هدوء العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
إن ما نحصل عليه بثمن رخيص ننظر إليه غالبًا بدون اهتمام أما ما نحصل عليه
بالثمن الغالي فهو وحده الذي يستحق البقاء والاهتمام والتكريم ! هكذا كتب ذات
اليوم الكاتب الإنجليزي توماس بين .. وهي كلمة صادقة تنطبق بدقة على مواقف كثيرة في
الحياة.
عبد الوهاب مطاوع
لا أعرف هل
تذكرني أم لا إنني السيدة التي كتبت لك رسالة نشرتها منذ أكثر من 3 شهور تحت عنوان
"قلب العاصفة" وتفضلت بإبداء الرأي والمشورة في قصتي التي رويتها لك ،
وكان ملخص قصتي أنني نشأت بين أب صارم لا يعرف إلا إصدار الأوامر بسبب نشأته
العسكرية وأم طيبة مستكينة وشقيقين ، والتحقت بإحدى كليات جامعة الإسكندرية فأقمت
مع جدي في الثغر بعيدًا عن بيت أسرتي ، وتعرفت خلال دراستي بشاب مهذب هو ابن صديق
لجدي ونما بيننا حب طاهر عميق ، ثم أنهيت دراستي وعدت إلى القاهرة وانتظرت تخرج
فتاي في كلية الطب حتى تخرج وجاء مع أبيه وجدي لمقابلة أبي رجل الأعمال فردهم
بجفاء بحجة أن فتاي ليس من مستواي الاجتماعي ولا يحق له أن يطمح في الزواج مني ،
ورويت لك أنني عشت على أمل أن يغير أبي رأيه عامين ثم يئست من ذلك نهائيًا بعد
وفاة جدي رحمه الله .. فاستسلمت وقبلت تحت ضغط أبي الزواج من شاب آخر وجد فيه
الشروط الملائمة لعريس ابنته ، وكيف صارحت خطيبي بقصتي وحاول بإخلاص أن ينسيني
آثار تجربتي السابقة ، وتزوجنا لمدة عام ولم نختلف خلاله يومًا واحدًا لكنه أحسّ
أنه لم ينجح معي فتفاهمنا على الانفصال بلا مرارة وطلقت ثم نقلت إلى فرع الشركة
التي أعمل بها في الإسكندرية ، والتقيت بفتاي الأول وكان قد تزوج من ابنة أستاذه
الطبيب الكبير ويعمل معه في عيادته ومستشفاه ويستعد للحصول على الماجستير بمساعدة
صهره ، وروى لي أنه لم ينجح في نسياني وأن زوجته لا تكف عن تذكيره بفضل أبيها عليه
، واعترف كل منا أنه لن يسعد إلا مع الآخر فتزوجنا على الفور وأبلغت أمي بالخبر
لتتولى إبلاغ أبي فهبت علينا العواصف من كل جهة ، فأبلغ أبي صهر زوجي بما حدث
وحاول الطبيب الكبير أن يقنعه بتطليقي وهدده بأن زواجي منه سيدمره لأنه سيفقده
عمله في العيادة والمستشفى ولن يحصل على الماجستير ولن يجد عملاً في الإسكندرية ما
دام هو على قيد الحياة ، فترك زوجي عمله في العيادة والمستشفى وصرف نظر عن رسالة
الماجستير ، وتوالت علينا العواصف والمشاكل فاتصل صهر زوجي بمديري في العمل وافترى
عليَّ – سامحه الله – عدة افتراءات ونجح بنفوذه في وقفي عن العمل والتحقيق معي
واستمر التحقيق مفتوحًا بلا داعٍ إمعانًا في إذلالي وحاصر بنفوذه زوجي الطبيب
الشاب فلم ينجح رغم تكرار التقدم لفرص العمل في الحصول على عمل وقاطعني أبي
نهائيًا وأكد لي أنه لن يعترف بهذا الزواج وأنه سيحرمني من كل شيء وأصبح يغلق
سماعة التليفون كلما حدثته وسد أبواب رحمته في وجهي وقاطعني تمامًا فلم يعد لي أحد
سوى أمي التي لا تملك من أمرها الكثير خاصة بعد سفر الشقيقين للدراسة في أوروبا.
وكتبت أروي لك كل ذلك وأسألك لماذا يغضب منا
الآخرون ونحن لم نفعل شيئًا يغضب الله وسألتك ماذا نفعل حتى نعيش في سلام وبلا
حروب في الرزق وبلا ضغوط من جانب أبي وأنني لا أريد مالاً من أبي لكني أريد عطفه
وحنانه واعترافه بزواجي ممن أحببت فقط ، فرددت عليَّ بأن لكل اختيار في الحياة
تبعاته التي ينبغي أن نتحملها راضين بها ما دمنا قد اخترنا بملء إرادتنا حياتنا
ونحن نعرف ما سوف ندفعه من ضريبة لهذا الاختيار وقلت لي أننا الآن في قلب العاصفة
وقمة هياجها وأن أفضل ما نفعله هو أن يتشبث كل منا بالآخر لكيلا تقتلعه الرياح
الهوجاء إلى أن تهدأ العاصفة ولابد أن تهدأ بعد حين ويتكفل الزمن بعلاج الجراح ،
وتمنيت ألا يكون لزوجي أطفال من زوجته الأولى يدفعون ثمن اختيارنا لسعادتنا على
حسابهم حتى تصفو لنا الحياة بلا مرارات وطالبتني بألا أيأس من محاولة استرضاء أبي
إلى أن يرضى ذات يوم وبالصبر والصمود للعاصفة إلى أن تخمد .. ثم نشرت في الأسبوع
التالي أن أحد قرائك الأفاضل على استعداد لأن يوفر عملاً لزوجي .
واليوم أكتب لك
لأشكرك على نصائحك التي عملنا بها وشدت من أزرنا ولأطمئنك إلى أن زوجي لم ينجب من
زوجته الأولى أطفالاً والحمد لله ولأزف إليك بشرتين سعيدتين في حياتنا الأولى هي
أني حامل في شهري السادس وأن الطبيب قد أخبرني بأني سأرزق بتوأم إن شاء الله
والثانية أنه بعد نشر الرسالة قرأها طبيب فاضل يملك مستشفى في الدولة التي يدرس
بها شقيقاي وعرف منهما أنني شقيقتهما فأبدى استعداده لأن يوفر لزوجي عملاً في
مستشفاه وأن يساعده في دراسته العليا وبالفعل أرسلنا أوراق زوجي إليه .. وسوف
يتسلم عمله خلال أيام بإذن الله لكني لم أشأ أن أكتب لك بهذه الأخبار السعيدة إلا
قبل سفرنا من مصر بيومين خوفًا من أن يعرف صهر زوجي أو أبي الخبر عند نشر الرسالة
فيحاولا منعنا من السفر بطريقة أو أخرى ، وقد تعلمنا مما تعرضنا له من أهوال خلال
الشهور الماضية أن نتعلم الحذر ، وأن نفوذ صهري أكبر مما كنا نتصور وحين يصل إليك
خطابي هذا نكون قد حططنا الرحال في بلاد الغربة غريبين في بلاد غريبة – كما يقولون
– لكن الحب يجمعنا .. والأمل يضئ قلوبنا بحياة هادئة سعيدة وقد قررنا أن نؤدي
العمرة شكرًا لله بعد ولادتي إن شاء الله.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
ما نحصل عليه
بثمن رخيص ننظر إليه غالبًا بدون اهتمام أما ما نحصل عليه بالثمن الغالي فهو وحده
الذي يستحق البقاء والاهتمام والتكريم ! هكذا كتب ذات اليوم الكاتب الإنجليزي
توماس بين .. هي كلمة صادقة تنطبق بدقة على قصتك وعلى مواقف كثيرة في الحياة ولقد
كانت العواصف الهوجاء التي هبت عليكما جزءًا من هذا الثمن الغالي الذي حصلتما به
على سعادتكما .. لهذا فهي جديرة بالاهتمام والرعاية والاستمرار لكيلا تذهب
معاناتكما بلا طائل ، واستمرار جفاء أبيك لك بعد كل ما جرى هو أيضًا جزء من هذا
الثمن الغالي .. وإن كان باهظًا وقاسيًا ولا مبرر لاستمراره . لقد هدأت حدة
العاصفة من حولكما .. لكنها لم تخمد نهائيًا بعد ، لا تنسيا أبدًا يا سيدتي هذا
الثمن الغالي لكي تدركا دائمًا قيمة السعادة وأهمية استمرارها وحمايتها من صدأ
الاعتياد .. وفتور الأيام .
أما أبوك فلا
تكفَّي مرة أخرى عن محاولة استمالته واسترضائه ولا تفقدي الأمل في ذلك مهما أبدى
لك من جفاء .. واكتبي إليه من الخارج في كل مناسباته العائلية وفي الأعياد ،
وابعثي إليه بصورة طفليك القادمين بإذن الله لعلها تحرك مشاعره وتذكره بما يحاول
عبثًا تجاهله وهو أنك ابنته وهو أبوك مهما صنعت تصاريف الأيام . ولا تتوقفي عن
الكتابة إليه ولو لم يرد على رسائلك لأنك إنما ترجين رضاء ربك قبل رضائه ولابد أن
يلين قلبه ذات يوم . والكلمة الوحيدة التي أوجهها له بناءً على رغبتك هي : يا سيدي
لقد قُضي الأمر وتزوجت ابنتك على سنة الله ورسوله وهي تنتظر الآن طفلين سيجيئان
إلى الحياة بعد أسابيع .. ولن تتخلى عن زوجها الذي اختارته وسارت معه على طريق
الأشواك وتوثقت روابطها به بالحمل .. فماذا يجدي الآن إصرارك على قطيعتها سوى أن
تحرم نفسك من ابنة تتحرق شوقًا إلى رضائك عليها ولا تطلب منك شيئًا سوى ذلك.
يا سيدي إن العدل والرحمة والحكمة تطالبك بألا
تغلق أبواب قلبك في وجه ابنتك .. وبألا تقطع ما بينك وبينها ، لقد أطاعتك ابنتك في
زواجها الأول الذي تم بمعاييرك أنت فشقيت به ، ثم تزوجت على غير إرادتك بمن أرادته
منذ البداية وأعيتها كل الحيل في إقناعك به ، فسعدت معه وحملت منه ولم يفرق بينهما
شيء .. وأقدمت على ذلك لأنها كانت تعرف جيدًا أنها لن تحصل على موافقتك مهما فعلت
.. وهي تعترف لك بأنها أخطأت في ذلك لكن عذرها أنها لم تستطع أن تدع فرصة السعادة
أن تفلت من بين يديها حين جمعتها الأقدار مرة أخرى مع من أرادته وانتظرته طويلاً
.. فهل يستحق ذلك كل هذا العقاب القاسي ؟ وألا يحق أن تحن إليها وتئن عليها أحشاؤك
كما تحن هي إليك وتئن عليك أحشاؤها ؟ يا سيدي إن قيمة الإنسان الحقيقية تتحدد بمن
يعنيهم أمرنا وبمن يمثل لهم رضاؤنا عنهم أو جفاؤنا لهم شيئًا ذا قيمة واعتبار ..
فلماذا تريد أن تحرم نفسك من ابنة شابة سعيدة في زواجها ومن ابن شاب جديد هو زوجها
لم تتكلف جهدًا في تربيته وتعليمه ويحمل لك مشاعر الاحترام والتهيب ويتحرق لنيل
قبولك ورضاك ثم من أحفاد صغار سوف يأتون من عالم الغيب .. فيمثلون امتدادك وتواصلك
مع الحياة ، هل حقًا تريد أن تحرم نفسك من كل هذه "النعم" التي يتلهف
غيرك على بعضها .
ومن تعاقب سوى نفسك إذا أصررت على أن تحرمها من كل ذلك ؟ يا سيدي إن الله يغفر الذنوب جميعًا .. فكيف لا تتسع رحمتك لما فعلت ابنتك وهو هيِّن ، فإذا كنت تقدر كل ذلك فترقب أول رسالة تصل إليك من ابنتك .. وأعلن صفحك عنها يهدأ خاطرك وتصفو حياة ابنتك من الكدر .. وتهنأ قلوب أمها وشقيقيها وزوجها ويتضاعف احترامك وإجلالك في عيون الجميع . فهل تفعل ذلك حقًا ؟!
شارك في
إعداد النص / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر