الأيام الخالية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
هنالك
– فيما يبدو – أناساً لهم مكانة رفيعة في دولة المبتلين , وما أوسعها من دولة كما
أن هناك مواقف مفجعة في الحياة يصدق عليها قول الرسول الكريم " هنا تسكب
العبرات ".
عبد الوهاب مطاوع
أنا
سيدة شابة وزوجة وأم لثلاثة أطفال , ومن قارئات بابكم الممتع رغم ما فيه من آلام
وأحزان لفئات كثيرة من البشر , لكن ردودكم الحكيمة تخفف كثيرا من وطأة هذه المشاكل
على أصحابها , ثم شاءت إرادة الله أن أنقطع عن متابعة بابكم لمدة عام وثمانية شهور
لأسباب سأحدثك عنها بعد قليل , وعدت لقراءته لأجد فيه العزاء والسلوى , فكان أول
ما قرأته هو رسالة " العيون الحمراء " لهذا الشاب الذي فقد والده ثم
خاله وبكاهما بكاء حاراً حتى أصيبت عيناه بحساسية تلازمه وتذكره بهذه الذكريات
الأليمة , فوجدت في نفسي الرغبة لأن أكتب قصتي لك , ولأفسر لك لماذا انقطعت عن
متابعة بابكم هذه الفترة .
وقبل
أن أروي لك القصة أقول إنني كنت الابنة الخامسة لأب متدين طيب تاجر ميسور الحال له
ثلاثة أبناء من الذكور وخمس إناث ولأم ربة بيت فاضلة تقية حجت إلى بيت الله مع أبي
, ونشأنا جميعا في هذا المناخ الدافئ المتدين , وسارت بنا الحياة هانئة سعيدة ,
ومنذ عشر سنوات وصلت إلى السنة النهائية في كليتي وتقدم لخطبتي شاب وعقد أبي قراني
عليه وإتمام الزواج بعد الحصول على الشقة , لكن الأيام لم تمهله ليسعد بي كما سعد
بشقيقاتي اللاتي سبقنني إلى الزواج , ففاجأته أزمة قلبية وهو جالس بيننا يحدثنا ,
توفي – رحمه الله – على إثرها , وكانت صدمتي الأولى في الحياة ولوعة الفراق لأبي
العطوف طيب القلب الذي فقدنا معه " السند والعكاز " كما يقول الشاب كاتب
الرسالة في رسالته عن أبيه , وأخلصت أمي لذكراه إخلاصاً نادرا وبعد رحيله بعام
ونصف تم زفافي , وبعد زواجي بعام تزوجت أختي التي تصغرني , ولم يبق في بيت الأسرة
سوى أمي وشقيقين أحدهما أصغرنا سنا يبلغ من العمر 14 سنة , وعوض الله أمي عن فقدها
لأبي بحنان شقيقنا الأكبر الذي يعيش في مدينة أخرى ويعمل بالتجارة وقد جعل الله –
سبحانه وتعالى – منه كتلة من الحنان والعطف , فسخا على أمي بحبه وحنانه وعطائه وعطفه
وحجت إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات بعد وفاة أبي , وكان يأتي لزيارتها من مدينته
البعيدة كل خميس في أحيان كثيرة ويتصل بها تليفونياً كل يوم , ومضت الأيام .
ومنذ
عام وثمانية شهور بدأ شقيقي الأصغر – الذي كان قد بلغ الرابعة والعشرين من عمره –
يفكر في الزواج , واختار قلبه فتاة وتحدث مع أمي بشأنها فرحبت بخطبتها وباركنا
جميعا مشروعه , واتفق أخي الأكبر مع أهل العروس على موعد شراء الشبكة , وعز عليه
أن يترك شقيقه وحده في هذه المناسبة فطلب انتظاره إلى أن يحضر من مدينته البعيدة ليقف
إلى جواره في هذا اليوم بدلا من أبيه , وجاء أخي الأكبر المحبوب من كل من يعرفه
ليؤدي هذا الواجب العائلي ويثلج صدر أمه وإخوته ويشرفهم أمام أصهارهم الجدد فإذا
به وبغير أي مقدمات يقع على الأرض أمام بيت الأسرة ويلفظ آخر أنفاسه بالسكتة
القلبية أيضا , ويرحل أخي الأكبر عن الحياة وهو في الأربعين من عمره تاركا وراءه
أطفاله الصغار , وأصغرهم لم يتم عامه الأول بعد .. وانقلبت أفراحنا مرة أخرى إلى
أحزان وعشش الحزن في نفوسنا .. وراحت أمي المؤمنة الصابرة تحاول هي أن تخفف عنا
الفجيعة وتصبرنا .. حتى بدأنا نجاهد أحزاننا لنخفف عنها هي بعض آلامها .
وفي
هذه الظروف الحزينة توقفت عن متابعة بابك لأني لم يعد في قلبي متسع للآلام
والأحزان .. ثم مضت الأيام تجر أذيالها .. ومر عام وخمسة شهور على رحيل شقيقي
الأكبر , وبدأت الحياة تأخذ دورتها مرة أخرى وبدأنا نفكر في تحديد موعد جديد لعقد
قران شقيقي الأصغر إرضاء له وهو من كان يبكي أخاه بكاءً مراً ويردد دائما : لقد
تيتمت مرتين بوفاة أبي ثم أخي , وتم تحديد الموعد .. وانشغلنا بالإعداد للقران
الذي اتفقنا على أن يتم في المسجد وأن يقتصر على الاحتفال الديني مراعاة للظروف ..
ودفع شقيقي للمأذون العربون وسلم إليه بطاقته الشخصية .. واتفق مع مصور للفيديو
على تصوير عقد القران .. ولم يتبقى إلا ثلاثة أيام على عقد القران وأداء واجب
عائلي طارئ .. هو زيارة ابنة أختي التي ترقد في مستشفى خاص بالقاهرة إثر إجراء
جراحة كبيرة كي تستطيع أمي أن تحضر عقد القران وهي مطمئنة على صحة حفيدتها .
وهكذا
سافرت أمي مع شقيقي العريس وزوجي شقيقتيّ وابنة أختي القاهرة لزيارة ابنة أختي ,
وزاروها واطمأنوا عليها وتأسفوا لأنها ستغيب عن حضور القران وركبوا السيارة سعداء
بأداء هذا الواجب في طريقهم إلى مدينتا , فإذا بسائق نقل فاجر غائب عن الوعي –
بفعل كل أنواع السموم – يظهر فجأة في الطريق وهم على مشارف مدينتنا ويصدم سيارتهم
صدمة مروعة تقتلهم جميعا بلا رحمة : الأم والشقيق الشاب وزوجي الشقيقتين صحيحي
البدن والعافية وصاحبي المركز المرموق واللذين لم يبلغ أطفالهما سن الحضانة , ولا
تنجو من هذا الحادث سوى ابنة شقيقتي رغم ضآلة جسمها وضعفها رحمة من رب العالمين
بنا وبأمها التي فجعت في أمها وأخيها وزوجها وزوج شقيقتها الصغرى , ووقع الحادث
البشع الذي زلزل كياننا وكتبت عنه لهول بشاعته صحيفتكم في مايو الماضي .
وبعد
منتصف الليل بكثير وصل الأعزاء وخرجت المدينة بكل من فيها تودعهم إلى مثواهم
الأخير في موكب تقشعر له الأبدان , والذي نود ألا يتكرر بهذا الشكل المؤلم وبكل
هذا الكم من الأحباء الراحلين .. وبدلا من موكب عرس أخي كان موكب وداع الأعزاء
الذين أصابتنا فجيعتهم بكل أنواع الأحزان معا
.. فأمي وأنت تعرف ماذا تعني
الأم : الحياة بكل ما فيها والمحور الذي أدور في فلكه .. الأخ العريس : الدم
والرحم والأنس والعزوة والحياة بكل مباهجها .
أزواج
الشقيقات : الأهل والعزوة والفخر والتباهي واللمة والألفة .
كل
هذه المعاني الجميلة والأشياء الثمينة انتهت إلى غير رجعة في لحظة لا أدري أكانت
لحظة أم دهراً من الزمان .
إن
قلبي يقطر دما ولم تعد تجدي معه كلمات العزاء وقد كرهت كل شيء : الزمان والأيام
وعملي ونفسي .. وكرهت الصيف والشتاء والليل والنهار وكرهت يوم الأحد الذي مات فيه
أبي , ويوم السبت الذي مات فيه أخي الأكبر , ويوم الثلاثاء الذي مات فيه كل أهلي ,
وأصبحت أتمنى الموت وأخاف من كل شيء وأتخيل أني سأصحو ذات يوم فأجد بقية أحبائي قد
فارقوني بعد كل من فقدت منهم في عام وبضعة شهور , وأخاف من كل دقة على الباب وكل
جرس تليفون وكل ضوء نهار آت خوفاً من أن يحمل إلي نذير شؤم جديد .
إنني
أكاد أجن وأخشى على عقلي من شدة عدم استيعابه لما حدث .. فهل صحيح كما قال الشاب
في رسالة " العيون الحمراء " متحسراً على ذكريات أبيه وخاله ؟ هل صحيح
انتهى برنامج يوم الخميس الذي كانت تجتمع فيه الأسرة ؟ وقد كان لنا بمثابة اللمة
والفرحة والاجتماع عند أمي بعد عناء العمل ومدارس الأولاد وكان نجومه اللآلئ كل
هؤلاء الراحلين وطابعه الضحكة والسمر والحديث في كل الموضوعات والإئتناس بالأحباء
مع الحبيبة الغالية أمي .. ونحن بأمي وبإخوتي وببعضنا البعض في غنى عن الدنيا كلها , وندور في
فلك بعضنا البعض.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أنت
يا سيدتي تعرفين كل ما يمكن أن يقال لك في هذه المناسبات الحزينة ولعلك قد حفظت
معظم مفرداته من كثرة ترديدها عليك , لهذا ليس لدي الكثير مما قد أضيفه إلى ما
لابد قد سمعتيه من الفضلاء من حولك .
غير
أن هنالك – فيما يبدو – أناساً لهم مكانة رفيعة في دولة المبتلين , وما أوسعها من
دولة كما أن هناك مواقف مفجعة في الحياة يصدق عليها قول الرسول الكريم " هنا
تسكب العبرات "
ومع
كل ذلك فلسنا نملك إزاء أحزان الحياة الكبيرة إلا أن نتسلح ضدها بالإيمان والشجاعة
وإرادة الحياة .. وبقبول أقدارنا والرضا بها .. والاعتراف لأنفسنا بأننا مهما
استسلمنا للحزن فلن نعيد غائباً ولن نرد يوماً مضى من أيامنا الحبيبة إلى قلوبنا .. ولن نورث أنفسنا سوى
أكباد مقروحة وأجساد عليلة تتحالف مع أحزان الحياة علينا بعد أن خسرنا كل ما خسرنا
, واستسلامك للحزن والخوف من المجهول – ولك بعض العذر فيه – يرجع في تقديري إلى
رفض عقلك استيعاب ما حدث والتسليم به كحقيقة من حقائق الحياة المؤلمة التي لا نملك
لها دفعاً , وليس من
الحكمة ولا من كمال الإيمان أن يظل الإنسان أسيرا لموقف رفض ما حدث مهما كان مفجعا
بغير أن يخطو خطوة إلى التسليم به وقبوله والتعامل مع الواقع على أساسه , فبذلك
فقط نتخفف بعض أحزاننا .. وتسلمنا تدريجياً إلى نوع من الحزن الرفيق الذي يمكن
معايشته واحتمال الحياة معه.
ولا
مفر من ذلك ولا سبيل لنا سواه إذ مادمنا لا نستطيع أن نغادر الحياة أو فندق الصيف
الذي يستقبل النزلاء ويودع المغادرين كل حين - كما كان يسميها الشاعر الألماني
جوته - قبل موعد الرحيل فلا مفر أمامنا من أن نحاول أن نجعل إقامتنا
فيه محتملة وليست جحيماً متصلاً تتقرح جلودنا فيه من لهيب الألم , والشاعر العربي
يقول مخاطباً ابنه الذي احتسبه عند ربه :
أقــــرة عيني لو فدى الحيُّ ميتاً
فديتك بالحوبـــاء أول من يفدى
لكن
هل يملك " الحي " حقاً أن يفدي راحلا .. بل هل يملك هو من أمر نفسه شيئا لكي يقدم
فدائه أو لا يقدمه .. وهل نملك إلا أن نتصبر وأن نقول مع كل المبتلين والمهمومين
" يا نفس لا تراعي " وإلا أن نردد معهم قول الحق سبحانه وتعالى
" وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا "
مهما
تعددت الأسباب واختلفت الظروف .. لا نملك غير ذلك فاهدئي نفساً يا سيدتي .. ولا تخشي على عقلك شيئا
.. فأنت إنما تعانين من لسعة النار الحارقة التي لم يبرد أوراها بعد , لكنها لابد
أن تخمد تدريجياً وسوف تخمد لأن للإنسان قدرة هائلة على احتمال الآلام ومواصلة
الحياة طاوياً عليها جوانحه خاصة إذا ساعد نفسه على استدعائها لمواجهة أحزانه
فاستجمعي قواك الداخلية للصمود أمام هذه المحنة الأليمة وتشاغلي عن أحزانك بالتماس
السلوى والعزاء في أعزائك الباقين من حولك , وازدادي رعاية لهم والتصاقا بهم .. لأنه عند هبوب العاصفة
تتلاصق الأجساد لكي تستمد من تماسكها قوة تثبت أقدامها في الأرض وتمنع اقتلاعها .. وانشغلي برعاية ورود
الحديقة الباقية وافرغي في رعايتها كل أحزانك , وهي جديرة بذلك حقاً , لأن قيمتها
تزداد وتتضاعف في وجداننا بعد أن عصفت الرياح ببعض أزهارنا الغالية , أما عن رجائك
لفضيلة الشيخ الشعراوي بزيارتكم فلست أعرف ما إذا كانت ظروفه وصحته سوف تسمحان له
بتلبية هذا الرجاء أم لا .. لكني سأبلغه له على أية حال وأرجو أن تكتبي إلى برقم تليفونك أو
أبلغيني به مساء الاثنين القادم تليفونياً فلعله يستطيع أن يتحدث إليكم على الأقل
فتصبري يا سيدتي :
"
ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا و أوسع من الصبر "
كما جاء في الحديث الشريف وشكرا .
كتب النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر