المشكلات التي لا يستطيع من يعانيها أن يتخفف من ثقلها الجاثم على صدره بالحديث عنها والشكوى منها لأحد مهما كان مقرباً منه.. فلي شقيقة تصغرني بثماني سنوات وهي زوجة وأم مثلي.. وقد فتحت صدري وبيتي واصطحبتها معي في نزهاتي وخروجي إلى النادي وأجازاتنا الصيفية بالرغم مما كنت أشعر به من غيرتها المكتومة مني لأن زوجي أفضل من الناحية المادية من زوجها..

ومنذ فترة غير قصيرة بدأت ألاحظ شيئاً غريباً كنت في البداية أرفض تصديقه ثم اضطرتني الأحوال العجيبة إلى التسليم به، فلقد بدأت ألاحظ نظرات العشق والهيام المتبادلة بينها وبين زوجي! كما بدأت ألاحظ اهتمام زوجي الشديد بها وحرصه على أن ترافقنا في كل مكان نذهب إليه، وسعادته الواضحة وحيويته وابتهاجه حين تكون معنا.. وملله وجموده وصمته حين نكون في مكان لا توجد فيه.. وبالرغم من كل ذلك حاولت ألا أصدق ما أرى وأنكرته بشدة وقلت لنفسي إنها ليست سوى العلاقة الحميمة التي تجمع بين "أخ" و "أخته"! إلى أن ذهبنا إلى المصيف في العام الماضي وهي معنا.. وبدأ الشك يتحول عندي إلى جحيم، فقد كانا يختفيان فجأة بالساعات ثم يظهران منفصلين أحدهما وراء الآخر بربع ساعة، ويقدم كل منهما تفسيراً غير مقنع لغيابه المفاجئ.. واكتويت بالغيرة والحزن الشديدين وعند العودة من المصيف تكرر الاختفاء الغامض إلى أن علمت عن يقين أنهما يلتقيان كل يوم ويمضيان معاً بضع ساعات بعيداً عني.. وتأكدت من ذلك بما لا يدع أي مجال للشك.

فماذا أفعل يا سيدي لكي أتخلص من هذا الجحيم الذي لا يدرك أحد لظاه سواي! إنني إذا طلبت من زوجي الطلاق فلن يمانع فيه.. بل سيرحب به لكي تزول العقبة الكئود من طريقهما.

ولو فعلت ذلك وطلقني بالفعل.. فماذا ستفعل أختي التي باعتني على هذا النحو الرهيب؟.. هل ستحصل على الطلاق من زوجها لتتزوج من زوجي وهذا ما أرجحه؟ وهبها فعلت ذلك فيكف ستكون صورتها أمام العائلة والأبناء؟ وإذا لم أفاتح زوجي ولم أطلب منه الطلاق.. كيف أستطيع احتمال حياتي وأنا أعلم علم اليقين أنه يلتقي بها كل يوم وأنها قد أصبحت "زوجته" أكثر مني ولها عليه من الحقوق ما لم يعد لي عليه منها؟

هل انتحر أم أقتلهما معاً.. أم ماذا أفعل؟

لقد فكرت في مقاطعتها مقاطعة تامة لكي أستريح من رؤية "الحب" في عيونهما؟ لكن هل هذا الحل سيساعدهما على الالتقاء أكثر، وإذا استمريت في علاقتي بها فإنني احترق بنيران الجحيم وأنا أراها تستولي على زوجي مني ولست في الحقيقة ألومه بقدر ما ألوم هذه الأخت الشيطانة التي لا تعرف غير رغباتها ومتعتها ولو كانت غير مشروعة، ولا تخاف من ربها ولا تخشى عليّ من انهيار بيتي، ولهذا فإنني أوجه اللوم كل اللوم لها، لأن المرأة هي المسئولة بالدرجة الأولى عن اجتذاب الرجل أو صده عنها ولأن زوجي لم يكن ليستطيع أن يقترب منها إلا إذا كان قد وجد كل التشجيع، وكل الاستعداد منها.. فكيف هانت عليها نفسها وهنت أنا عليها إلى هذا الحد المشين –وكيف ترضى لي- أنا أختها وصديقتها- بما لا ترضاه لنفسها وهي ترى العذاب والألم في عيني وتعلم أنها السبب فيهما دون أن تتوقف عما تفعل؟

إنني أرجوك أن توجه لها كلمة بأن ترعى الله فينا جميعاً، وفي أبنائنا لأنني لا أستطيع مواجهتها، حيث أعلم جيداً أنها وزوجي سوف يستمران فيما يفعلان مهما واجهتهما لأنها تثق بأن زوجي يحبها أكثر مني ومن حقها أن تفعل ما تريد!

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

هناك "أحوال" لا مفر من التعامل معها بمشرط الجراح الذي يفضل البتر والاستئصال، على محاولات العلاج التي لا تجدي سوى انتشار الداء في بقية الجسم.

وقصتك المحزنة هذه من هذه الأحوال التي لا مفر من التعامل معها بمنطق البتر والاستئصال، والإجراء الوحيد الملائم لها هو مواجهة الزوج أولاً ومطالبته بالانفصال أو على الأقل بالاختيار بين الكف عما يفعل بلا رجعة أو الطلاق، ثم مواجهة مثل هذه الأخت التي لم ترع للأخوة حرمة بجريمتها ومقاطعتها مقاطعة تامة ناجزة لا تجمل فيها ولا مدارة إلى أن تفيق من غيها وتندم ندماً صادقاً على جنايتها وتكفر عنها تكفيراً كاملاً ولو بعد حين.

غير أنك –وكما فهمت من رسالتك- لا ترغبين في أن تفقدي زوجك أو أن تنفصلي عنه وتعلمين عن يقين أن انسحابك من حياته الآن لن يكون له من عائد سوى أن يخلو له ولشريكته المجال لاستكمال خطتهما الشائنة.. وقد لا يمضي على انفصالك عن زوجك وقت طويل حتى تكون هي قد حصلت على حريتها من زوجها.. وتوجت قصتها المخجلة مع زوج أختها بالزواج منه ضاربة بذلك لأبنائها وأبنائك أسوأ المثل على انعدام الوفاء في الحياة.. وامتهان القيم العائلية والإنسانية جرياً وراء الأهواء والرغبات.. وصانعة بذلك مأساة "إغريقية" جديدة تهتز فيها المثل والقيم في مخيلة الأبناء.

ولأن الأمر كذلك فإني أنصحك بمجافاة هذه الأخت اللعينة ومقاطعتها في صمت مقاطعة لا تتيح لها فرصة الوجود في حياتك الأسرية بلا أي محاولة من جانبك للشرح أو التفسير تاركة لها بذلك أن تفهم عنك أنك لن تقفي من الآن ذلك الموقف السلبي العاجز مما يجري حولك، حتى ولو كان ثمن ذلك هو إتاحة الفرص أكثر لهما للالتقاء في غيبتك.. ذلك أو وجودها في حياتك العائلية لم يحل ولن يحول بينها وبين ما تفعله مع زوجك.. وعلاقتك بها لا تردعها عن الاستمرار فيها.. فما معنى إذن أن تتعذبي بملاحظة مشاهد الحب والاتصال بين الطرفين وأنت تحترقين بنيران الجحيم في أعماقك ولا تستطيعين البوح بما تتعذبين به أو الشكوى منه!

أما زوجك فلقد كنت أفضل المواجهة الصريحة معه وتخييره بين الكف عما يفعل.. أو الانفصال عنه، لكنك لا تقدرين على تبعات هذه المواجهة.. وتشعرين بضعف موقفك فيها مع أنه هو من ينبغي له أن يشعر بضعف موقفه وتخاذله في هذا الوضع الشائن.

 

ومادام الأمر كذلك فلقد يكون من المفيد في معركتك للاحتفاظ به وحمايته من براثن الأخرى، أن تلمحي له بغير تصريح إلى فهمك لما يدور أمامك ورفضك القاطع له، وتمسكك بالرغم من جراحك وأحزانك بالأمل فيه وفي عودته ذات يوم قريب إلى الطريق القويم.. حرصاً عليه مما لا ترضينه له من الاستمرار في الدنس والخطيئة وفقد الاعتبار، وإعلاء لسعادة الأبناء واستقرارهم على كل الاعتبارات.. عسى أن يفيق من غيه ويخجل من نفسه ويرجع إلى رشده ويعرف أن من تضحي بأختها وبكل القيم الدينية والأخلاقية والعائلية لكي تظفر به لا تساوي في حقيقة الأمر قلامة ظفر ولا تستحق أن يفقد من أجلها زوجته وأم أبنائه واستقرار حياته العائلية.. و"صورته" كزوج وأب ورب أسرة ينبغي أن يكون له ما لأمثاله من احترام وإجلال في عيون من حوله.. أما مناشدة تلك "الأخت" فلا طائل تحتها.. ومثيلاتها قد لا يجدي معهن سوى التهديد بهتك سترها أمام زوجها وأبنائها غير أن أختك الفريدة من نوعها "تتميز" عليهن بشيء آخر ليس في صالحك للأسف الآن.. وهو أنها ليست حريصة على زوجها ولا أبنائها ولقد يسعدها أن تتورطي في تصعيد الأمر معها على هذا النحو بما يؤدي إلى انهيار حياتها الزوجية فتضيف بذلك إلى "مؤهلاتها" لدى زوجك المسلوب مؤهلاً جديداً هو أنها –واحسرتاه- قد خسرت حياتها العائلية من أجله وبالتالي فإن واجبه أن يعوضها عما خسرت، بالانفصال عنك.. والزواج منها واستكمال فصول هذه المأساة الأخلاقية المخيفة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999

شارك في إعداد النص / أحمد محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات