الحلم المتأخر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

 الحلم المتأخر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

الحلم المتأخر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004


إن بعض مواقف الحياة قد تجرفنا‏، إن لم نتنبه لذلك إلى تحديات مع أقرب البشر إلينا يكون انتصارنا فيها أكثر إيلاما لنا في الحقيقة من هزيمتنا‏ .. لأننا لا ننتصر فيها للأسف إلا على فلذات الأكباد، ولأننا نتجرع مرارة هزيمتهم قبل أن يتجرعوها‏، كما أن الانتصار الحقيقي هو الذي يتحقق على أهواء النفس وأنانيتها وميلها الغريزي للتسلط علي الأحباء‏، وليس علي ثمرات القلب وأحلامهم البسيطة‏.

عبد الوهاب مطاوع 


قرأت رسالة الخروج من الشرنقة للشاب الذي يشكو من محاولات والدته السابقة لإفساد أي مشروع زواج يقدم عليه‏..‏ ثم من محاولاتها بعد أن تزوج للاستئثار به دون زوجته‏,‏ ومحاولتها إجهاضها بعد أن حملت‏,‏ إلى آخر ما جاء في رسالته‏..‏ وقد دفعتني هذه الرسالة لأن أروي لك قصتي عسى أن تستفيد بها بعض الأمهات اللاتي يحتجن إلى النصيحة‏,‏ فأنا سيدة تزوجت من محاسب عمل لفترة طويلة بالخارج ‏..‏ وصاحبته في مقر عمله بضع سنوات في البداية‏,‏ ثم حين تقدم الأبناء في مراحل الدراسة استقر رأينا على أن أرجع بهم إلي مصر ليواصلوا دراستهم وأتفرغ لرعايتهم‏..‏ على أن يأتي زوجي إلينا كل ستة أشهر‏,‏ ويقضي معنا شهر الإجازة الصيفية‏..‏ أو نذهب إليه نحن فيها‏..‏

 

واستقرت حياتنا على هذا النحو‏..‏ وارتبطت خلال هذه الفترة بابني الاثنين ارتباطا شديدا حيث أصبحت بمثابة الأب والأم والمرشد والصديق لهما‏,‏ ولأنني قوية الشخصية بطبعي فلقد فرضت عليهما سيطرتي الكاملة‏..‏ بحيث لا يخطوان خطوة دون استشارتي وقبولي‏..‏ وإذا غضبت على أحد منهما انزوى خجلا وراح يستعطفني أن أسامحه وأعفو عنه‏,‏ أما زوجي فكان قد استسلم لسيطرتي عليه منذ البداية‏ ..‏ وراح يستجيب لكل طلباتي المادية والعائلية‏..‏ ورحت أنا أنفق ببذخ على نفسي وبيتي وأشتري أشياء ربما لا أحتاج إليها‏,‏ لكني أتلذذ بعملية الشراء نفسها‏,‏ وأشعر بالفخر وأنا عائدة من الشارع محملة بأكياس الحقائب الجلدية والأحذية والملابس والإكسسوارات‏,‏ وتسعدني تعليقات الجارات والصديقات على كثرة مشترياتي‏..‏

 

وواصل الابنان دراستهما إلى المرحلة الجامعية‏..‏ وتخرج الابن الأكبر‏..‏ وكالعادة أحب ابنة الجيران وأراد أن يتزوجها وفاتحني في ذلك فرفضتها على الفور لأنها من أسرة عادية وليست ثرية‏,‏ ولم اقتنع بما قاله لي من أنه يحبها ولن يجد سعادته إلا معها‏,‏ لأنني لا أعترف بالحب ولا أؤمن به‏..‏ وأؤمن فقط بأن الزواج لابد أن يكون متكافئا بين الطرفين في المال‏..‏ وحبذا لو كانت العروس أكثر ثراء لكي تشتري أثاثا فاخرا وتسهم بدخلها في نفقات الحياة‏..‏

ولم يقتنع ابني برأيي‏..‏ وصدمت لمخالفته لي لأول مرة‏..‏ لكني لم أستسلم للغضب حين ألح علي بالموافقة على اختياره ومساعدته على خطبة فتاته‏,‏ وقررت أن أتبع معه طريقة أخرى‏,‏ فأقنعت أباه بأن نسايره ونتظاهر بالموافقة على اختياره‏,‏ ثم أقوم أنا بطريقتي الخاصة بتدمير هذه العلاقة وإنهائها‏..‏ وفعلنا ذلك وسعد ابني كثيرا بتغير موقفي وصحبناه إلى بيت أسرة الفتاة لقراءة الفاتحة وتقديم الدبلة ـ وتظاهرت بالفرح والابتهاج بخطبة ابني‏.‏

 

ومن الأيام التالية على الفور بدأت في التخطيط لإفشال هذه الخطبة‏..‏ وكان سلاحي هو الاستعلاء والتكبر على أسرة الفتاة‏,‏ وانتهاز كل فرصة لإشعارها بتكبري عليها وبالفارق الاجتماعي والمادي بيننا وبينها‏..‏ وافتعال المشاكل معها‏..‏ ومحاولة الإيقاع بين ابني وفتاته‏,‏ لكنهما صمدا للعجب أمام كل هذه المحاولات وازدادا تمسكا ببعضهما بعضا‏..‏ فلم أجد في النهاية من وسيلة لتشويهها هي وأسرتها سوى الادعاء بأنهم طامعون في مالنا لأنهم فقراء‏.‏ ورحت أردد هذا الكلام في كل مكان لكي يصل إلى أسرة الفتاة‏..‏ وعاتبني بعض الأهل على ذلك فلم أستجب لهم‏..‏ وواصلت حملتي على أسرة الفتاة‏..‏ حتى حققت أغراضها وشعر والدها بجرح كرامته‏,‏ وتحدث إلى ابني أكثر من مرة‏..‏ وعاتبني ابني‏,‏ فأنكرت‏,‏ ولم يتحمل والدها الإهانة فبادر هو بفسخ الخطبة وحبس ابنته في البيت ومنع ابني من زيارتها أو الاتصال بها‏..‏ وشعرت أنا بالزهو والانتصار‏..‏ وتظاهرت بالأسف لفشل الخطبة‏,‏ ووعدت ابني بأن أرشح له من هي أفضل منها‏..‏ ولم يرق قلبي له وأنا أراه حزينا مكتئبا ويشعر بالإهانة‏,‏ وانزوى ابني في غرفته لا يغادرها إلا إلى العمل‏,‏ وتوقف عن الكلام معي ومع أبيه‏..‏ ولم يعد يتحدث مع أحد سوى شقيقه الذي يصغره بعامين‏,‏ وبعد عدة شهور تزوجت الفتاة بإلحاح من أبويها من شاب مناسب وانتقلت إلى مسكن الزوجية‏,‏ وعلم ابني بذلك فازداد صمتا وانطواء وبعدا عنا‏,‏ وبعد شهور أخرى فوجئنا به يجمع ملابسه وأشياءه الخاصة‏,‏ ويقول لنا إنه قد تعاقد للعمل في إحدى الدول العربية وسيسافر إليها الليلة‏!‏

 

ودهشنا كيف لم يبلغنا بذلك من قبل‏,‏ وسألناه عن عنوان عمله ومسكنه في البلد العربي فأجاب باقتضاب بأنه لا يعرفهما بعد‏,‏ وأن مندوبا من الشركة سينتظره في المطار وينقله إلى استراحة الشركة‏..‏ ثم يستقر بعد ذلك في مسكن‏,‏ إذن كيف نتصل بك‏..‏ ومتى ستتصل بنا لتطمئننا عليك؟ فيجيب بأنه سيتصل بشقيقه ويبلغه بكل شيء‏..‏ وسافر وأنا في شدة الضيق والعصبية والغم‏..‏ فلقد خرج عن نطاقي نهائيا‏,‏ وأصبح يفكر ويخطط ويتصرف وحده‏.‏

وانتظرت أن يتصل بنا بعد وصوله إلى مقر عمله‏..‏ فلم يتصل‏,‏ وعلمت أنه يتصل بشقيقه على التليفون المحمول من حين لآخر‏,‏ ويطمئنه على أخباره‏,‏ لكنه لا يسأل عن أبيه وأمه خلال الاتصال‏,‏ ولا يعطي أخاه عنوانه أو رقم تليفونه لكيلا نعرفه منه‏..‏ ولكي يكون صادقا أقسم لنا أنه لا يعرفهما .

 

ومضت بنا الأيام‏..‏ وجاء اليوم الذي فاتحني فيه ابني الأصغر برغبته في الزواج‏..‏ ورحبت بذلك ووعدته بأن أختار له عروسا ممتازة له‏..‏ ولأنه قد تعلم من درس تجربة أخيه فلم يعارض وإنما استسلم لكل رغباتي ووافق على الفتاة التي اخترتها له وقبل بكل ما أمليته عليه من خطوات وشروط‏,‏ وأبدى أهل الفتاة قدرا كبيرا من المرونة فلم يتمسكوا بشيء اعترضت عليه أو رفضته‏..‏ وكأنما قد خبروا قدرتي على الهدم والتدمير فخشوا أن استخدمها معهم‏.‏

وتم زواج ابني الأصغر تحت إشرافي ووفقا لشروطي‏..‏ وابني يستجيب لكل ما أقرره طلبا للسلام‏,‏ وامتثلت زوجته لأوامري في كل شيء حتى مواعيد حضورها مع ابني للزيارة كما أردتها‏..‏ ولأوامري لها بعدم زيارة أهلها إلا مرة واحدة لبضع ساعات كل شهر‏,‏ وبدا أن الجميع سعداء وراضون بسيطرتي وأوامري‏..‏ لكني فوجئت بعد عدة شهور بابني الأصغر يبلغني بأنه سيسافر بعد غد إلى البلد العربي الذي يعمل به شقيقه‏,‏ لأنه تعاقد للعمل بإحدى الشركات هناك بمساعدة أخيه‏,‏ وأنه سيقيم معه لفترة في البداية‏,‏ ثم يتخذ لنفسه مسكنا مستقلا ويستدعي زوجته بعد أن تضع حملها خلال أسابيع‏!‏

 

يا ربي متى حدث كل ذلك؟ ولماذا لم تبلغني به في حينه‏,‏ ولماذا أفاجأ دائما بنبأ رحيل ابني قبل موعد الطائرة بساعات؟ وبغير أن يجيب أدركت أنا أنه قد عمل بوصية شقيقه الأكبر له‏,‏ بأن يتكتم نية السفر عني وعن أبيه لكيلا أعترض أو أثير له المشاكل أو أضيع عليه الفرصة‏,‏ كما أضعت على ابني الأكبر حلمه بالزواج من فتاته‏.‏ وثرت ثورة هائلة وصببت حمم غضبي على رأس ابني وزوجته التي اتهمتها باللؤم والخبث وسوء الطوية والتخطيط لانتزاع ابني من أمامي‏,‏ وانهلت باتهاماتي على أهلها وأسرتها‏..‏ حتى زوجي لم ينج مني بالرغم من قسمه لي بأنه لم يعرف بالخبر إلا مني‏.‏

 

وتحمل الجميع ثورتي لكن زوجة ابني بكت طويلا وشعرت بالمهانة وأقسمت ألا تدخل لي بيتا مرة ثانية‏,‏ فلم أتوان عن طردها من البيت أمام زوجها‏,‏ وسافر ابني وهو ممرور مني لإهانتي له ولزوجته ومنعني كبريائي من أن أطلب منه أن يتصل بنا للاطمئنان عليه وإبلاغنا برقم تليفونه‏..‏ وآثرت الاستعلاء على إظهار أي ضعف أمومي تجاهه‏.‏

 

ومضت الأيام والأسابيع وهو لا يتصل بنا‏..‏ وتصورته وهو يروي لشقيقه في الغربة ما فعلته معه‏..‏ ويشتركان معا في مهاجمتي وانتقادي فامتلأت نفسي سخطا وغضبا‏,‏ وقررت أن أتحدى الضعف وأثبت للجميع أنني لم أخسر شيئا‏..‏ وإنما الخاسر هما ابناي‏..‏ فنهرت زوجي حين اتهمني بتطفيش الابنين والقسوة عليهما حتى ابتعدا عنا‏..‏ وطلبت منه ألا يعود للحديث في هذا الموضوع مرة أخرى‏,‏ وبدأت أكثر من الخروج وحدي أو مع زوجي في زيارات عائلية واجتماعية وإلى النادي‏..‏ وفرضت على زوجي أن نسافر في رحلات سياحية إلى أجمل الأماكن في مصر من شرم الشيخ إلى الغردقة إلى الأقصر وأسوان وأنفقت بجنون‏..‏ وغيرت سيارة زوجي التي أقودها نيابة عنه‏,‏ وجددت أثاث الشقة واندمجت في شلة صديقات جدد بالنادي‏,‏ وأصبحنا نقضي وقت الضحى والظهيرة معا ثلاث مرات أسبوعيا بالنادي‏..‏ وبدوت أمام الجميع دائما سيدة قوية وميسورة الحال وسعيدة بحياتها وزوجها ويعمل أبناؤها بالخارج‏,‏ وخلال ذلك ترامت إلي أنباء غريبة‏..‏ فلقد سمعت أن الفتاة التي كان ابني الأكبر يريد أن يتزوجها قد فشلت في حياتها الزوجية التي فرضت عليها وطلقت من زوجها ومعها طفلة في الرابعة من عمرها وليس في ذلك شئ عجيب في حد ذاته‏..‏ أما العجيب حقا فهو أن ابني قد علم بوسيلة أو بأخرى بطلاقها‏,‏ فاتصل بأهلها وسأل عن موعد انتهاء العدة واتصل بالفتاة‏..‏ وفي الموعد المناسب جاء لمصر وتقدم لأهلها وحده دون أي فرد من عائلته وقبل به أهلها على هذا النحو لسابق تجربتهم معي‏,‏ وعقد قرانه عليها‏..‏ وعاد من حيث جاء‏,‏ ولم يقض في مصر سوى‏ 48 ساعة‏,‏ لم يتصل خلالها بنا ولم يزرنا‏..‏ وبعد أسبوعين سافرت إليه فتاته القديمة مع طفلتها وبدآ حياتهما الزوجية التي تأخرت خمس سنوات بسببي‏!‏

 

وشعرت بغصة شديدة في حلقي ومرارة أشد في قلبي‏..‏

إلى هذا الحد نسي ابني الأكبر أمه وأباه‏..‏ وكره أن يراهما أو يتحدث إليهما‏,‏ وما ذنب أبيه وهو كما يعرف عنه مغلوب على أمره معي‏,‏ ولم يرد له ما حدث‏,‏ ألم يشعر بالشوق إلي أبيه بعد ثلاث سنوات من الغياب‏.‏

لقد علم والده بما جرى بعد عدة أسابيع فحزن حزنا شديدا واشتدت عليه وطأة المرض حتى لازم الفراش‏,‏ ولم يعد قادرا على مغادرته إلا إلى الحمام وبصعوبة شديدة‏,‏ ووجدت نفسي أقضي معظم أوقاتي إلى جواره أرعاه وأحاول تعويضه عما جنيته عليه‏,‏ وفي هذه الفترة بدأت ولأول مرة في حياتي الاقتراب من الله‏,‏ فانتظمت في الصلاة ولم أكن أواظب عليها من قبل‏..‏ وبدأت أقرأ القرآن كل يوم لمدة نصف ساعة‏..‏ وأستمع إلى إذاعة القرآن الكريم التي لا يسمع زوجي سواها‏,‏ وكنت أضيق بها من قبل‏..‏ وبدأت أشياء كثيرة داخلي تتغير‏..‏ فندمت على تكبري على الآخرين وغروري واحتقاري للضعفاء والبسطاء‏,‏ وعلى بعدي عن الله في معظم سنوات عمري‏,‏ وأسفت أشد الأسف على ما فعلت بأسرة فتاة ابني الأكبر وادعاءاتي عليها وعلى ابنتها بالباطل‏,‏ وعلى تدبيري لإفشال خطبته لها وقسوتي على ابني الأصغر وزوجته‏,‏ ونظرت في المرآة فوجدت الجمال الذي كنت أتيه خيلاء وغرورا به قد بدا يذبل‏,‏ والقوة التي اعتززت بها تتحول إلى ضعف ووحدة‏..‏ وأيام وليال موحشة وكئيبة لا يزورنا خلالها أحد ولا يسأل عنا أحد حتى أقرب الناس إلينا وهما ابناي‏.

 

 إنني نادمة على كل ما فعلت وأريد أن يعرف ابناي ذلك وأن يتصلا بأبيهما المريض الذي يبكي كل يوم وهو يتحدث عنهما ويتشوق إليهما‏,‏ ولن أفرض نفسي عليهما إذا أرادا ألا يتكلما معي‏..‏ لأن المهم هو أن يتحدثا إلى أبيهما ويعيدا إليه البسمة والأمل في الحياة‏..‏ فهل يفعلان وهل تكتب لهما كلمة تناشدهما فيها أن يفعلا ويعفوا عما سلف ويفتحا معي ومع أبيهما صفحة جديدة خالية من المرارات؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

النجاح الحقيقي لأي أم حكيمة هو أن تملك أبناءها بالحب والعطف والفهم‏,‏ والعطاء المستمر لهم من ينبوع الحنان الدافق في أعماقها من البداية للنهاية‏,‏ وفي مقابل هذا العطاء الدائم يرتبط الأبناء بالأمهات والآباء ارتباطا أبديا يسري في شرايينهم‏..‏ فتقطر حبا وعطفا وبرا ووفاء للأبوين‏,‏ أما امتلاك الأبناء بالتسلط وقهر إرادتهم وفرض رغائبنا وأفكارنا نحن عليهم دون تبصر أو مراعاة لرغباتهم وإرادتهم واستقلاليتهم‏..‏ فهو نجاح مزيف ومؤقت‏,‏ إذ لا يلبث أن ينكشف عن فشل تام في إنشاء العلاقة السوية العميقة مع الأبناء‏..‏ ولا يلبث أن ينكشف عن بركان من التمرد والنفور والعدوانية تجاه الأم المسيطرة أو الأب المسيطر‏,‏ بمجرد أن يملك الأبناء مقاديرهم ويستطيعوا الاستغناء عن الاعتماد علي الأبوين في متطلبات حياتهم‏..‏ بل إن بعضهم قد يبدأ هذا التمرد وهو مازال معتمدا على أبويه من الناحية المادية‏..‏ معتمدا على قدرته على ابتزازهما والحصول على ما يريد منهما‏..‏

 

ولأن الأمر كذلك فلقد عجبت وأنا أقرأ في رسالتك إنك قد شعرت بالزهو والانتصار حين نجحت في تدمير خطبة ابنك الأكبر وحرمانه من حلمه بالزواج منها‏,‏ لغير شئ سوى أنه قد اختار لنفسه بدلا من أن يواصل الاعتماد عليك في اختيارات الحياة‏,‏ كما كان الحال وهو فتى‏,‏ وبدعوى أن الفتاة من أسرة عادية وليست ثرية‏..‏ وكان عجبي لإحساس الانتصار في حرمان ابن طيب لم تبدر منه أية بادرة سوء تجاه أبويه من حبه وحلمه في الزواج والسعادة حتى ولو كان أبواه غير مقتنعين تماما بأنه قد اختار الأفضل لنفسه‏,‏ فلقد كان من حقه أن يحقق أحلامه ويخوض تجربته مادام الاختيار في النهاية في الإطار العام المقبول وليس في الفتاة أو في أسرتها مثالب واضحة تدين اختياره؟

إن بعض مواقف الحياة قد تجرفنا‏,‏ إن لم نتنبه لذلك ـ إلى تحديات مع أقرب البشر إلينا يكون انتصارنا فيها أكثر إيلاما لنا في الحقيقة من هزيمتنا‏,‏ لأننا لا ننتصر فيها للأسف إلا على فلذات الأكباد‏,‏ ولأننا نتجرع مرارة هزيمتهم قبل أن يتجرعوها‏,‏ كما أن الانتصار الحقيقي هو الذي يتحقق على أهواء النفس وأنانيتها وميلها الغريزي للتسلط علي الأحباء‏,‏ وليس علي ثمرات القلب وأحلامهم البسيطة‏.

 

لقد فاتتك يا سيدتي أشياء كثيرة خلال رحلة الحياة‏,‏ ولقد تفكرت طويلا في أسباب ذلك فلم أجد تفسيرا له سوى في اعترافك ببعدك معظم سنوات الرحلة عن الله سبحانه وتعالى‏,‏ واعتزازك بأعراض الدنيا الزائلة‏,‏ وتكبرك وغرورك بمالك وجمالك وسطوتك على زوجك وابنيك‏.‏

والحكمة القديمة تقول إن الاستبداد هو الأب الشرعي للمقاومة‏..‏ ولهذا فلقد شق عليك ابنك الأكبر عصا الطاعة وابتعد عنك وعن أبيه لإحساسه بالقهر معك وإيمانه بمسئوليتك عن تدمير خطبته السابقة وحرمانه من السعادة مع فتاته‏,‏ وتلاه ابنك الأصغر لإهانتك له ولزوجته واستبدادك بهما معا‏,‏ وفرضك عليهما أسلوب حياتهما ومواعيد زيارتهما لك ولأهل الزوجة وغير ذلك من أمور الحياة‏..‏

 

ولا عجب في ذلك فالكأس الممتلئة تفيض بما فيها فجأة ودون سابق إنذار‏.‏

إنني لا أقر مقاطعة ابنيك لك ولأبيهما بالرغم من تفهمي لأسبابها والتماسي لبعض العذر لهما فيما فعلاه‏...‏ لأن هذه القطيعة التامة هي في النهاية جنوح عن جادة الرحمة والعدل‏,‏ يوقعهما في إثم عقوق الوالدين‏,‏ وهو إثم لو تعلمون عظيم‏..‏ ولقد كان في مقدور الابن الأكبر أن يبقي على شعرة معاوية مع أبويه مهما كانت مرارته من أمه‏,‏ وأن يطلعهما علي عنوانه ووسيلة الاتصال به‏,‏ ويعفي ضميره من الإحساس بالذنب بالكتابة إليهما كل حين أو الاتصال بهما كل فترة‏,‏ ودون أن يسمح بما يخشاه من محاولتك استعادة السيطرة أو إملاء إرادتك عليه‏..‏ وبذلك يدفع عن نفسه وزر العقوق والإحساس بالذنب‏..‏ ويحتفظ باستقلاليته كما يشاء‏,‏ خاصة أنه قد تحرر بالفعل من قيود الأم الحديدية وحقق حلمه المتأخر بالزواج من فتاته‏..‏ فلماذا يفسد سعادته بتحمل وزر قطع صلة الرحم مع أبويه؟

أما بالنسبة لابنك الأصغر‏..‏ فلقد مضت شهور منذ سافر غاضبا شاعرا بالإهانة لنفسه وزوجته‏..‏ فلماذا لم تسعي أنت للإصلاح بينك وبين زوجته قبل أن تلحق به في الغربة‏..‏ ولماذا لم تحصلي منها على عنوانه أو عنوان ابنك الأكبر‏,‏ لقد فاتك ذلك أيضا ضمن ما فاتك خلال انغماسك في تحدي مشاعر الأمومة وإنكار الضعف ومحاولة التظاهر بأنك لم تخسري شيئا‏..‏ وعلى أية حال فإن الزمن خير دواء للجراح‏..‏ ولابد أن تكون نفس ابنك قد برأت الآن من المرارة والغضب‏..‏ وأصبح مستعدا نفسيا للتجاوز عما حدث‏..‏ كما أنني أحسب أن ابنك الأكبر وقد حقق لنفسه ما أراده ما عاد يسعده أن يصم نفسه بقطيعة أبويه وعقوقهما‏..‏

 

والمشكلة فقط هي فيمن يبدأ الخطوة الأولى ‏..‏ غير أن المنطق يقول إن هذه الخطوة لابد أن تجئ من الابنين لسبب بسيط‏,‏ هو أنهما يعرفان كيف يتصلان بأبويهما ــ في حين يعجز الأبوان عن القيام بمثل هذا الاتصال‏..‏ وإني على ثقة من أنهما سوف يتجاوزان عما جري‏,‏ ويحرران نفسيهما من وزر العقوق وقطع الرحم‏..‏ ويفتحان صفحة جديدة مع أبويهما خالية من المرارات والأحزان‏.‏

فكل شئ إلى زوال‏.‏ ولا يبقى إلا العمل الصالح‏,‏ ولا معنى لأي نجاح يحققه الإنسان وهو محروم من الأهل والأحباب والمشاعر الأبوية والإنسانية الصادقة‏.‏

ولقد روي الأديب والمفكر الفرنسي أندريه مالرو في مذكراته أنه في نهاية حوار طويل في أواخر الحرب العالمية الثانية بين الزعيم السوفيتي ستالين والزعيم الفرنسي ديجول عمن سوف ينتصر في الحرب قال ستالين‏:‏

ــ في نهاية الأمر لا ينتصر إلا الموت‏!‏

فإذا كان الأمر كذلك‏,‏ فلماذا نبدد فرصة العمر القصيرة في القطيعة والخصام واجترار المرارات؟

رابط رسالة الخروج من الشرنقة

رابط رسالة الأشواك الدامية تعقيبا على هذه الرسالة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004

شارك في إعداد النص / محمد يسري

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات