رسالة من العالم الآخر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987
إن النعم لا تدوم ..والبساطة خير وأبقى، فالبعض
يستفزون الناس بسلوكياتهم وهم فى أوج قدرتهم، فإذا تغير الحال ولولوا وبكوا ونعوا
على الناس انعدام الوفاء.. لأنهم لم يعودوا يرون فيهم الممتازين الذين لا يخطئون
أبداَ.. وفقدوا قشرة الاحترام الزائفة لهم.. وتوقفوا عن أن ينظموا الأهازيج فى
حبهم والتغني بأفضالهم.
عبد الوهاب مطاوع
أكتب إليك هذه الرسالة تعليقا على رسالة قديمة نشرت فى بريد الجمعة منذ فترة طويلة
، كان اسمها (رسالة من خطير)، وقد دفعني عنوان الرسالة للكتابة إليك، لأنني بنت
رجل أخطر بكثير من كاتب الرسالة الأولى، ولأنني أريد أن أروى لك صورة من حياتنا،
وقبل أن أبدأ أرجو أن تتأكد من أنى أحب أبي جداً جداً ولكن هذا شئ ما سوف أحكيه لك
شىء آخر؟
أما الآن فسأقول لك أني لا أعاني أية مشكلة، فأبي مسؤل كبير،
وعضو بارز فى المجتمع من الذين يظهرون على الشاشة الصغيرة ليحدثوا الناس من حين
لآخر، وكل شئ سهل وميسور فى حياتنا.
فنحن نعيش فى مسكن واسع فاخر
ولدينا (الشغالون) الذين يقومون بالعمل، بعضهم بالأجر والبعض الأخر
"متطوعاَ" إكراماَ لأبي الذي تعيش عائلات كثيرة متمتعة ببركته ونفوذه،
وكل شىء من الأشياء التموينية متوافر عندنا بكثرة خصوصاَ الأشياء التى بها ندرة،
وعند وجود أزمة أو حتى شائعة عن أزمة سلعة كالدقيق أو السكر مثلا، يسارع
كثيرون "بالمجاملة" وإحضار كميات كبيرة من هذه السلعة بالجوالات إلى
درجة أننا والشغالون لا نعرف بالتحديد محتوى المخزون عندنا، وفى بعض الأحيان
(نرمى) أو نتصرف في أشياء لم تفتح نهائياَ لأن الزمن طال بها عندنا، وأي مشكلة
تواجهنا بسبب الروتين مثلاً، كاستخراج رخصة أو شهادة مخالفات سيارة .. إلخ، تحل
فور رفع أبي لسماعة التليفون.
وحين كنت فى الثانوية العامة، كان ناظر المدرسة يستدعيني كل يوم للسؤال
عن صحة أبي الغالية والاطمئنان عليها، وبالطبع معروف المقصود من ذلك، فلا
مانع من طلب خدمة كتسهيل تركيب تليفون أو قرعة حج لوالد السيد الناظر. أو توصية لحل
مشكلة بقسم الشرطة .. إلخ.
وعندما كنا نسافر إلى بورسعيد مثلاً لا نشترى إلا من تجار
"معرفة" وبتوصيات وإكرام خاص. وعند الخروج من الجمرك نخرج وكأننا
رؤساء دول بوداع وتحيات مجاملة لزميل أبي في محافظة بورسعيد.
وعموما فليس هناك نشاط نمارسه أو سلعة نشتريها إلا بتوصية أو مع جهة
نعرف من فيها ويعرفوننا، حتى عندما نذهب إلى السينما أيام كان الناس يفضلون الذهاب
إليها ، لم نكن نذهب كأشخاص عاديين يقطعون التذاكر ويدخلون، وإنما يسبقنا شخص
لشراء التذاكر، فلا يقف في الطابور وإنما يطلب مقابلة مدير السينما ويطلب منه
التذاكر، ثم ينتظرنا حتى نأتي ومعه المدير الذي يرحب بنا ويرسل إلينا من
المرطبات والجاتوه والشاي ما يفوق ثمنه تذاكر السينما التي دفعناها، وقبل أن يدخل
الغاز إلى مسكننا كنا نستعمل البوتجاز وكان الناس يشكون من عمال البوتجاز
ومساوماتهم وبيعهم للأنابيب بجنيه وجنيهين زيادة على السعر، أما نحن فكانت عربة
البوتجاز تبدأ جولتها بالمرور علينا وتغيير 4 أنابيب بسعر 65 قرشاَ للأنبوبة أي
السعر الرسمي .. وما يحدث فى البوتجاز يحدث فى اللحم والدجاج وغيرهما، حيث تأتي
إلينا اللحوم البلدية الممتازة من الجمعيات حتى باب البيت وبالسعر الرسمي، الذي يقل
إلى نصف أسعار الجزارين.
وهكذا كل شىء تقريباَ حتى
ملابسنا لم نكن نشتريها إلا من محلات القطاع العام وبتخفيض في الأسعار، ولا
نشترى إلا الأشياء الممتازة التي يبحث عنها الناس فلا يجدونها لأنها نفدت بسرعة
بعد نزولها للأسواق مباشرة، وهكذا عشت وتقدمت فى دراستي والتحقت بإحدى
الكليات الجامعية، منذ عامين أذهب إليها فى السيارة الحكومية وينزل السائق ليفتح
لي أبوابها، والنظرات الحارقة تنصب علي فأتجاهلها ومع ذلك فالجميع يوهمننا
بأننا لا نخطئ أبداَ، وأننا ممتازون فى كل شىء. حتى أنني وأنا في المدرسة
الثانوية ورغم رداءة خطى التي لابد أنك لاحظتها كنت عضواَ في جماعة تحسين الخطوط في
المدرسة، وكان المدرسون يقولون (الله) كلما كتبت لوحة بخطى الرديء هذا.. لكني لم
أصدق ذلك كما لم أصدق أشياء كثيرة في حياتنا.. لقد تعودت فعلاً الحياة السهلة جداً
التي نعيشها وتعودت المصروف الكبير جداً، ولا يشغلني ذلك وإنما يشغلني شيء
آخر، هو أننا رغم أننا نعامل باحترام زائد جداَ من كل الناس، فإننا نعيش شبه
منبوذين منهم، لأن أعماق الناس لا يستطيع أحد أن يتحكم فيها، كما أن منصب أبي لابد
له من يوم يتركه فيه وهو قريب، وأنا أخشى هذا اليوم لا لأننا سنفقد دخلاَ أو
مركزاَ ولكن لأن نفوس الناس تتغير مع ترك المناصب.. فماذا تقول لي؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
ولماذا تريدين يا آنستي أن تتحكمي فى أعماق الناس؟ إنهم لم يحولوا
بينكم وبين الاستمتاع بهذه الحياة السهلة اللذيذة التي يتوافر فيها كل شىء
بالقنطار خصوصاَ من الأشياء النادرة وبالأسعار الرسمية أيضاَ.
فلماذا تريدين أن تحولي بينهم وبين حقهم الطبيعي فى أن يحبوا من
يشاءون ويكرهوا من يشاءون؟!
إنهم يعطونك ما يمكن محسابتهم عليه لو لم يقدموه.. وهو الاحترام أو
مظهر الاحترام على الأصح.. أما الحب الحقيقي فلا أحد يملك إجبارهم عليه لأي إنسان
مهما علا شأنه. لأنهم لا يمنحونه صافياَ خالصاَ إلا لمن يحترم آدميتهم ولا يستفز
مشاعرهم بمثل هذه السلوكيات، كما أنهم لا يقدمون حبهم واحترامهم الحقيقيين إلا لمن
لا يستسلم لإغراء القوة والنفوذ فتصبح كل خطوة من خطوات حياته (امتيازاً) لا
يناله إلا أمثاله، ولمن لا ينفصل عنهم وعن مشاكلهم وحياتهم مهما علا شأنه وسما مركزه،
لذلك يحب الناس البعض لأشخاصهم ومثالياتهم وأخلاقياتهم مهما كانت مناصبهم، ويكرهون
البعض الآخر لأشخاصهم أيضاَ مهما كانت مراكزهم!!
إنك تخافين من تغيير نفوس الناس بعد خروج أبيك من منصبه وهذا عظيم،
فماذا قدمتم لمثل هذا اليوم؟ إن البعض من أصحاب المناصب لا يهمهم بقاؤهم
فيها أو خروجهم منها، لأنهم يعتبرون أنفسهم أكبر من مناصبهم، ولأنهم لم يستفيدوا
منها فى حياتهم الشخصية، ولم يعتمدوا عليها فى علاقاتهم الاجتماعية. لذلك لا تختلف
صورة الحياة فى أعينهم كثيراً سواء بقوا فيها أو خرجوا منها.. أما البعض الآخر فقد
تعاملوا معها بمنطق عصارة البرتقال والليمون التي تضغط على الثمرة لتعصر كل قطرة
فيها، وهؤلاء هم من تتغير الحياة فجأة أمامهم حين يفقدون قدرتهم على النفع
والإضرار للآخرين، ويتحول بعضهم إلى شخصيات مريضة غير متوائمة مع الواقع بل وإلى
أشباه مجانين حين يفقد الناس قشرة الاحترام التي فرضتها عليهم مناصبهم.. لا
شخصياتهم.. وبعضهم يلاحق زملاءهم الذين مازالوا فى مناصبهم بالمطالب والرجاوات
والاستشفاعات كلما واجهتهم مشكلة بسيطة مما تواجه الملايين كل يوم، ويعتمدون على
أنفسهم فى حلها.. لأنهم لم يعتادوا التعامل مع الحياة كمواطنين عاديين.
إنك يا صديقتي تتحدثين عن الناس بلهجة خفية من اللوم والحذر، ولا
تتحدثين عن أنفسكم بنفس اللهجة، بالرغم إنك لم يغب عنك انعكاس هذه الامتيازات على
الآخرين، فلم تغب عنك النظرات الحارقة التي تستقبلك وأنت تنزلين من السيارة
الحكومية وسائقها الحكومي الذى تدفع الدولة راتبه يفتح لك بابها، ولو كان سائقا
خاصاَ لما استلفت ذلك أنظار أحد، ولو يغب عنك أنكم رغم الاحترام (الزائد) تعيشون
شبه منبوذين، لأنه لا أحد يتحكم فى أعماق الناس.. كما تقولين، ولأن العلاقات
الإنسانية ليست كما يبدو سليمة وسوية بينكم وبين الآخرين، ويبدو أنها قائمة على
الخوف لا الحب. وأنا لا ألومك أنت شخصياَ لأنك لست المسؤلة عن كل ذلك، وإنما ألوم
الأوضاع التي تسمح لبعض الأشخاص بألا يعرفوا من الحياة سوى هذه الصورة الوردية
التي تبدو للكثيرين غريبة تماماَ، وأنصحك بألا تفقدي صدقك مع نفسك، وبأن تنظري
للأمر كله كتمثلية رديئة سوف تنتهي سريعاَ، وأن تتعودي على الحياة العادية
والمصروف العادي لأن النعم لا تدوم كما تعرفين.. ولأن البساطة خير وأبقى، ولكيلا
تفعلي كما يفعل البعض الذين يستفزون الناس بسلوكياتهم وهم فى أوج قدرتهم، فإذا
تغير الحال ولولوا وبكوا ونعوا على الناس انعدام الوفاء.. لأنهم لم يعودوا يرون
فيهم الممتازين الذين لا يخطئون أبداَ.. وفقدوا قشرة الاحترام الزائفة لهم..
وتوقفوا عن أن ينظموا الأهازيج فى حبهم والتغني بأفضالهم.
مع أن الخطأ هنا ليس خطأ الناس بقدر ما هو خطأ من اعتادوا
التميز والترفع والسيادة، وتلقى احترام الناس دون أن يكلفوا أنفسهم عناء محبتهم
واحترامهم ومشاركتهم ولو شعورياَ حياتهم الصعبة.. فلا تكوني من هؤلاء لأن الدنيا
مستديرة يا آنستي.. ولا تستقر على حال، ولأنه لا يبقى للمرء فى النهاية سوى ما قدم
للحياة من خير وما أخلص من الود للآخرين وما أخلصه له الآخرون منه.
شارك في
إعداد النص / ياسمين عرابي
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر