أداة الانتقام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
قرأت رسالة الشاب الذي رعى والده المشلول وضحى من أجله بفرصته للحصول على الدكتوراه فعوضه الله عنها خيرا كثيرا وأكرمه ربه فى حياته ولم يتخل عنه حين مرض لأنه كان بارا بأبويه.
ورسالتي هذه ليست شكوى لكني أريد أن أتحدث عما يشغلني ويؤرقني مع إنسان لا أعرفه إلا على الورق وأريد ان أسألك كيف يكون إحساسك حين تصفعك ابنتك صفعة معنوية دامية , صفعة بالكلمة والإشارة والنظرة وليست صفعة باليد ؟ لقد ضحيت من أجلها بالكثير وحرمت نفسي من متع الحياة لكي أكفل لها السعادة والحياة الطبيعية .. فماذا كان جزائي ؟ لقد إنفصلت عن أبيها لأسباب لا أستطيع البوح بها ولأن تصرفاته كانت تدفعني إلى طريق مسدود وكنت حين تزوجته صبية صغيرة وكاد يصيبني الجنون وطلبت منه الطلاق وأصررت عليه وكان شرطه الوحيد للطلاق هو أن أتنازل له عن كل حقوقي المشروعة أو أتنازل له عن طفلتي الوحيدة وفضلت أن أتنازل عن كل حقوقي وأتمسك بابنتي وغادرته وطفلتي الوحيدة عمرها تسعة شهور ولم أطلب منه الطلاق إلا بعد أن سدت كل الطرق أمامي .. وأقول لك ذلك قبل أن تلومني على أنى لم أحاول الاستمرار معه والصبر عليه من أجل ابنتي .. فلقد حاولت معه المستحيل وكانت لي ظروفي الخاصة المعقدة وضممت ابنتي إلى صدري بعد الطلاق وتكفلت بها فى كل شئ وتمنيت من الله أن تكوين تعويض السماء لي عن سعادتي المفقودة، وسهرت عليها وعلى رعايتها وتعليمها وتوفير كل ما استطعته لها من امكانيات الحياة ولم أقل لها شيئا عن أبيها كل تلك السنوات وتركتها تنمو وتنضج وتفهم وحدها حقائق الحياة , ولم أدع لها فرصة للومي أو عتابي على أني تركت أباها , ولم أدعها تحس بالحاجة لأي إنسان .. وكان قلبي يرفرف بأجنحته حولها وهي تكبر وتنمو وأراها جميلة ومجتهدة وذكية.
وفجأة يا سيدي وبعد أن كبرت ونضجت طلبت أن ترى أباها, ولم أمانع في ذلك وإن كنت قد تمنيت أن يجئ هذا الطلب منه هو وليس منها, وذهبت ابنتي إليه وتكررت زياراتها وكلما عادت من زيارته رجعت مهمومة باكية ولا تفصح عن سبب بكائها .. ورغم ذلك تعود لزيارته مع أنه يقيم في مدينة بعيدة عن مدينتنا , وحاولت سؤالها عما يحزنها أو يدفعها لزيارة أبيها وعودتها مهمومة من عنده كل مرة فلم تكن تجيب , ثم فجأة بدأت أحس بموت عاطفتها تجاهي ثم بدأت معاملتها لي تتغير وصوتها يعلو معي ويحمل دائما نبرة العتاب واللوم والتهجم , وحرت في تفسير ما أراه وتعجبت هل هذه هي ابنتي التي رعيتها بقلبي وعقلي ومشاعري .. حتى أصبحت شابة تخرجت في الجامعة .. ولماذا أصبحت تحب أن ترى أباها بالرغم مما تلقاه من معاملة جافة من زوجته ؟
وبالرغم من أنه لم يفكر يوما أن يراها ولم يعرف أو يلمس ماذا عانيت من أهوال حتى استقرت فتاة شابة جميلة ذكية , وأخيرا فهمت السبب وعرفت أنه شوه صورتي لديها وقال لها أني هجرته في اللحظة التي كان في أشد الحاجة إلي فيها وإني أخذت كل شئ منه وحرمتها منه وبهدلته ولا أعرف ماذا قال أيضا لكني تعجبت من أن تصدق ذلك ابنتي الذكية وحاولت المستحيل معها لتغير من نظرتها القاتمة الجديدة لي ولكن بلا فائدة .
لقد بدأت أحس بالكراهية لي في عينيها وفي نظرتها وبدأت تعاقبني بتركي وحدي والذهاب لجدتها لأنها تعلم أن ذلك يؤلمني .. وأمرض فأراها غير مبالية وتتركني مريضة وتذهب لزيارة أبيها كما بدأت تتهرب من الزواج وتخالفني وتحرجني في كل شئ .. فالعريس الذي أراه مناسبا تراه غير ملائم والذي لا أراه مناسبا تراه غير ذلك وهكذا.
إن الجميع يقولون لي أن هذا من جراء تدليلي لها لكن تربيتي لها كانت عادية في كل شئ . وكنت اتمنى أن تفهم وتعذر حين تكبر لكنه للأسف لم يعد لي وجود في حياتها .. وأنا أعرف أن أباها ينتقم مني، وأن ابنتي العزيزة هي أداة الانتقام .. لكني لم أفعل شيئا يستحق كل هذه القسوة .. فلقد علمتها وربيتها أفضل تربية ولم أحرمها من شئ ولم أسبب لها أي معاناة .. وها هي تبتعد عني حين احتجت إلى حبها وحنانها.
إني أخاف عليها من هذا الجحود وأخاف عليها من الندم وقلبي لم ولن يتغير تجاهها .. وهي تقرأ بريدك بانتظام وأرجو أن تقول لها شيئا عسى أن تتعظ بما تكتب وتفيق من غفوتها وشكرا لك .
ولــكــاتــبة هــذه الــرسـالــة أقــول:
نعم سأقول لابنتك العزيزة شيئا .. وسأقول لك أنت أيضا يا سيدتي "أشياء".
أما هي فسأقول لها أنه ليس من حقنا أن نحاسب آباءنا وأمهاتنا عما فعلوا بحياتهم حتى ولو انعكس ذلك على حياتنا نحن بالتعاسة والشقاء , إذ لا يملك حق حسابهم على ما فعلوا سوى خالقهم , أما نحن فلا ينبغي أن يكون لهم عندنا إلا حسن الصحبة والوفاء , وأنت يا آنستي حتى لو كانت لديك بعض أسباب العتاب .. ما جدوى الندم بعد انطواء السنين سوى تعذيب الأعزاء ؟
إن بعض أسباب محنتك هو أنك قد حُرمت من دور الأب طويلا في حياتك لهذا فأنت تلومين في أعماقك من حرمك هذا الدور وتنحين عليه باللائمة .. وحين سعيت إلى أبيك ببوصلة الأبناء الداخلية التى تتجه تلقائيا إلى الآباء تعمق إحساسك بما كان ينقصك في حياتك , ورجعت بالمسئولية كلها فيما يبدو على أمك وربما أسهم دفاع أبيك عن نفسه في إقناعك بذلك فاعتبرتها لم تكافح بالقدر الكافي لإنقاذ زواجها ولم تتحمل ظروفها رعاية لحقك في الحياة بين أبوين متعاطفين وضاعف من احساسك بذلك اقتناعك خطأ أو صوابا بأن أمك قد حجبت دور الأب في حياتك أيضا بعد الانفصال استئثارا وضنا بك عليه , فتفاعلت كل تلك المشاعر في داخلك وعبرت عن نفسها في النظرة اللائمة لأمك ولا أجرؤ على أن أقول الكارهة وفي الاحتجاج عليها عن طريق مخالفتها في كل شئ .. وفي الحرص على استمرار زياراتك لأبيك مع إدراكك أن ذلك لا يسعد أمك وإنما يشعرها بأنها تنسحب من بؤرة حياتك واهتمامك إلى هامشها.
وكل ما أريد أن أقول لك بهذا الشأن هو أن استمرار علاقتك بأبيك أمر مشروع ومطلوب , لكن لومك لأمك على ما كان وفتور مشاعرك تجاهها والاحتجاج عليها بالمخالفة والسخط كل ذلك غير مشروع ولا مطلوب ولا مقبول , فالانفصال في النهاية يا آنستي مسئولية طرفين وإن تفاوتت درجة المسئولية عنه بينهما .. فعيشي حياتك في سلام كما ينبغي لفتاة مثلك بلا إيلام لمن أفنت حياتها في حبك ورعايتك وأصبحت أنت محور حياتها ولا ترشحي نفسك للتعاسة والشقاء طوال العمر بجحودك وتنكرك لها .. ولتدعي لربك حساب من أخطأ في حقك إذ حين يكون الجناة هم الآباء والأمهات فإنما نشكو بثنا وحزننا إلى الله ونسأله حسن الجزاء .. بلا لوم لأحد ولا عتاب.
هذا ما أردت قوله لابنتك يا سيدتي, أما أنت فإني أقول لك إن رسالتك تصلح لأن تكون درسا وإنذرا لمن يتعجلون هدم أسرهم عند أول محنة بلا كفاح حقيقي لإنقاذ أبنائهم من التمزق والضياع فمحكمة الأبناء قاسية وحيثياتها تختلف كثيرا عن حيثياتنا ومنطقنا ونحن نتناسى حين نتصرف في حياتنا الخاصة على أساس ما يحقق لنا نحن السعادة أو يعفينا من المعاناة , إنه سوف يجئ يوم يحاسبنا فيه الأبناء على ما ظننا أنه ليس من حق أحد أن يحاسبنا عليه , ولست ألومك على شئ على أية حال بعد هذا العمر الطويل لكني فقط أحاول أن أفسر لك بعض أسباب فتور مشاعر ابنتك تجاهك ولومها الصامت لك .
وبالفهم يمكن أن يتخفف الإنسان من بعض آلامه وتزداد فرصته للالتقاء مع الآخرين .. وأنت فيما يبدو قد أسرفت في الالتصاق بابنتك كأنما قد نسيت أن تقطعي بعد الولادة الحبل السُري الذي يربطها بك , لهذا أصبح من العسير عليك أن تتقبلي احتياجها النفسي لأبيها واقترابها منه بعد أن ربيتها وتعهدتها وحدك كل تلك السنين , ولابد أن تتفهمي يا سيدتي هذا الاحتياج لديها حتى وإن لم يكن الأب هو البادئ بالسعي إليها أو كانت ترجع من عنده باكية مهمومة , فتفهمك لذلك سوف يغير من احساسك بما تعتبرينه جحودا لك , وسيعينك على أن تسلمي لها بحقها في الاقتراب من أبيها .. وحقها في زيارة جدتها وحقها في أن تكون لها حياة خاصة لا تتعارض أبدا مع حبها لك واحتياجها الأكيد إليك .. فالحق إن عدم فهم كل منكما لبعض حقائق الحياة قد إنعكس على كليكما بالعناء وبعض الحيل النفسية اللاشعوية , فأنت تمرضين أو تتوهمين المرض وهي حيلة نفسية معروفة لدى الأطباء يلجأ إليها الإنسان لا إراديا في بعض الأحيان حين يفتقد عطف من يحب ويرغب فى استبقائه إلى جواره واستعادة حبه وهي تهرب من الزواج كحيلة نفسية أخرى تلجأ إليها للتعبير عن خوفها من تكرار فشلك أنت في الزواج وتكرار تجربتها في التمزق بين أبوين كل منها يدين الآخر ويتهمه , وأسوأ ما يفعله أب أو أم هو أن يسعى لتدمير رمز الطرف الآخر لدى الابن بالحق أو بالباطل .. وأن يعجز عن فهم أن الابن يحتاج نفسيا وعاطفيا وتربويا إلى كلا الطرفين مهما كان أحدهما جانيا أو متجنيا في علاقته بالطرف الآخر.
والحياة حافلة بتجارب الألم والسعادة وعلينا أن نتقبلها كما هي ونسعد بما تسمح لنا به من أسباب ونصبر على ما تفرضه علينا من معاناة , ولو تقبل كل منكما حقائق حياته وحقائق الحياة التي لا حيلة له فيها بلا مقاومة نفسية لأراح الطرف الآخر واستراح.
فعسى أن تتجاوزا هذه الأزمة الطارئة سريعا لتصفو لكما الحياة إلى آخر العمر إن شاء الله.
رابط رسالة هاتف الأمان المشار إليها في أول الرسالة
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر