الأشواك الدامية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004
يجب أن نوطن أنفسنا على عدم التأثر بجلافة بعض من تفرض علينا
ظروفنا التعامل معهم والتسليم بوجودهم في دائرة تعاملاتنا الإنسانية، إذ إننا
مادمنا قد خبرناهم وعرفنا طبيعتهم البرية وأدركنا جيدا أنها لن تتغير أو تتبدل،
فإنه لا يكون من الحكمة أن نتعذب إلى ما لا نهاية بغلظتهم وفظاظتهم وجفائهم غير
المبرر.
عبد الوهاب مطاوع
بعد أن قرأت رسالة الحلم المتأخر ومن قبلها الخروج من الشرنقة.. والتي وضح فيهما دور الأم المتسلطة على ابنها ومحاربتها لفكرة زواجه, خطر لي أن أعرض عليك نوعا آخر من التسلط.. هو تسلط الأبناء, وأزواج الأبناء.. وأرجو أن تصدقني في كل كلمة أقولها, لأنه ليس هناك ما يدعوني للكذب.. فأنا طبيبة من أسرة عريقة من ناحية التعليم والمركز الاجتماعي والمادي والأصل, وفوق كل هذا وأهم منه السيرة الحسنة.. ولحسن حظي تزوجت من قريب لي, فعشت معه بنفس الأخلاق والمباديء التي صحبتها معي من بيت والدي, وأنجبنا ولدا وبنتا, تربيا على شاكلتنا, ودارت الأيام دورتها, وسافر ابني مهاجرا.. ثم توفي زوجي رحمه الله, وعشت مع ابنتي, وكان يتقدم لها الكثيرون.. ولكنها كانت دائمة الرفض لفرص كثيرة ترضيني كأم ولم أضغط عليها مطلقا, إلى أن حدث وتعلقت بأحدهم.. وحكت لي عنه وعن عائلته ما أسعدني, ورحبت به مبدئيا, إلى أن بدأنا التعارف أكثر.. فوجدت كل الظروف غير مشجعة على الإطلاق, فالأسرة مفككة إلى أبعد الحدود ولا أحد يحترم الآخر, وأشياء أخرى كثيرة, ودون الدخول في التفاصيل, فقد كنا نتفوق عليهم في كل شيء, كل شيء.. وكلما اقتربنا عائليا أكثر, اكتشفت اتساع الهوة بيننا.. ولست أحب أن أذكر تفاصيل دعت كل من عرف بجزء بسيط منها لأن يستنكر هذا الزواج.. فرفضت الموافقة عليه, لكن ابنتي وقفت مني موقفا عدائيا, بدعوى أن الإنسان لا شأن له بعائلته لأنه لم يخترها, وإنما هي مفروضة عليه, وعندما قلت لها إن كل هذا ينعكس على الإنسان بعد ذلك, رفضت الاقتناع بمنطقي وداومت على اتصالها بهذا الشخص, وتمسكت به لأقصى درجة, إلى أن قالت لي ذات يوم إنني لا أريدها أن تتزوج لأني أخاف الوحدة, وأريدها أن تظل بجانبي.. ففوجئت بكلامها.. ولا أدري من أين أتتها هذه الفكرة, برغم أنني كنت موافقة قبل ذلك على أشخاص آخرين, وكان منهم من سيأخذها للخارج معه.
لم أكن في حياتي بهذه الأنانية التي تصورني بها.. وبعد هذه الطعنة, راحت تشير أكثر من مرة إلى أنها بالغة, وهو الآخر مثلها, ويستطيعان الزواج بنفسيهما, وخفت عليها وعلى نفسي من الفضيحة, وتعجبت كيف انحدرت ابنتي إلى هذا المستوي في التفكير.. فوجدت نفسي مرغمة على الموافقة على الخطبة.. وتكرر من أهل العريس المزيد من التصرفات غير المحتملة, بعد أن وجدوا أننا قد قبلنا بالخطبة, كل ذلك وابنتي راضية وسعيدة, ووقفت أمام فرحتها, وراجعت نفسي.. لماذا أريد أن أكسر قلبها كما يقولون.. وقررت أن أتناسى كل شيء وأتجاهل ما فعله أهله, وقلت لنفسي أليس من الجائز أنني إذا عاملت هذا الشخص كابن لي فقد يثمر هذا معه؟ وأكسبه إبنا لي وأسعد ابنتي؟
وأقسم لك
بأنني كنت صادقة في نيتي هذه.. وقررت أن أقف معهما, وأساعدهما قدر
استطاعتي.. لعلهما يقدران لي هذا تقديرا معنويا, بمعنى أن أتمتع بحبهما
ومشاركتهما فرحتهما.. وبدأت أشترك معهما إلى حد ما في مشاهدة الأثاث وباقي
المستلزمات.. وكنت أرحب بخطيبها عند قدومه للبيت لبعض الوقت, ثم أتركهما
يتحدثان معا, ولكني لاحظت أن نزولي معهما وجلوسي معهما يضايقهما وأنهما يتعمدان
أن يتهامسا في وجودي, وأنا إنسانة حساسة.. لا أتحمل شعوري بأنني غير مرغوب في
وجودي.. فبعد أيام قليلة أخذت أعتذر عن عدم الخروج معهما لانشغالي في عملي,
وعند حضوره للبيت, بانشغالي في أعمال المنزل. أو متابعة التليفزيون في حجرة
أخرى, كما لاحظت أيضا أن هذا الشخص سريع الغضب ومعظم وقته غاضب.. لا أدري
لماذا أو من من؟!.. وابنتي تمضي الساعات في محاولة استرضائه.. ووجدت أن هذه طريقته
للضغط عليها حتى تنفذ رغباته.. كما أنه يكرر الكلام والآراء التي أقولها بأسلوب
مختلف, مع استعمال نفس الكلمات, ولكن بما يجعلني دائما متهمة بأني قلت كذا
وكذا..
كما أنه لا شيء يعجبه أبدا, إلا الذي يختاره هو.. وبرغم كل هذه العيوب التي
عايشتها بنفسي.. لم أر ابنتي معترضة على أي شيء.. وبالتالي لم يكن باستطاعتي
أن أعترض.. ولكني أصبت بحالة من الإحباط, فقد لاحظت أن ابنتي ألغت شخصيتها
تماما, وأصبحت تعيش في فلكه ولا تفهم ولا تعي إلا ما يقول.. وما يقول هذا هو
دائما الصواب لأنه لا يخطيء أبدا..
ومرت الأيام, وجاء وقت الزواج وتصورت أن ما كان منه من عيوب ربما كان
سببه مشاكله العائلية الكثيرة, ومنها تخلي أهله عنه تماما, وعدم مساعدتهم
له, وأن استقراره بعد الزواج سيحسن نفسيته, إذ إن فترة الخطبة أحيانا تكون
ممتلئة بالمشاكل لأسباب مختلفة..
ويوم الزواج, احتضنته وقبلته, وقلت له لقد أصبحت ابنا لي بالفعل, وكنت صادقة
في ذلك تماما.. وتناسيت كل ما كان منه ومن ابنتي ومن أهله, وقررت أن أبدأ
معهما من جديد, فابنتي كانت تدافع عن حبها, برغم العنف والقسوة التي دافعت
بها.. وانتظرت أن يقدرا لي وقوفي بجانبهما.. ومحاولة مساعدتهما قدر
استطاعتي, دون أن أشير إطلاقا إلى أي ناحية مادية, وأنه هو شخصيا سيقدر لي
أنني قبلت به برغم ما بدر من أهله.. ولكن, بعد الزواج, فوجئت بأسلوب التعامل
معي.. فلقد أخذا في التباعد عني.. ووضعا حدودا للصلة بينهما وبيني.. مع أنني
تعمدت ألا أذهب لزيارتهما بعد الزواج كما تفعل الأم.. حتى لا أسبب لهما حرجا,
لأني أحسست بقلب الأم وشعور المرأة.. بأن هناك شيئا ما.. وانتظرت من ابنتي أن
تفصح عنه.. فلم تتكلم, وأشرت من بعيد جدا لهذا الموضوع بعد نحو أسبوعين أو
أكثر, فكذبت علي, ولم أكرر السؤال مرة أخرى .. وبعد فترة قصيرة.. علمت من
مصدر بعيد بأنني كنت محقة في شعوري. وبعد رجوعهما من شهر العسل, كنت أعد لهما
الطعام وأرسله.. كما تفعل كل أم مع ابنتها العروس, وأطلبهما مرة واحدة كل يوم
أو يومين تليفونيا, ولمدة دقائق.. لأني أعلم أنهما مشغولان بحياتهما
الجديدة, فإذا بابنتي تقول لي: لابد أن تبحثي عن شيء تشغلين نفسك
به سوانا!
ثم كرر زوجها نفس الكلمات بعدها بيوم أو اثنين, وصدمت صدمة عنيفة لأنني لم أثقل عليهما, ولم أدخل بيتهما, ثم أنني امرأة عاملة وليس لدي وقت طويل من الفراغ.. ولم أتدخل أو أوجه أي سؤال شخصي لهما, ومن يومها, وحتى الآن.. مر أكثر من سنة ونصف السنة.. لم أرفع السماعة لأطلبهما.. بل أنتظر حتى تطلبني ابنتي.. ولا أذهب لزيارتها إلا كل شهرين أو أكثر.. أو قل في المناسبات فقط.. وهما لا يأتيان لزيارتي إلا بعد أن أطلب ذلك أكثر من مرة, وإذا جاءت ابنتي وحدها, لابد أن يكون عندهما مشوار مهم.. أو زيارة.. أو أي حجة بحيث يمر عليها بعد حضورها بدقائق لتنزل معه, ولأن عمله قريب من منزلي, فقد طلبت منه مرتين متباعدتين أن يحضرها معه.. ثم يمر عليها بعد عمله.. ولكنه يرد علي في كل مرة: أنها مشغولة.. برغم أنها لا تعمل.. وأنا الآن لم أعد أطلب هذه الزيارات.. التي كنت أحس أنها مرغمة عليها.. وأصبحت الآن لا تأتي لزيارتي بالشهر.. برغم أن المسافة بيننا نحو ربع الساعة.
أما
سياسة الرفض, فهذا موضوع آخر.. فأي طعام أعده لهما.. فهو لا يحبه.. وهو لا
يعجبه.. برغم أننا عائلة مشهورة بإجادتنا للمطبخ, أما الملابس..
والهدايا.. وما يخص البيت.. فكل هذا أيضا لا يعجبه.. إذ أن له ذوقه
الخاص!!
والمشكلة الأكبر.. هي آرائي.. حتى وإن كانت في المواضيع العامة التي لا تمسه
من قريب أو بعيد.. فهي دائما خطأ.. وهو متحفز دائما, ودائم الهجوم
والمهاجمة.. وبالتالي, لا يمكن لابنتي أن تسألني عن شيء لئلا يغضب, وإذا
احتاجت لنصيحة في أي شأن من شئون البيت, كان عليها أن تسأل صديقاتها
أو حماتها, وأعرف بذلك.. وأحس بالانقباض في صدري, وبالمرارة في حلقي,
لماذا كل هذا الجفاء؟ ماذا فعلت؟.. هل هكذا تكون البنت مع أمها؟.. لقد كانت
علاقتي بأمي مختلفة تماما.. فقد كانت هي مرجعي في كل شيء حتى أواخر أيامها..
لكن ابنتي تتعمد أن تشعرني بالتجاهل.. وأن تنقل إلي الإحساس بأنني غير موجودة.
وبعد سنة من الزواج, حملت ابنتي. وكان حملها بالنسبة لي فرحة.. إذ إنني
سأكون جدة للمرة الأولى .. وهنا.. قلت لنفسي, ربما يغير هذا الحفيد ما في
نفسيهما.. ربما نشترك معا في حبه ورعايته مما يقربنا بعضنا بعضا أكثر, وقد
عايشت فرحة أمي بميلاد ابني.. أول حفيد لها, وعايشت الكثير من صديقاتي
وأقاربي.. عندما صرن جدات.. ولكن, بدأت الحرب ضدي من اتجاه آخر..
فأنا ليست لي خبرة أو فهم في أي أمر يخص الطفل.. ولا أعرف ماذا يلبس.. أو ماذا
يأكل أو كيف يتربى .. وليس من حقي الاشتراك في اختيار أي شيء يخصه؟.. ثم
أنهما يفكران من الآن فيمن يتولى رعايته إذا احتاجا مثلا للخروج متجهين بفكرهما
إلى الأصدقاء, متناسين وجودي تماما.. يبدو أنني لا أؤتمن على ابنهما.. وقد
أذهلني هذا التفكير.. لقد كنت في سنهما يوما ما.. ولم آمن إطلاقا على أولادي
إلا وهم في حضن أمي.. ولكنه نفس أسلوب الهجوم والتجاهل, أو التلطيش.. الذي
اعتاداه معي.. فما من مرة التقينا معا إلا وهوجمت خلالها.. وسمعت ما لا
يرضيني.
أما
آخر صيحة هذه الأيام.. وهي التي يرددها بكثرة.. فهي أنني لم أعرف كيف أربي
ابنتي؟.. هل تعرف لماذا؟.. لقد كنت أجهز لها طعام الإفطار أيام
أجازتها قبل أن أنزل إلى عملي .. وكان الواجب أن أتركها سواء تناولت إفطارها أم
لا.. كما تربى هو.. أما أيام الدراسة.. فلأن اليوم الدراسي طويل.. فقد كنت
حريصة على أن تشرب كوبا من اللبن قبل أن تنزل إلى المدرسة.. وهذه أيضا غلطة
كبيرة.. لماذا أطلب منها أن تشرب اللبن؟.. من أجل الكالسيوم؟.. أنه موجود في
أشياء أخرى .. وهو يحدثني في هذا وأنا طبيبة.. أعرف أكثر منه ما ينفع وما هو
ضروري.. لكن طبعا.. لا أحد يفهم غيره.. أنا أعرف سبب مهاجمته لأسلوبي
الخاطيء في التربية في هذا التوقيت.. فهو يريد أن يقول لي لا تتدخلي في تربية
ابني القادم.. وأنا أفهم هذا جيدا.. واستوعبه.. واعتزمه.. بل أعد نفسي
له.. وكلما تمر الأيام, تزداد الفجوة, وتتسع الهوة حتى اسودت الدنيا كلها في
عيني.. وصارت نفسي حزينة.. لم يعد شيء يفرحني.. هل هذا مصيري بعد أن أمضيت
عمري كله الإنسانة المحترمة العاقلة, سواء في بيت أبي أو زوجي أو بين أقاربي
وزملائي؟.
لقد أصاباني بحالة شديدة من اليأس والإحباط.. برغم أنني أفهم
كل دوافعه.. وأعرف أن كل هذه عقد نقص.. وأنه يفرغ في كل طاقاته المكبوتة
وكراهيته لظروفه التي لست المسئولة عنها.. لقد أخذا على عاتقهما أن يحولا كل سبب
للفرحة في حياتي. إلى حزن وكآبة.. فإلى متى سيظل زوج ابنتي يصارع.. ما الذي
يريد أن يثبته لي؟.. وحتي متي ينتقم من كل ظروفه في شخصي؟..
إنني أنظر حولي.. فلا أجد أمهات كثيرات يهتممن بأبنائهن.. وأرى أبناء يتمنون
لو كان لديهم من يهتم بأمرهم.. وأنا شخصيا سمعت هذا أكثر من مرة.. فكنت
أفهم أن يقدر هو هذا الاهتمام الذي حرم منه شخصيا, أما الذي يحزنني بالأكثر..
فهو موقف ابنتي.. وكيف أنها لا تستطيع التمييز ولا تذكر لأبيها وأمها أي شيء جيد
فعلاه معها؟.. هل هي عقدة عند بعض الناس, أن يتذكروا فقط بعض الهفوات.. وألا
يرد إلى ذهنهم أبدا التضحيات الكثيرة؟. إن شريط الذكريات يمر أمامي.. كيف تعبت
معهم؟ كيف أنني لم أقصر أبدا في حقهم؟.. ولم أهملهم ولم أتركهم للشغالة أو
للشارع.. مواقف كثيرة جدا تدور في مخيلتي.. أرى نفسي فيها أما محبة..
مضحية.. وأسأل نفسي.. لماذا لا تسأل ابنتي نفسها.. هل كانت ستصير كما هي الآن
لو لم أكن قد أحسنت تربيتها؟
لقد أطلت عليك سيدي.. فأرجو المعذرة..
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
يجب أن نوطن أنفسنا على عدم التأثر بجلافة بعض من تفرض علينا ظروفنا التعامل معهم والتسليم بوجودهم في دائرة تعاملاتنا الإنسانية, إذ إننا مادمنا قد خبرناهم وعرفنا طبيعتهم البرية وأدركنا جيدا أنها لن تتغير أو تتبدل, فإنه لا يكون من الحكمة أن نتعذب إلى ما لا نهاية بغلظتهم وفظاظتهم وجفائهم غير المبرر.. وإنما علينا أن نقصر تعاملاتنا معهم على أضيق الحدود, ونتفادى بقدر الإمكان أشواكهم التي تدمينا, كما تدمي أشواك القنفذ من يربت على ظهره غافلا عن أذاها, أو كسب مشاعرهم أو إقناعهم بحسن نياتنا, لأننا لن ننجح في ذلك ولن نسلم من جرحهم لمشاعرنا بتصرفاتهم الفظة وكلماتهم الدامية.
وكل ذلك ينطبق على زوج ابنتك الذي لم يغفر لك قط سابق اعتراضك عليه كمرشح للارتباط بابنتك. ومازال يجتر مراراته ضدك بسبب هذا الموقف, وبسبب ما يتوهمه من رغبتك في التدخل في حياة زوجته أو السيطرة عليها, ولو أنصف لتعامل مع سابق تحفظك عليه بتسامح أكبر.. وبفهم أعمق لدوافعك كأم تطلب لابنتها دائما الأفضل والأرفع.. وقد تصيب أو تخطيء في تقديرها لكنه يشفع لها دائما حسن النية والرغبة الصادقة في إسعاد ابنتها, وما أكثر الأزواج الذين اعترضت عليهم أم الزوجة في البداية وتفهموا دوافعها وكسبوا حبها وثقتها وفتحوا لها قلوبهم بعد حين, وما أكثر الأزواج أيضا الذين صدقت فيهم فراسة الأم, واقتنعت الابنة بصواب حكمها عليهم بعد فوات الأوان, لهذا فلقد كان من واجب زوج ابنتك أن يقنعك بحسن معاملته لك وحثه لزوجته على أن تصلك وتقترب منك وتستعين بك على مواجهة أعباء الحياة, بخطأ تقديرك السابق له.. لا أن يؤكده لك بجفائه وغلظته ونفوره وتحريضه لزوجته على تحجيم علاقتها بأمها في أضيق الحدود.
أما ابنتك فاني أنصحك بألا تستجدي مشاعرها وبألا تظهري دائما بمظهر المتلهفة عليها التي تخطب ودها على الدوام.. وبأن تتماسكي بعض الشيء في التعامل معها, ذلك أن إلحاحنا بالحب والاهتمام على بعض الأشخاص, إن لم يصادف أهل الفضل الذين يفهمون حقائق الحياة حق فهمها, فانه يثير فيهم البطر والنفور منا.. بدلا من أن يجتذبهم إلينا.. تماما كالدنيا التي يقول بعض الصالحين انك إذا أقبلت عليها أدبرت عنك, وإذا أدبرت عنها أقبلت عليك, وإن كنت لا أغفر لها تحفظها معك.. وبرود مشاعرها تجاهك, وإبعادها لك عن حياتها حتى لتستشير الأغراب في أمرها.. ولا تلجأ إلى أمها التي ينبغي أن تكون سندها الأول في الحياة.
ولقد ذكرتني رسالتك هذه بأبيات من الشعر لشاعر عربي قديم يشكو جفاء ابنه له حتى ليتمنى عليه أن يعامله كما يعامل الجار جاره إن عز عليه أن يعامله كأب, فيقول:
تخاف الردى نفسي عليك وإنها
لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي
إليها ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة
كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حـــــــق أبوتي
فعلت كما الجار المجاور يفعل
وفي عبارة كأنك أنت المنعم المتفضل وصف لحالة بعض الأبناء الذين يسيئون فهم عطاء الآباء والأمهات النفسي لهم ويضيقون به أو يتلقونه كارهين, وكأنهم هم المنعمون على آبائهم وأمهاتهم بقبوله وليس العكس! مع أن اهتمام الآباء والأمهات بأبنائهم مهما بلغوا من العمر عطاء وتكريم متجددان لهم.. والمثل العربي القديم يقول لا يأبي الكرامة إلا لئيم والمقصود بكلمة الكرامة هو التكريم والإعزاز والتقدير.
فهوني على نفسك يا سيدتي ولا تحزني لما تشهدينه من تلميحات جارحة عن تربية
الأطفال, وليسعد كل إنسان بما يعتقده في نفسه وفي الآخرين.. فوالله الذي لا
إله سواه أنك لو كنت أما مشغولة بنفسها وعملها وحياتها عن ابنتها المتزوجة
لجأرت هي بالشكوى من إهمال أمها وشح عطائها الأمومي لها, ولأيدها زوجها في
شكواها هذه ورسخها في نفسها, لكن هكذا تمضي أمور الحياة في بعض الأحيان.
فاصبري وانتظري ولسوف تحتاج إليك ابنتك وزوجها وطفلهما المرتقب في قادم الأيام..
ولسوف يجيء يوم يرجوانك فيه أن ترعي طفلهما في غيابهما لكي يخفف الزوج عن أبويه في
بعض الأحيان عبء رعايته, أو لاضطرارهما للسفر أو غير ذلك من شواغل الحياة..
والمهم دائما هو ألا تستجدي المشاعر وألا تتلهفي على تقديم العطاء, بحيث يزهد
فيه من يتلقاه أو يتقبله في أنفة وكبرياء وكأنه هو المنعم المتفضل!
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر