الندم .. رسالة من بريد الجمعة " تتبع رسالة الجريمة والعقاب " عام 1985

 الندم .. رسالة من بريد الجمعة " تتبع رسالة الجريمة والعقاب " عام 1985

الندم .. رسالة من بريد الجمعة " تتبع رسالة الجريمة والعقاب " 

ولـيعلم الآخرون أن الله فوق الجميع يراقبهم ويحصي عليهم أعمالهم وأنه يأخذ بـحق المظلومين من ظالميهم وإن تأخر القصاص.

عبد الوهاب مطاوع


خشيت أن أحضر إليك فى مكتبك خوفا من أن تقسو عليّ .. وقررت أن أكتب إليك بما جرى لى بعد نشر رسالتي الأولى فى بابك .

فأنا يا سيدي زوجة الأب التى نشرت رسالتها منذ عدة شهور بعنوان " الجريمة والعقاب " والتى هاجمتها بقسوة فى ردك على الرسالة ولست ألومك فى ذلك فأنا أستحق ما كتبته عنى .. وأكثر منه .

نعم أنا زوجة الأب التى تسببت فى موت ابنة زوجها البريئة الطيبة المريضة بالكلى والتى كانت تتركها تتلوى من الألم فى غرفتها وتحرم عليها حتى الصراخ من الألم والتى كانت تخفى عن أبيها مرضها وتحرم عليها الشكوى حتى ذبلت الفتاة, أنا هذه الزوجة القاسية الأنانية وأنا أكتب إليك هذه الرسالة لأروى لك ماذا صنعت بى الأيام بعدها, فعقب نشر الرسالة قرأها زوجي والد الفتاة وشك فى الأمر, فسألني عنه وكنت فى قمة العذاب بعد المأساة, فاعترفت له بالحقيقة وبكل شئ .. لأني أردت أن أزيح عن صدري ما يثقله .. وصدم زوجي صدمة هائلة اهتز لها كيانه .. ومضت أيام ثقيلة وهو يعاني من ألامه ويمضى الساعات صامتا حزينا أما أنا فقد استسلمت لمصيري, ثم حزم زوجي أمره وطلقني بعد فترة قصيرة .

 

وصدقني أنني لست منزعجة مما جرى لى فلكل جريمة عقاب كما قلت أنت فى تعليقك على رسالتي, وهذا هو عقابي وليته يقتصر على ذلك وليته يعفيني من عقاب السماء بعد أن نلت جزائي فوق الأرض .. لقد أصبحت وحيدة ولا هم لى إلا أن أكفر عن خطيئتي فأخرجت بعض ما أملك من مال كصدقة على روح الابنة التى تسببت فى موتها ولست نادمة على ذلك فلعل الله يتقبل منى التوبة .. وقد هاجمني المرض وأصبحت طريحة الفراش وأحس أنى سوف ألقى وجه الكريم ولقد أرسلت إليك هذه الرسالة ليسامحني قراؤك الذين قرأوا رسالتي الأولى وصبوا غضبهم ونقمتهم على وهم على حق لكنى أرجوا منهم السماح, كما كتبت رسالتي هذه لتكون عبرة لمن سلكوا نفس طريقي وظلموا أبرياء صغار لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أو عن حقوقهم .. وليعلم الآخرون أن الله فوق الجميع يراقبهم ويحصى عليهم أعمالهم وأنه يأخذ بحق المظلومين من ظالميهم وإن تأخر القصاص .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

ليغفر الله لك يا سيدتي ما تقدم من ذنبك .. وليتقبل منك توبتك .. وليعف عنك جزاء ما أحسست به من ندم صادق على ما فعلت .. وجزاء ما لقيت فى الدنيا من عقاب .. فلقد يرض الإنسان بما يلقى من عقاب عاجل مؤملا أن يكون من المعجل لهم بالعقاب فى دنياهم .. وممن يبدل الله سيئاتهم حسنات فى أواخرهم وأظن أن  هذا الإحساس هو سر رضائك عما جرى لك فيما بعد .. وهذا يؤكد لك أنت قبل غيرك أن لك ضميرا كان غافيا ثم استيقظ عقب التجربة المريرة فلعل فى ذلك دروسا قاسية لمن يتصورون أنهم يتحركون فى الحياة بلا رادع من ضمير .. أو من وازع ديني .. وقد يهزأون أحيانا بمن يذكرهم بعذاب الضمير إذا استيقظ .. وبعذاب الندم إذا شبت فى القلب نيرانه .. ليتذكروا ذلك جيدا .. وليستعدوا جميعا للجحيم الذى ينتظرهم عندما يستيقظ النائم بين حنايا صدورهم ولابد من يوم يستيقظ فيه وإن طال الانتظار..

أما أنت يا سيدتي فلا تيأسي من رحمة الله .. وأظن أن قراء هذا الباب الذين نقموا عليك من قبل لا يحملون لك الآن أي ضغينة بعد كل ما جرى .. وما أنت فى النهاية سوى امرأة وحيدة ضعيفة اغترت بالدنيا فى بعض الفترات من حياتها فقست .. ثم دفعت الثمن غاليا ولم تزل .. فليتقبل الله توبتك وقديما قال  الشاعر العربى :

إذا كان ذنبي كل ذنب فإنه

محا الذنب كل المحو من جاء تائبا.

رابط رسالة الجريمة والعقاب

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات