العيون الحمراء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
أصحاب القلوب الرحيمة المؤمنة لا يغالون في الحزن على راحل , لأنهم يعلمون علم اليقين أن كل شئ إلى زوال .. ولا يبالغون في الفرح لشئ لأنهم يعرفون أنه مهما علا قدره من عرض الدنيا الذي لا يدوم .. لهذا فهم يحزنون باعتدال ويفرحون باعتدال أيضا .. ولا يخرجهم عن طبيعتهم حزن طاغ ولا فرح باهر.
عبد الوهاب مطاوع
كنت حتى السنة الماضية ابنا وحيداَ لأبى وأمي .. تجمعنا بأسرة خالي
علاقة حميمة بسبب قرابة أبى لأمي .. فاعتدنا منذ طفولتي على قضاء ليلة الخميس ويوم
الجمعة معاً في بيتنا أو في بيت خالي نتسامر ونتناول الطعام ونمرح سويا .. وينقضي
اليوم في لحظات كنسمة خفيفة تهب على حياتنا مرة كل أسبوع .. فنعود إلى بيتنا أو
تعود أسرة خالي إلى بيتها على أمل اللقاء في الأسبوع القادم.
أما في الأجازة الصيفية , فكنا نقضى الإجازة السنوية معا في أحد
المصايف.. وعندما كانت ظروف عمل أبي لا تسمح له بالأجازة , كان خالي يصر على
اصطحابي معهم إلى المصيف لأقضي معهم بضعة أيام من أجمل أيام عمري .. ثم لا أطيق
البعاد على جناح الشوق .. وقد زاد من عمق هذه العلاقة حب خالي العميق لأبى , فأبى
يا سيدي من هذا النوع من الناس الذي انعم الله عليه بشباب الجسم ونور الوجه , حتى
إن زملائي بالجامعة كثيراً ما اعتقدوا أنه أخي الأكبر, إلى جانب سماحة أخلاقه وعمق
إيمانه بالله وترحيبه الدائم بخدمة الناس في عمله خاصة الضعاف منهم .. وقد رأيته
يرحب بأقل الناس شأنا أفضل مما يرحب بأعظمهم قدرا, ورغم أن راتبه كراتب أي موظف
حكومي إلا أن صغر حجم أسرتنا قد ساعدنا على أن نحيا حياة كريمة بغير الاحتياج إلى
أحد .. ولأني وحيد أبوي فقد انصب علي حنانهما ورعايتهما, فرباني أبي على حرية
الرأي والتشاور معه والثقة فلم أهزها يوما واحدا في حياتي والحمد لله .. خاصة أن
أبى كان دائم الافتخار بي أمام الجميع ابتداء من سائق التاكسي الذي قد نركب معه في
الطريق بالصدفة إلى زملائه وأصدقائه.. وكان دائما سندي وعكازي في الحياة .. ودائم
الدعاء لي في صلاته التي يحافظ عليها بانتظام .. ويجيبني دائما كلما شكوت له من
صعوبة مادة من مواد الدراسة أو من أيه مشكلة تواجهني : أد واجبك وقل بعد ذلك يا
بركة " دعاء الوالدين " فتطيب نفسي وأستجمع قواي للمذاكرة أو لمواجهة
المشكلة التي تصادفني.
وذات يوم في رمضان العام الماضي تناولت مع أبي وأمي طعام الإفطار ثم
أدى أبى صلاة المغرب ونهض ليرتدي ملابسه للخروج مع أحد أصدقائه لقضاء خدمة لأحد
الأقارب , وجاء الصديق ليصطحبه بسيارته , فغادر البيت معه أنيقا كعادته , فوجدت
دافعا يدفعني للخروج إلى الشرفة لأطل عليه وألقى نظرة على بدلته الأنيقة وحذائه
اللامع.
ولم يكن ذلك من عادتي فإذا به يفاجئني برفع رأسه لأعلى ويبتسم لي
كأنه يعرف أنى أرقبه , ثم ركب سيارة صديقه وانطلقا بها, وعدت لمذاكرتي استعدادا للامتحان
القريب بعد 15 يوما.. وتأخر أبي في العودة , فطلبت من أمي إعداد السحور لأنام
مبكرا وتناولته .. ورحت في نوم عميق , ثم صحوت مفزوعا على صراخ ظننته حلما فإذا به
حقيقة , فنهضت مندفعا لأجد أبي مستلقيا على سريره بوجهه المضيء الهادئ..وأمي تصرخ
وتبكي .. لقد مات أبي يا سيدي .. مات وهو في الرابعة والأربعين من عمره ينفجر
شبابا وحيوية , فقد أصيب وهو في بيت من ذهب إليه لقضاء خدمة قريبه بأزمة قلبية
لأول مره في حياته , فأسرعوا بنقله إلى المستشفى أو عيادة أحد الأطباء, فإذا بأبي
يصر على أن يعيدوه على بيته وإلى زوجته وابنه الوحيد ليرقد بينهما .. فما أن وضعوه
في سريره حتى أطمأنت نفسه وأغلق عينيه في هدوء وانتقل إلى جوار الله .. واستوعبت
الحقيقة القاسية بصعوبة .. فوجدت نفسي أهذى بكلمات غريبة ودموعي تنساب من عيني بلا
تحكم فيها .. ومن حولي أصدقاء وأقارب يواسونني ويقولون لى لقد لقي وجه ربه وهو
صائم فى فجر يوم الجمعة .. ووافته الأزمة وهو يسعى فى قضاء مصالح الناس .. وغاب من
الحياة في لحظة بلا ألم فأي نعيم ينتظره .. فأحاول أن أتعزى بذلك لكن دموعي لا
تتوقف عن الجريان رغما عني .. وفى اليوم التالي شيعناه إلى مثواه الأخير
وعرفت لحظتها قيمة حب الناس .. فقد سار وراءه جمع غفير عقب صلاة الجمعة , وخرج معه
أربعة أشخاص فضلاء من السنيين الذين اعتادوا الاعتكاف فى المسجد في أواخر رمضان ..
وحملوه بأيديهم ووسدوه الثرى بلا أدنى معرفة بهم .. وعدت إلى بيتي الذي تفتحت
عيناي فيه على رعايته وسماحته وحبه لي ولكل الناس ودموعي تسح بلا انقطاع رغم
محاولاتي لكبحها .. وكان أول ما فكرت فيه هو أن أعتذر عن عدم دخول الامتحان القريب
.. وعزفت أمي عن أن تضغط علي لدخوله , لكن خالي أصر على أن أقاوم أحزانى وأحقق
حلم أبى وهو يبلل كتفي بدموعه .. فاستجبت لرغبته وهو أبى الثاني الذي لم يبق لي
غيره في الحياة .. ودخلت الامتحان معتمدا على ما أتذكره من حضوري للمحاضرات ..
وأديته وخرجت وأنا على يقين من رسوبي أو على الأقل نجاحي بمادتين أو مادة .. ومضت
أسابيع فإذا بزملائي يندفعون إلى بيتي بفرح ليبلغوني بنجاحي بلا مواد .. فيتحول
البيت إلى مناحه جديدة وأمي تحتضنني وتبكى وأنا أبكى بلا انقطاع وبلا إرادة .. منذ
وفاة أبى وكل من حولنا ينظرون إلينا ويغالبون دموعهم .. وعرفت لحظتها ما كان يعنيه
أبى ببركة دعاء الوالدين .. وبدأت أتماسك لأواجه الحياة .. لكن آثار البكاء
اللاإرادي الطويل أثرت على عيني .. فأصبت باحتقان شديد أستغرق علاجه فترة .. وخلف
لي حساسية مزمنة أدت إلى احمرار دائم بعيني اليسرى حتى الآن .. وتحاملت وبدأت أعود
نفسي على مواجهة الحياة بغير أبى .. وكم هى صعبة الحياة بغير سند ولا عكاز.
وتخرجت في كليتي منذ شهر وحصلت على شهادتي بتقدير جيد كما كان أبى
يأمل ويرجو.. لكن أين أبى الآخر الذي كنت أظن أنى سأسعده بنجاحي وسيكون سندي
وعكازي في الحياة بعد أن ضاع سندي الأول وأنكسر عكازي الأساسي .. وما قيمة الأشياء
حين تجئ بعد رحيل الأحباء .. وغياب من كانوا سيسعدون ويفخرون بها على العالمين ..
وهل تتغير قيمة الأهداف في الحياة بتغير ظروف من يسعى إليها .. ولماذا لم يعد
يبهجني شئ .. ولا يعدني شئ بالفرح أو بالسعادة .. خاصة كلما نظرت إلى المرآة ورأيت
عيني اليسرى الحمراء فتذكرني بمن فقدت خلال رحلة الحياة.
ولكــاتـــب هـــذه الـرسالة أقـــول:
أصحاب القلوب الرحيمة المؤمنة لا يغالون في الحزن على راحل , لأنهم
يعلمون علم اليقين أن كل شئ إلى زوال .. ولا يبالغون في الفرح لشئ لأنهم يعرفون
أنه مهما علا قدره من عرض الدنيا الذي لا يدوم .. لهذا فهم يحزنون باعتدال ويفرحون
باعتدال أيضا .. ولا يخرجهم عن طبيعتهم حزن طاغ ولا فرح باهر.
فكن يا صديقي من أصحاب القلوب المؤمنة وطيب نفسا إذا حمّ القضاء,
وتتجلد لمواجهة الحياة التي تتطلب منا كل ما فينا من شجاعة وصبر للصمود لها ..
والوفاء الحقيقي لأعزائنا الراحلين هو أن نحقق آمالهم فينا.. فكن مثل أبيك
وجها مضيئا في وجوه الآخرين وقلبا محبا لهم, وضميرا ساعيا في قضاء مصالحهم حين
تملك أن تخدم الآخرين وتخفف عنهم .. ومحبا لضعاف الناس ومقبلا عليهم كما كان أبوك
يفعل في حياته القصيرة الحافلة بالعطاء للجميع .. ترد لأبيك دينه وتسعد بك روحه
الطاهرة فى علاها.
أما عن فتورك في استقبال شهادتك التي كنت تحلم بها .. وتساؤلك ما
قيمة الأشياء حين تجئ بعد رحيل الأحباء .. فإني أقول لك أن قيمة الأهداف نفسها لا
تتغير, لكن سعادتنا وابتهاجنا بتحقيقها هو الذي يتأثر بعض الشئ حين تجئ ,
وقد رحل عن حياتنا من كان يسعدهم أكثر منا توصلنا إليها, ومن كنا نود أن نبهجهم
بها لتزداد رضا عما حققناه .. وليس ذلك مقصورا فقط على افتقاد الأحباء خلال رحلة
الحياة, فهو يتكرر أيضا حين تتحقق الأهداف بعد فوات الأوان .. كأن يجئ النجاح
المادي مثلا بعد أن يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع به , أو بعد أن يفقد صحبته
فلا يعود قادراً على الاستمتاع بشئ مهما كان قدره .. وأنا شخصيا كثيرا ما أحسست
بما تحسه أنت الآن حين أحقق هدفا صغيرا من أهداف خيالي , فأتلفت حولي لأبحث عمن
كانوا سيسعدون به مثلى وربما أكثر منى فلا أجدهم, فتختلط سعادتي بما نلت بافتقادي
لمن تمنيت أن يشاركوني الابتهاج به , ولا بأس فى ذلك .
فهكذا الحياة يا صديقي أفراح تستدعى بعض ذكرياتنا الحزينة , وأحزان
يمازحها الرجاء في رحمة الله .. وما الدنيا فى مجموعها سوى تعاقب البهجة والألم ..
ولست وحدك في أحزانك فقديما قالت الخنساء في رثاء اخيها:
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يكون مثل أخي ولكن أعزى النفس عنه بالتأسي
فليعزّ كل إنسان نفسه عمن يفتقده بالتأسي عنه .. ولتنظر أنت إلى
الأمام بوجه مبتسم مهما كانت مرارة الأحزان .. فغدا يوم جديد .. ولسوف يأتي يوم
قريب تصبح فيه أنت عكازا يستند غليه الآخرون وتتحقق كل أحلامك قريبا بإذن الله.
رابط رسالة الأيام الخالية تعقيبا على هذه الرسالة
* نشرت سنة 1990 في باب بريد الجمعة بجريدة الأهرام
نقلها من مصدرها / بسنت محمود


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر