الرجل الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

الرجل الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


الرجل الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

نشأت يتيمة الأب منذ صغري، ومضت سنوات صباي وأنا أحلم بالأمان والسعادة في بيت لم ينطبع بطابع الحزن كما كان الحال في بيتي بعد رحيل أبي .. وأنهيت دراستي والتحقت بالعمل كموظفة صغيرة بإحدى الهيئات .. ثم ذهبت ذات يوم لزيارة إحدى زميلات العمل فالتقيت عندها بشاب كان في ضيافة أسرتها وعرفت منها أنه قريب لزوجها .. وبعد فترة قصيرة أبلغتني زميلتي أنه يريد أن يتقدم لخطبتي .. ولم تكن لي أية تجربة سابقة مع دنيا الرجال ففرحت بذلك ورحبت به أسرتي وتمت الخطبة, وتم الزواج بعدها بستة شهور, وبدأت الحياة الجديدة التي حلمت بأن تنسيني طفولتي المحرومة .. لكن العشرة كشفت لي عن طباع كثيرة فيه تتناقض مع أحلامي السعيدة مثل تجهمه الدائم ونفوره من الابتسام وفتوره العاطفي وانقياده الأعمى لأمه في كل شئ .. ورفضه لمبدأ المناقشة أو ابداء رأيي في أي أمر ومع ذلك فلقد حرصت على نجاح حياتي معه .. وبذلت كل جهدي لإرضائه بسبب نشأتي كيتيمة ورغبتي الصادقة في السعادة والأمان, ثم ظهرت علي أعراض الحمل فعاهدت نفسي على ألا أرضى لوليدي بأن ينشأ محروما من أبيه كما نشأت أنا .. وضاعفت من صبري واحتمالي لابتعاده عني وافتقادي له معظم شهور الحمل .. فهو يبيت في بيت أمه كثيرا ويمضي معها معظم اليوم حين لا يبيت عندها , ولم اعترض على ذلك وفسرته بأنه وحيدها ويحبها كثيرا .. ثم جاءت لحظة الولادة المتعسرة .. وتلفت حولي أبحث عن زوجي وسندي في الحياة فلم أجده بجواري أيضا.

وأنجبت طفلتي وأرسلنا إليه لنبلغه فجاء ودخل علي غرفتي وما أن عرف نوع المولود حتى ازداد وجهه تجهما وأعلن أنه كان يريد ولدا وأنه لا يحب البنات ثم تركني وعاد لأمه .. وابتلعت المرارة وصبرت, ومضت الأيام وعدت لشقة الزوجية ولم يعد هو وأرسلنا إليه كثيرا نستدعيه فلم نجده .. وتوقف عن الانفاق على بيته وابنته وحين عاتبه بعض الأهل في ذلك برره بأنه مشغول بإنهاء أوراقه للسفر للعمل في الخارج , وبأني موظفة استطيع أن أنفق على نفسي وابنتي وبأني إذا عجزت عن ذلك أستطيع أن أقيم مع أمه في شقتها .. ورفضت الإقامة مع أمه لأسباب لا داعي لذكرها وأبسطها أن أمي على قيد الحياة وتساعدني في تربية طفلتي بمعاشها الضئيل .. واختفى الزوج والأب من حياتنا تماما كأنه لم يكن, وسافر إلى الخارج وأقام لمدة عام كامل لم يتصل بنا خلاله مرة واحدة وعاد في الأجازة فلم تتحرك فيه عاطفة الأب وتدفعه لرؤية صغيرته التي لا يكاد يعرف ملامحها, ثم عرفت بالصدفة أنه يرتب للزواج من فتاة في العشرين من عمرها تقيم بجوار والدته .. وبالفعل تزوجها وجدد شقة أمه وأعدها اعدادا فاخرا لها وأغدق عليها الهدايا.

وبعد عام آخر انجبت له زوجته الجديدة طفلا ففرح به فرحا طاغيا وأقام له الأفراح والليالي الملاح احتفالا بقدومه, ولم أبال بذلك, بل ولم أطلب الطلاق منه وسألت نفسي ولماذا أطلبه وأنا لا أريد الارتباط برجل آخر ولم تعد لي رغبة في الحياة سوى أن أربي ابنتي وحتى لو طلبته ورفض فكيف أحصل عليه بحكم من المحكمة .. وأنا لا أملك نفقات التقاضي ولا أعباءه .. وفضلت الحياة كما أنا مع ابنتي وأنا واثقة من أنه سوف يطلقني ذات يوم إن لم يكن بدافع الشهامة لتسريح زوجة "لا يزورها أبدا بإحسان" .. فعلى الأقل تحت ضغط زوجته الجديدة، ولم يطل انتظاري ووصلتني ورقة الطلاق بعد ذلك بشهور ولم يكن حتى ذلك اليوم قد دفع لابنته قرشا واحدا .. ولم أقو على مطالبته بحقوق ابنتي وفوضت أمري وأمرها فيه إلى الله.

وتفرغت لابنتي وعملي ولمحاولة تدبير حياتنا بمرتبي الصغير .. ومضت الأعوام ونحن نواجه الحياة معا بالصبر والحيلة والأمل في حياة أجمل ذات يوم .. فيحز في نفسي في بعض الأحيان أن ابنتي التي كتب عليها اليتم الحقيقي منذ ميلادها لا تتمتع بما تتمتع به من هن في مثل سنها من ملبس ومأكل ورفاهية .. أو أن حياتنا ترتبك حين تحتاج إلى حذاء أو جورب أو حين تضطرني الظروف للجوء إلى طبيب إذا ألم بنا مرض عابر, فأثور بيني وبين نفسي في هذه الأحيان فقط على الأب الذى لا تحركه أبوته للإنفاق على ابنته أو حتى رؤيتها وأحاول معه عن طريق وسطاء ليساعدني بعض الشئ في نفقات حياة ابنته التي بلغت الخامسة عشرة من عمرها وأصبحت في المرحلة الإعدادية, فيعتذر بأن أولاده الثلاثة يستهلكون كل دخله وبأنه لا يستطيع المساعدة .. ثم يلوح بضم ابنتي إليه لتعيش مع أبنائه وزوجته .. فتنطفئ ثورتي على الفور وانكفئ على حياتنا أحاول تدبير مطالبها بشتى الطرق.

ومازلت أجاهد لإعالة ابنتي وتوفير الحياة اللائقة لها وكلما وهنت قواي وأحسست أني لم أعد قادرة على مواصلة الكفاح تذكرت أنها لا عائل لها سواي .. فيزول التعب واليأس ويعود لي إقبالي على العمل والحياة .

ورغم كل ما عانيناه يا سيدي من وحدة وحرمان فقد حرصت على أن أعزل ابنتي بقدر الإمكان عن مشكلتي مع أبيها وعلى ألا أحكى لها عنه سوءا وكلما سألتني عن تجربة حياتي معه كزوجة تحدثت عنه بأدب واحترام وبعكس ما عشته حتى لا تنشأ معقدة من الرجال وتنفر منهم, ورغم ذلك أحسست بفطرتها بعد أن كبرت بنفور أبيها منا وبعده عنا وعدم زيارته لنا !

ومنذ فترة قصيرة كنت مع ابنتي في شقتنا البسيطة ساعة الأصيل فدق جرس الباب وفتحته فوجدت أمامي شخصا لم أتبينه في البداية ولم أتعرف عليه .. ثم استجمعت نفسي سريعا وعرفت أنه هو .. الزوج السابق والأب الذي لم ير ابنته ولم تره منذ أكثر من عشر سنوات .. ودعوته للدخول فدخل مكتئبا وجلس على مقعد في الصالة ثم نظر طويلا طويلا إلى ابنتي التي وقفت مندهشة تنظر إلى هذا الرجل "الغريب" ثم قال لها : أتعرفين أنني أبوك ؟ فنظرت إلي مذهولة ثم جاءت وجلست بجواري على الكنبة كأنها تحتمي بي وهي تسألني بنظراتها عن صحة ما يقول .. فهززت لها رأسي بالإيجاب .. وجلست هي تنظر لأبيها في صمت .. أما هو فقد سألني أتعرفين أنني أنجبت ولدا أصبح عمره الآن 12 عاما !

فهنأته على ذلك, فإذا به يقول لي بمرارة وهو فى قمة اليأس : أتعرفين أيضا أنه قد جاء للدنيا ليكون سببا في عذابي وأني أموت من أجله كل دقيقة لأنه مولود بضمور في المخ ومتخلف عقليا .. ألم تسمعي بذلك ؟ فأجبته بالنفي .. وانقضت الزيارة بعد قليل وعاد من حيث أتى .. ووجدت نفسي بعد انصرافه أبكي بحرارة وأشكر الله على جميل رعايته لي ولابنتي رغم صعوبة حياتنا .. وأدعو ربي ألا يحرمنا من صحتنا ومن قدرتنا على العمل وألا يحرم أحدا من صحته .. ومازلت أدعو .. وأقاوم صعوبات الحياة ولا شئ يشغلني سوى إشفاقي على ابنتي من ألا أستطيع مواصلة الكفاح والمقاومة فما رأيك فى ذلك ؟ وماذا تقول لي؟

 

ولـــكــاتـبة هـذه الـرسـالـة أقــول :

 

للإمام الشافعي رضي الله عنه بيت من الشعر تستريح إليه نفسي يقول فيه :

إن ربا كفاك بالأمس ما كان

سيكفيك في غد ما يكون

ومنذ أيام كنت أفكر في هذا البيت، فإذا بي أقرأ لكاتبة أمريكية اسمها دوروثى ديكس عبارة جميلة مشابهة تقول فيها : كما احتملت بالأمس .. أستطيع أن أحتمل اليوم .. أما الغد فيوم آخر لن أشقى بما سيحمله لي ولست أعرف ما هو ؟ .

والحق إننا إذا تفكرنا قليلا في هواجسنا ومخاوفنا لوجدنا أن "اليوم" الذى نحتمله الآن ونتدبر فيه أمورنا .. هو نفسه "الغد" الذي أشفقنا على أنفسنا من مواجهته وربما أسرفنا من الخوف منه, وبهذا المنطق لماذا لا نستطيع أن نواجه هذا الغد أيضا .. وأملنا في خالقنا أن يحفظنا ويرعانا كبير ونحن لا نعين أنفسنا عليه بالرجاء والاتكال على حسن اختيار الله لنا فقط وإنما بالمقاومة والعمل والثقة في عدالة السماء وحسن جزائها للعاملين ؟

إنك يا سيدتي سيدة حكيمة, وقد هدتك فطرتك السليمة إلى تجنب الخطأ الذي تقع فيه بعض الأمهات حين يُسرفن في الشكوى لبناتهن من آبائهن, فيغرسن في نفوسهن بذور النفور من الرجال والخوف من الزواج تحسبا لتكرار تجربة شقاء الأمهات فيه .. كما أنك تعملين وتكافحين بشرف لتوفير الحياة الكريمة لابنتك وتعويضها عن يُتمها المعنوي وافتقادها لحنان الأب ورعايته لها .. وقد عرفت بالتجربة أنه لا شئ في الحياة يعدل لحظة صفاء واطمئنان تجمعك مع ابنتك وإن خلت حياتكما من بعض المسرات, ولا أحد يملك أن يطالبك بأكثر ما تفعلين لرعاية ابنتك, لكننا قد نستطيع أن نتدبر معا بإذن الله وسيلة شريفة لزيادة دخلك في بيتك بغير أن تضطري للخروج لعمل إضافي .. ولبريد الأهرام بحمد الله تجارب ناجحة في ذلك.

لكن السؤال هو .. ألم يئن الأوان بعد لكي يتحرك ضمير هذا الأب فيتحمل مسئوليته المادية عن ابنته بعد كل ما جرى ؟

لقد أسود وجهه حين "بُشر" بالفتاة وأبيض وجهه حين بُشر بالولد .. فإذا بمن بشر به يكون نذير عذاب لا نهاية له .. أفلا يدفعه ذلك ليعدل مع ابنته عسى الله أن يرفع غمته ويخفف عنه شقاءه بولده ؟ ألم تحركه هذه المأساة بعد لكي يلتمس رحمة ربه في أداء واجبه تجاه من تخلى عنها كل هذه السنوات.

 إن الكارثة الحقيقية هي أن يجعل بعض الآباء من تنازلهم عن حق حضانة الأبناء لأمهم "مقابلا" غيركريم للتخلي عن مسئولياتهم المادية والأدبية عنهم, مع أن هذه المسئولية قائمة ومتصلة سواء أكانوا في حضانتهم أم فى حضانة أمهم, ومع أن الله سوف يحاسبهم على تقصيرهم في أداء حقوق الأبناء التي تترتب لهم على أبيهم بالميلاد ولا تنتهي إلا باعتماد الأبناء على أنفسهم وقد لا تنتهى طوال العمر عند الرحماء والفضلاء منهم ماداموا قادرين عليها .. ومادام الأبناء في احتياج إليها.

إن منازعة زوجك السابق لك في حضانة ابنتك احتمال غير وارد لأنه غير راغب  حقيقة في تحمل مسئولياته عنها، وإنما هي سلاح فقط يشهره عند الضرورة لكي تكفي عن مطالبته بحقوق ابنته عليه .. وإلا فأين كان طوال السنوات الماضية ؟! وكيف لم تنازعه نفسه لأن يسعى ولو لرؤية ابنته التى احتاجت إلى من يعرفها به حين زارها لأول مرة بعد هذا العمر الطويل ؟ إنه ليس جادا في ضم ابنته إليه وحتى لو كان كذلك فإن ظروف تخليه عنها طوال تلك السنوات ما قد يدفع القضاء العادل لتخيير الإبنة بين الحياة معه أو معك حتى سن الزواج , لكن الأمر لن يصل إلى هذا الحد إن شاء الله كما لن يتخلى عنك وعن ابنتك أبدا من في السماء , فتفضلي بالاتصال بي, وشكرا لك على رسالتك التي ألقت علينا درسا جديدا من دروس الحياة وما أكثر ما نرى ونشهد منها .. وما أقل ما نتعلم ونعتبر.

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات