الشرط القاطع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996
أنا شاب عمري 33 عاما , حاصل على مؤهل عال وأعمل عملا حرا في مجال تخصصي الدراسي , ومرتبي معقول والحمد لله ومستقبلي واعد بإذن الله , وقد تأخرت في الزواج حتى الآن لظروف شخصية لا داعي لذكرها , لكنها ظروف مادية فرضت علي إلى جانب سبب آخر هو رغبتي في ألا أتزوج إلا من فتاة أتأكد بصفة قاطعة من أنها عقيم ولا تنجب , وذلك لأنني قد نشأت في بيت لم أشعر فيه بجو الأسرة, ولم أحس فيه لحظة واحدة بحنان الأب أو الإخوة , فترسخ عندي احساس أكيد بأنني إذا أنجبت يوما أبناء فسوف أظلمهم ولن أستطيع التعامل معهم .
إنني أعرف أن ذلك ليس أمرا طبيعيا وأنه ربما كان فيه شئ حرام , لكنني أراه أقل حرمة من أن أنجب أبناء ثم أظلمهم أو أكون سببا في شقائهم وتعاستهم , وهذا ما أثق في أنه سيحدث إذا أنجبت رغما عني , مع أني إنسان طيب ومحبوب من كل المتعاملين معي ما عدا أهلي لأنني شبه منقطع عنهم منذ فترة , وأعيش بمفردي .. والسر في كل ذلك يا سيدي هو معاملة أبي الذي لم أشعر معه ذات يوم بأنه أبي وأنني ابنه ومع أنني قد فعلت معه ما يدفع الحجر لأن ينطق , وتحملت ماديا ما كان ينبغي أن يتحمله هو مؤثرا إياه على نفسي ولم يجدي ذلك شيئا معه .. ولا يريدني أن أكون ابنا له .. ولهذا فلست أريد أن أنجب أبناء بصفة نهائية .. لأنني لا أعرف كيف أحبهم أو أتعامل معهم , وهذه هي جناية أبي علي ولست أريد أن أجني أنا على أحد , وأطلب منك أن تساعدني في الزواج من سيدة أو آنسة مناسبة لسني ذات دين وتعرف حقوق ربها وزوجها .. وبشرط قاطع هو أن تكون عقيما .. كما أطلب منك أيضا أن توجه رسالة للآباء أن يرحموا أبناءهم ويعدلوا في معاملتهم وأن يعرفوا أن للأبناء حقوقا على آبائهم أقرها الدين , لكن المشكلة هي أن معظم رجال الدين لا يتحدثون عنها إلا قليلا , ويتحدثون باستمرار عن حقوق الوالدين حتى أعتقد "كل" الآباء أن لهم فقط حقوقا على أبنائهم , وليس عليهم واجبات تجاههم وشكرا لك وأرجو ألا تهمل رسالتي هذه .
تنويه هام
تعقيب كاتب الرسالة الأصلى بتاريخ 2 أغسطس 2026 بعد رد الأستاذ عبد الوهاب مطاوع
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكاتـــب هـــذه الرســــالـة أقـــول:
إذا كان معظم رجال الدين يتحدثون عن حقوق الأبناء على الآباء إلا قليلا , ويتحدثون دائما عن حقوق الوالدين كما تقول , فلأن الأبوة والأمومة فطرة وغريزة لا تحتاجان إلى الإلحاح الطويل عليهما , ولأن الله سبحانه وتعالى قد فطر عليهما البشر فلا يخالف هذه الفطرة إلا غير الأسوياء ولا يحتاج إلى من يلح عليه بالتنبيه إليها إلا من تحجرت مشاعره الأبوية أو الأمومية .. واحتاج إلى من يذكره بها , وإلا فدلني على الذي "خطب" في الوحوش الضارية .. أو الحيوانات الأليفة والطيور " ليذكرها" بواجبات الآباء والأمهات تجاه صغارهن ؟! أو من الذي أرشد النعامة وهي غير القادرة على الرقود على بيضها إلى أن تحتضن هذا البيض بالنظر إليه في خط مستقيم فتنبعث من عينيها الحرارة إليه , فإذا تعبت جاء "الظليم" وهو ذكر النعام ووقف مكانها بنفس الطريقة لا يلتفت يمنة ولا يساره مواصلا دور الأم في احتضان البيض , وعن ذلك نقلت بعض الكنائس "كما يقول الدكتور زكي مبارك رحمه الله" تقليد وضع بيض النعامة في المحراب لتوحي للمصلين بأن الصلاة لا تقبل منهم إذا اعترى المصلي أي انحراف أو التفات عنها .
أما حقوق الوالدين على أبنائهم فلقد احتاجت إلى التأكيد والتركيز عليها في وحي السماء والأحاديث النبوية وأحاديث رجال الدين في كل الأديان لأنها ليست من شئون الفطرة أو الغريزة الإنسانية .
ورغم ذلك فإن حقوق الأبناء على الآباء والأمهات لا تقل قدرا عن واجباتهم تجاههم , بل إننا "كما قلت ذات مرة" قد نستطيع أن نفسر لا أن نبرر بعض أوجه تقصير بعض الأبناء في حقوق الوالدين بطيش الصغار وحمقهم وضعف الوازع الديني الذي لم تشحذه بعد المعرفة الكاملة بصحيح الدين .. لكن كيف نستطيع أن نفسر تقصير بعض الآباء في حقوق أبنائهم وقد أتيحت لهم فسحة العمر الكفيلة بالعلم بصحيح الدين واكتساب نضج السنين؟
وعلى هذا فلست أختلف معك في أهمية أن يركز أيضا رجال الدين على الحديث عن حقوق الأبناء على الآباء , إلى جانب تركيزهم على حقوق الوالدين , لكني أختلف معك في أن "كل" الآباء قد أصبحوا يعتقدون أن لهم حقوقا على أبنائهم وليست عليهم واجبات تجاههم , لأن هذا غير صحيح .. ولأن مخالفة الفطرة استثناء يمثل خروجا على القاعدة , ولا يمكن أبدا مهما تكرر أن يشكل قاعدة عامة.
وحقوق الأبناء على أبنائهم لا تبدأ فقط بالميلاد بل تبدأ قبل ذلك بحسن اختيار الأمهات وتتواصل بعد ذلك إلى حسن اختيار الأسماء للأبناء وحسن تربيتهم ورعايتهم وكفالتهم وتهذيبهم وتعليمهم دينهم وما يواجهون به الحياة من معارف ثم ترتقي إلى مسئولية الآباء والأمهات عن اسعاد الأبناء في الحياة أيضا وليس مجرد اعالتهم فيها , وإلى العدل معهم والتسوية بينهم في العطاء بل وفي القبل أيضا , ثم تزويجهم كذلك لمن كان قادرا على ذلك من الآباء فإذا بلغ الابن مبلغ الشباب ولم يكن قادرا بإمكانياته على الزواج ولم يزوجه أبوه القادر "فأصاب إثما فإنما أثمه على أبيه" كما يقول رسول الله صل الله عليه وسلم.
فأي تعظيم لحق الأبناء على الآباء أكثر من ذلك ؟ وكيف يتصور بعض الآباء أن لهم على أبنائهم حقوقا وليست عليهم واجبات تجاههم ؟
أما أنت يا صديقي فليس معنى أنك لم تحظ بجو أسري طبيعي أن تحكم على نفسك بأنك لن تكون مؤهلا بصفة قاطعة لرعاية الأبناء والحدب عليهم .. فقاعدة "فاقد الشئ لا يعطية" لا تنطبق على هذه الظروف التي تتحدث عنها , بل إن الإنسان قد يعوض في أبنائه ما حرم هو منه في طفولته وصباه , من رعاية وحب وحنان , وقد يصبح أكثر فهما لحاجة الأبناء إلى حنان الأب وعدله معهم كلما تذكر ما كان يعتمل بنفسه من أحاسيس مؤلمة بالغبن والنبذ والاهمال وهو يتعرض لكل ذلك في كفالة أبويه.
لكنك على أية حال أدرى بنفسك من غيرك , وما تعتزمه هو شئ "بالعزل" وهو كما يقول الامام أبو حامد الغزالي يوجب الكراهية وليس التحريم , ومن يدري فلعل الله سبحانه وتعالى يحل بك مشكلة إنسانة غير قادرة على الانجاب .. فتسكن إليها وتسكن إليك .. وتهيئ لك ما حرمت منه من جو الأسرة , وإن كان ذلك لا يعفيك في النهاية من مسئوليتك الدينية عن قطيعة الأهل وقطع الرحم .. مهما كانت الأسباب والمبررات .. وشكرا .
تعقيب كاتب الرسالة
السلام عليكم
للأسف مقدرتش اغير الوضع و اهتميت بعملى بس و أصبحت ظروفى
المادية كويسة و بوزع فلوسى على اخواتى و فيه اتصال بينى و بينهم بس أداء واجب لا انا بحبهم و لا هم بيحبونى بس عامل لهم
مرتبات شهرية كبيرة و يساهم كمان معاهم فى تجهيز أولادهم بالعدل بينهم أما أولادهم مستنين اموت عشان يورثوا لانى طبعا مفيش زوجة أو اولاد
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر 1996
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر