الجريمة والعقاب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
هذه رسالة من رسائل " الاعتراف " التى أتلقاها من حين إلى أخر وأؤثر الرد عليها فى باب " ردود خاصة " مهونا الأمر على صاحبها غالبا وداعيا إياه لأن يكف عن اجترار الألم وأن ينظر إلى الأمام .. لكن هذه الرسالة تختلف تماما عن كل الرسائل التى تلقيتها من قبل من هذا النوع .. لذلك لقد أثرت نشرها رغم بشاعتها لعلنا نجد فيها معا ما يضيف إلى خبرتنا بالحياة شيئا جديدا حتى لو كان مؤلما غاية الألم .. تقول كلمات الرسالة التى لم أتدخل كثيرا فى صياغتها لكي أحافظ على فظاعة صدقها الكريه:
أكتب إليك لعلى أجد السلوى والعزاء لى فيما أعانيه فأنا يا سيدي إنسانة أكره نفسي وقد بدأت قصتي منذ 8 سنوات حين تزوجت رجلا له ابنة وحيدة فى العاشرة وكانت فتاة مسالمة طيبة القلب لكنى كنت أكرهها بلا سبب ولا تسألني لماذا لأني أنا نفسي لم أستطع أن أجد جوابا لهذا السؤال حين سألته لنفسي كثيرا إلا إذا كان هذا السبب هو أنى إنسانة أنانية لم أقبل ولم أتخيل أن يشاركني فى الرجل الذى أحبه أحد أو " شئ " حتى ولو كان هذا الشئ هو ابنته الوحيدة!
لذلك كنت أعاملها بقسوة غريبة وكنت أحملها " شغل البيت " كله لكى لا أتيح لها فرصة للمذاكرة ومع ذلك فقد كانت تنجح فى المدرسة كل سنة ولا تشكو ولا تتبرم ..ولا تشكوني لأبيها مهما فعلت ربما استسلاما للأمر الواقع أو خوفا منى .
وكانت هذه الابنة يا سيدي مريضة تهاجمها من حين إلى أخر نوبات الكلى الفظيعة فتتعذب عذابا لا يطيقه بشر .. لكنني كنت لا أسأل فيها عندما تمرض وكنت أغلق عليها باب غرفتها حين تهاجمها النوبة لكى لا أسمع صراخها الذى يفتت الكبد ولم يكن يؤثر فيّ وقتها بكل أسف .. ومرت سبع سنوات على هذا الحال والابنة مستسلمة للحياة ولإرادتي وأوامري ..وكان أبوها يعرف أنها مريضة بالطبع لكنه لم يكن يعرف أن النوبات تهاجمها كثيرا .. وأن كل نوبة تأتى أشد من النوبة السابقة لأني كنت قد حرمت عليها أن تشكو من مرضها لأبيها ولأني أيضا لم أكن أبلغه به, وكان زوجي بحكم عمله يبيت كثيرا خارج بيته مطمئنا إلى أن ابنته في رعايتي .وفي ليلة جاء إلى البيت على غير انتظار إذ كانت ليلة من الليالي التى يبيت فيها فى عمله. وكأنه يعرف ماذا سيحدث فقد كانت النوبة قد عاودتها طوال النهار وهى راقدة فى غرفتها المغلقة عليها تتعذب ويصلني صوت صرخاتها المكتومة لكى لا أنهرها إذا سمعتها , ثم حين عاد أبوها سمعنا معا صوت صرخاتها كالفحيح فلم أجد مفرا من الذهاب إليها معه فى غرفتها وكانت مستلقية على السرير تجز على أسنانها من الألم وينتفض جسمها مع كل هجمة ألم فيرتفع فوق السرير ويتقوس ثم يهبط مسترخيا ضعيفا إلى أن تعود الهجمة لقد كانت "تجض" من الألم يا كبدي ففزع أبوها واقتربت أنا منها ووضعت يدي على كتفها. وصدقني- وأنا أعرف رأيك الآن فيّ- إنني كنت قد أحسست بالندم وبالألم من أجلها لأول مرة في حياتي, فلمستها بيدي ففوجئت بها تبعدني عنها بكل ما تبقى فى جسمها الضعيف من قوة وتصرخ في : اخرجي بره..اخرجي بره .ثم أمسكت بيد أبيها الذى تتساقط دموعه وظلت ممسكة بيده تقبلها إلى أن فارقت الحياة بعد لحظات.
ورحلت ابنة زوجي الصغيرة .رحمها الله وتركت لى عذابا لا يطاق هو عذاب الضمير .. فلقد اكتشفت بشاعة ما ارتكبته ضدها من ضرب واهانة وإهمال.لقد ماتت وارتاحت لكنى الآن أتعذب بها فأنا أصحو من النوم مفزوعة وأحلم بها 3 أو 4 مرات كل ليلة وأراها فى الحلم تخنقني وتقول لى :" أنت السبب فى موتى " حتى أصبحت أخاف النوم حتى لا أراها .
أدخل المطبخ فأراها فى كل مكان فيه حيث كنت أرغمها فى الليالي الباردة على أن تغسل الأواني والأطباق لكى لا أتيح لها فرصة للمذاكرة , وأراها فى كل ركن فى البيت ,إنها تطاردني وأنا نائمة وأنا مستيقظة وأينما ذهبت حتى طلبت من زوجي أن نترك الشقة التى نعيش فيه إلى شقة أخرى ولكن هيهات أن يتحقق ذلك مع أزمة المساكن .إنها تعذبني لأني السبب فى موتها ..ليتني أشفقت عليها وهى تتعذب بالألم .إنني أكتب أليك هذه الرسالة وأعرف أنها سوف تثيرك ضدي لعلك رغم ذلك تقول لى كلمة تخفف بها من عذابي وأكتبها أيضا لكى تقرأها كل زوجة أب على وجه الأرض فلا تعامل أبناء زوجها ( بكراهية ) ولكى لا تسئ معاملة أبناء زوجها وإن كانت قد فعلت فلتكف عن ذلك ولتصلح من خطئها قبل أن يأتي يوم لا يبقى لها فيه سوى الندم والعذاب كما أتعذب الآن .. فهل أجد لديك السلوى التى أطلبها؟
التوقيع (زوجة أب حاقدة ونادمة)
هذه هى الرسالة " الجريمة " التى تلقيتها, ولكاتبتها أقول بلا تردد :
لا يا سيدتي لن تجدي عندي ما تريدين .. فلقد ارتكبت أبشع الجرائم وهى جريمة تعذيب النفس البشرية التى حرم الله تعذيبها, وارتكبت هذه الجريمة ضد من؟ ضد فتاة صغيرة ضعيفة لا حول لها ولا قوة طيبة القلب استسلمت لقدرها فلم تشك ظلمك لها لأحد ولم تصرخ فى وجهك إلا حين أذن الله لروحها أن تتحرر من سجن الجسد وأن تغادر هذه الدنيا الظالمة, فكيف هان عليك يا سيدتي أن تسمعي صراخها المكتوم وهى تتعذب بالألم فى نوبات الكلى البشعة فلا تحرك فيك عطفك ونخوتك ولا مشاعرك الإنسانية البسيطة التى لا يخلو منها بشر .. فتسارعي إلى نجدتها بالعلاج وبالدواء أو حتى بالكلمة الطيبة وهو أضعف الإيمان؟ لقد رأيت رجالا أشداء فى نوبات الكلى المؤلمة يصرخون من الألم صرخات تزلزل الجدران .. ويقولون عقب زوالها أن ألامها تهد الجبال .. فكيف هان عليك أن تريها وهى الفتاة الضعيفة فى هذا العذاب ولا يتحرك لها قلبك؟ بل حرمت عليها الصراخ من الألم حتى الصراخ من الألم يا سيدتي حرمتها منه .
أي بشاعة..وأي قسوة .. وأي سادية ؟ إن كثيرين لا يتحملون مشهد قطة تتعذب من بالألم لأنها روح أمرنا الله ألا نعذبها فكيف احتملت عذاب هذه الابنة الطيبة المطيعة المستسلمة لأقدارها .. وبأي ذنب استحقت كل هذه الأهوال .. وماذا ستقولين للعادل الذى لا يظلم أحدا حين تقفين معها أمامه يوم الحساب ؟.." وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " حقا بأي ذنب استحقت هذه البريئة كل هذا العذاب ؟ وبأي ذنب وأدتها يا سيدتي؟ بأنها يتيمة محرومة من عطف الأم وحنانها ؟ أم بأنها وديعة ائتمنك عليها أبوها وهو غافل عن " ساديتك " وسوء طويتك وقسوتك ؟ ثم تشكين بعد ذلك مما تعانين ومما ترين فى أحلامك؟ ألم تعرفي يا سيدتي أن لكل جريمة عقابا .. وأن بعضنا ينال بعض عقابه فى الدنيا وبعض عقابه فى الآخرة. وأن العقاب أجله وعاجله هو ضريبة واجبة السداد عما جنت أيدينا ؟ صحيح أنها أعمار وآجال فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .. لكن ذلك لا يخفف أبدا من جريمة تعذيبك لها حتى الموت .. ولا من جريمة إهمالك لعلاجها .. وتقاعسك عن نجدتها فى أشد حالات الألم .. فلا عجب أن " تدفعي عاجله " الآن يا سيدتي فهذا عدل السماء وسوف تدفعين " آجله " حين يشاء الله " إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " صدق الله العظيم (الفرقان 70).
فليكن ما حدث درسا لا تنسينه مع الأيام ولتكن توبتك خالصة حقيقية ولتكفري بالعمل الصالح عما جنيت لعل الله يتقبل منك . وأرجو ألا يكون ندمك مؤقتا وألا يكون محاولة للتخلص من العذاب الذى تلاقينه الآن, أو للتخلص من خيال الفتاة البريئة الذى يطاردك على طريقة " لن تنام الليل يا ماكبث " كما كان شبح الملك القتيل يطارد قاتله . وفى النهاية فإذا كان لرسالتك البشعة هذه من فائدة فلعلها فى أنها تقول للآباء والأمهات بالتجربة المؤلمة :إن أبناءكم وديعة استودعكم الله إياها وسوف تسألون عما صنعتم بالأمانة , فلا تفرطوا فيها ولا تدعوها تغيب عن إشرافكم ورعايتكم وحمايتكم مهما كانت الأحوال .. فلا أحد يعرف ماذا يمكن أن تصل إليه نوازع النفس البشرية من الفظاعة فى بعض الأحوال ولا أحد يعرف ماذا تخفى بعض الوجوه " البريئة "وراء أقنعتها . وليغفر الله للجميع.
رابط رسالة الندم من كاتبة الرسالة
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر