العصا السحرية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

 العصا السحرية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

العصا السحرية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004


إذا  كان مما ينغص صفاء المرء أن يشعر بأنه قد ظلم إنسانا ما عن غير عمد ويستغفر ربه كثيرا علي ذلك‏..‏ فما بالك إذا كان قد ظلمه عامدا متعمدا‏..‏ وما بالك إذا كان المظلوم من أقرب الناس إليه ومن ذوي رحمه الأقربين؟ .. وهو أشد مضاضة على نفس المظلوم، كما هو أيضا كذلك على نفس الظالم إذا كان من أصحاب الضمائر الحية والقلوب الحكيمة.

عبد الوهاب مطاوع


قرأت رسالة‏ "النظرة الباردة" للشاب المكافح الذي كان إخوته ينكرونه ويجافونه لأنه ابن الزوجة الثانية لأبيهم الراحل ‏..‏ والذي روى لك أنه صبرعلى جفاء إخوته له وعلى ظروفه القاسية وحافظ على صلة الرحم معهم بالرغم من نفورهم منه .. وكافح كفاحا مريرا وعمل عاملا في محل لطحن البن ثم بدأ يتاجر فيه وتحسنت أحواله حتى تغلب على ظروفه،  وأصبح تاجرا ناجحا وثريا‏,‏ فاعترف به إخوته من أبيه وأصبحوا يرحبون به ويحترمونه بل ويقصدونه لطلب الخدمات أو القروض منه‏.

 

ولقد شجعتني هذه الرسالة على أن أروي لك أنا أيضا قصتي التي تعكس وجها آخر للعلاقة بين الإخوة‏ ..‏ فإذا كان كاتب الرسالة هو الأخ الذي حرص على صلة الرحم برغم إنكار إخوته له‏,‏ فلقد كنت أنا للأسف الأخ المبتعد عن إخوته الرافض للتقارب معهم‏,‏ وأرجع إلى البداية فأقول لك إنني ابن وحيد بين أربع بنات لأب كان يملك مشروعا تجاريا ناجحا‏,‏ وقد أنجبني بعد ثلاث من البنات فسعد بي سعادة طاغية‏,‏ واهتم بي اهتماما كبيرا‏,‏ وأغدق علي بالعطف والحب والحنان‏,‏ وأشركني معه في عمله وأنا مازلت صبيا لكي أتعلم أسرار العمل الذي سأخلفه فيه بعد عمر طويل‏,‏ وبعد عدة سنوات أراد أن أتوقف عن الدراسة لأتفرغ للعمل معه‏,‏ لكنني فضلت أن أواصل دراستي وأن أحصل على شهادة تكون سلاحا لي حتى ولو عملت بالتجارة‏,‏ ولم يتمسك أبي برغبته طويلا فلقد كان حريصا على ألا يغضبني‏,‏ وهكذا واصلت الدراسة والعمل معه حتى حصلت على بكالوريوس التجارة‏..‏ وكانت هدية أبي لي يوم ظهور النتيجة سيارة صغيرة وتفرغت للعمل معه‏,‏ ووجدت بين يدي نقودا كثيرة فانسقت بعض الشئ وراء عبث الشباب ومغامراتهم‏,‏ وانزعج أبي كثيرا حين علم بذلك وكانت شقيقاتي الثلاث اللاتي يكبرنني قد تزوجن‏,‏ فألح علي أبي أن أسارع بالزواج لكي يطمئن علي‏,‏ وعرض علي ابنة  صديق له من أسرة كريمة‏,‏ وجاريته في البداية لكيلا أغضبه‏,‏ وأنا أعتزم التسويف والمماطلة‏,‏ ووافقت على أن أرى الفتاة المرشحة لي في بيت عمتي ورأيتها‏,‏ فإذا برعشة كهربائية مفاجئة تسري في دمي‏,‏ وإذا بي أنجذب إليها وأعجب بها‏,‏ وخطبتها‏,‏ ووقعت خلال فترة الخطبة في غرامها فانصرفت عن عبث الشباب وأخلصت لها وشعرت بحبها الكبير لي‏,‏ وتزوجنا وسعدنا بحياتنا معا‏..‏

ورحل أبي عن الحياة بعد زواجي بشهور‏,‏ وخلفته في العمل وتحملت مسئوليته وأصبحت الأخ الأكبر الذي يرعي شقيقاته‏,‏ بالرغم من أن ثلاثا منهن يكبرنني‏.‏ وبهذا الإحساس وافقت على زواج أختي الصغرى من شاب تقدم لها وأشرفت علي إعداد جهازها وكل متطلباتها‏.‏

وكنت منذ وفاة أبي وإنهاء إجراءات الوراثة قد اعتدت أن أعطي لشقيقاتي ما يحتجن إليه من نقود خلال العام وأسجله لدي‏,‏ فإذا انتهت السنة وأجرينا حساباتها الختامية تحاسبنا فيكون لكل منهن مبلغ من المال كإيراد عن نصيبها في الشركة أو تكون قد استهلكته كله أو تجاوزته‏,‏ فيخصم الزائد من حساب السنة التالية‏,‏ وكانت أمي راضية عن ذلك وسعيدة به وتدعو لي بالفلاح والنجاح والسعادة‏,‏ إلى أن جاء يوم وفوجئت بزوج كبرى شقيقاتي يحدثني بلهجة لم أسترح إليها عن نصيب زوجته‏,‏ ويريد أن يطلع على حسابات العمل‏,‏ فثرت عليه ثورة هائلة واتصلت بزوجته غاضبا وعنفتها وقاطعتها بعد ذلك وشكوتها لأمي ولأخواتي‏..‏ ولم أكتف بذلك وإنما قررت أن أعاقبها عقابا رادعا‏,‏ على سماحها لزوجها بهذا التدخل‏,‏ فأصررت على إخراجها من الشركة وتصفية نصيبها فيها ودفع قيمته لها  فلا تعود لها ولا لزوجها أية صلة بها‏..‏ وتعقدت الأزمة وفشل الأهل في التقريب بيننا‏,‏ وانتهى الأمر بعمل تسوية لنصيبها‏,‏ رفضتها هي في البداية وأصررت عليها ولم أستجب لأية وساطة‏..‏ كما لم أستجب أيضا لضغط زوجتي علي لكي أرجع عن تصميمي وأقبل بتعديل التسوية لصالح أختي التي رضخت في النهاية ووقعت على التخارج من الشركة وقبضت المبلغ الذي حددته وهي تنذرني بأن الله لن يبارك لي في مالي ولا في عيالي لأني قد ظلمتها‏!‏

وتركت الأزمة آثارها على علاقتي ببقية شقيقاتي‏,‏ فلقد أصبحن يخفن مني منذ هذا الحين‏,‏ وبدأت أنا أفتقد الحب الصافي الذي كنت أستشعره في علاقتي بهن‏,‏ غير أنني لم أهتم كثيرا بذلك‏,‏ فلقد ازدهر العمل وكثرت الشواغل ‏..‏ وتباعدت اللقاءات بيني وبينهن وأصبحت أعمل‏14‏ أو‏15‏ ساعة في اليوم وأقطع البلاد من شمالها إلى جنوبها لأنها متطلبات العمل‏,‏ ثم بدأت مشروعا جديدا وانهمكت في تنفيذه فإذا بخاطر غريب يلح علي هو لماذا أوزع عائد جهدي وشقائي على من لا يبذلون قطرة عرق واحدة في كسب هذا المال؟ صحيح أن لشقيقاتي حقا في هذا المال بقدر أنصبتهن في تركة أبي‏,‏ لكن المحصلة هو أنني أشقى وأتعب وحدي ويجني أزواجهن ثمرة شقائي بلا تعب ولا مجهود‏,‏ وهذا وضع ينبغي ألا يستمر طويلا‏,‏ وهكذا قررت إخراج شقيقاتي من الشركة وتعويضهن عن أنصبتهن فيها وأعلنتهن بذلك وعرضت عليهن تسوية رأيتها عادلة ورأينها هن وأزواجهن ظالمة‏,‏ فحزنت أمي كثيرا وحذرتني من ظلم أخواتي‏,‏ وغضبت الشقيقات الثلاث لكنهن لم يخرجن معي عن حدود الأدب‏..‏ وكان أقصى ما قلنه لي هو‏:‏ إنك تظلمنا بهذه التسوية لكن الظفر لا يخرج من  اللحم‏,‏ ولن نشكوك إلا إلى الله تعالى‏,‏ ولن نقطع صلتنا بك إكراما لأبينا وأمنا وزوجتك الطيبة التي لا ترضي عما فعلت معنا‏.‏

واهتززت قليلا حين سمعت منهن ذلك‏,‏ لكني قدرت أنهن سوف ينسين غضبهن مع الأيام وتعود العلاقة لسابق عهدها بيننا‏,‏ وتوقفت أمام إشارتهن لموقف زوجتي وكيف أنها غير راضية عما أفعل‏,‏ وتعجبت كيف لها وهي تحبني حبا عميقا أن تخالفني في رغبتي في التحرر من الشركاء والانطلاق حرا في العمل‏,‏ بحيث تكون لي ولها وحدنا ثمرة شقائي وكفاحي‏,‏ وناقشتها طويلا في ذلك فلمست فيها الخوف من المستقبل ومن أن يضيع المال الذي أحرص على أن يكون لنا وحدنا إذا تخلى الله عن توفيقه لنا‏,‏ وحاولت طمأنتها بلا جدوى وانهمكت في تنفيذ المشروع الجديد‏,‏ وأصبحت الأسابيع والشهور تمضي دون أن أرى شقيقاتي‏,‏ ورحلت أمي عن الحياة وأنا موجود في أسوان فأسرعت بالعودة وقالت لي السيدة العجوز التي كانت ترعاها أن آخر كلماتها لها كانت‏:‏ قولي لفلان‏:‏ أخواتك‏ !‏ والتقيت بشقيقاتي في بيت أبي‏,‏ وشعرت بجفائهن الصامت لي وحاولت ألا أتأثر‏,‏ وبدلا من أن ألتمس لهن العذر وجدتني أضيق بهن وأتهمهن بظلمي والانقياد لأزواجهن ضدي وعدم مراعاتي كأخ لهن‏,‏ واستأت من زوجتي لحرصها على مودتهن بالرغم من أنهن لا يحرصن على مودتي‏,‏ وتشاجرت معها ذات يوم وسألتها بأي وجه تزورينهن ‏..‏ وكيف تسمعين منهن كلاما سيئا عني ولا تردين؟ فأجابتني باكية إنها تزورهن لأنها وحيدة أبويها ولا إخوة لها وتعرف قيمة الأهل مهما حدث بينهم‏,‏ كما أنهن يحرصن على مشاعرها فلا تذكرني إحداهن بسوء أبدا أمامها‏,‏ ولم أقتنع بذلك ولم أطمئن إليه‏,‏ وعدت للانغماس في العمل من  جديد‏,‏ وفجأة تعرض عملي لمحنة شديدة كادت تعصف بكل ما بنيته على مدى السنين‏,‏ بسبب ظروف معاكسة نادرة الوقوع‏,‏ ولكنها وقعت معي وحدي للعجب‏,‏ وتعلق أملي في الخروج منها بأن أجد سيولة مالية كافية لتغطية المطلوب‏,‏ وبالصمود لأطول فترة والصبر على المشروع الجديد حتى يؤتي ثماره‏,‏ واستخدمت كل ما لدي من مدخرات في هذه المحنة‏,‏ وبعت قطعة أرض للبناء واستعنت بثمنها على إنقاذ العمل‏,‏ وضاقت الحلقة حولي حتى عجزت عن النوم‏,‏ وشعرت بالاختناق وفي كل يوم مشكلة جديدة ومطالبة جديدة وبمتأخرات حتى كدت أسلم باليأس في بعض الأوقات واستسلم وأشهر إفلاسي‏,‏ وشعرت زوجتي بما أعانيه فلم تتردد في إعطائي كل مصاغها ومجوهراتها لأستفيد بثمنها في حل أزمتي‏..‏

كما جاءتني أيضا بما تملكه من شهادات إيداع لنفس الغرض‏,‏ وفي شدة ضيقي تذكرت شقيقاتي اللاتي ابتعدت عنهن وابتعدن عني وسألت نفسي هل تراني بالفعل قد ظلمتهن؟ وهل كان تقييمي لنصيب كل منهن في تركة أبينا عادلا أم مجحفا؟ ولماذا أجبرتهن علي الخروج من الشركة‏,‏ وقد كن جميعا رافضات لذلك؟
ولماذا لم أحرص على مودتهن ورعايتهن كما يجدر بالأخ الوحيد أن يفعل مع شقيقاته‏ ..‏ إن الظروف المعاكسة التي واجهتها في العمل يندر أن تتجمع كلها في وقت واحد‏,‏ أو أن تقع واحدة بعد الأخرى كما حدث معي‏,‏ فما هو تفسير ذلك؟ إلا أن يكون التوفيق الإلهي قد حجب عني ‏..‏ وبماذا استحققت هذا العقاب ؟

وفكرت طويلا فيما حدث وراجعت موقفي من كل شئ‏,‏ وكان اليوم يوم  الاثنين وأنا صائم صيام تطوع وقررت بيني وبين نفسي أن أنهج نهجا جديدا في الحياة أتحرى فيه‏ دائما رضا الله سبحانه وتعالى قبل أي شيء آخر‏,‏ وعدت للعمل بأمل جديد وحرصت منذ ذلك الحين على صيام يوم الاثنين من كل أسبوع‏,‏ وعلى أن أجدد العهد مع نفسي في هذا اليوم على أن أصلح أخطائي‏,‏ وبدأت الخطوة الأولى على طريق الإصلاح بزيارة مفاجئة لكبرى أخواتي التي حاول زوجها مراجعة حساباتي وكانت قد مضت خمس سنوات كاملة على القطيعة التامة بيننا‏,‏ حتى أنني رأيتها في وفاة أمي لم أتبادل معها كلمة واحدة‏ ..‏ وقد توجهت لزيارتها مصطحبا معي زوجتي كأنما أحتمي بها‏,‏ وفوجئت أختي بي أمامها فلم تتمالك نفسها وهجمت علي باكية واحتضنتني وانهالت تقبيلا على رأسي ويدي‏,‏ فلم أشعر إلا ودموعي تنهمر من عيني ‏..‏ وقبلت رأسها ويدها وطلبت منها السماح ووعدتها بتصحيح كل شيء وإرضائها‏,‏ فإذا بها تقول إنها لا تريد مني شيئا إلا أن أكون أخا لها وخالا لأبنائها‏,‏ وأن يوم دخولي بيتها بعد هذه السنوات هو يوم عيد وأكدت ذلك بزغرودة فرح طويلة جاوبتها على الفور زغرودة مماثلة من زوجتي ‏..‏ وظللت طوال الجلسة دامع العين باسم الثغر‏,‏ سعيدا‏.‏

وبعدها بأيام تكرر نفس المشهد تقريبا في بيوت شقيقاتي الأخريات‏..‏ وخرجت من عندهن وأنا أتعجب كيف حرمت نفسي من مودة شقيقاتي هؤلاء وأبنائهن وأزواجهن طوال السنوات الماضية‏ ..‏ وعادت المياه إلى مجاريها بيني وبين أخواتي‏ ..‏ واكتشفت أنني أكثر قدرة على مواجهة صعاب العمل من ذي قبل‏.‏ وأنني أعمل وأنا أكثر تفاؤلا بالمستقبل وأكثر اطمئنانا‏..‏ واتفقت مع أخوتي على أن نجتمع كلنا رجالا ونساء وأطفالا على الغداء في بيت أحدنا يوم الخميس من كل أسبوع لنتناول الطعام معا ونمضي فترة الأصيل في سمر عائلي ممتع‏..‏ وانتظمت هذه اللقاءات وكانت البداية في بيتي‏,‏ وبدأت السحب السوداء التي تجمعت في سماء العمل تنقشع تدريجيا واحدة بعد الأخرى إلي أن زالت كلها في مدى عامين‏,‏ إن لم أكن قد حققت فيهما الربح المنتظر‏,‏ فلقد كسبت فيهما ما لا يقدر بمال وهو شقيقاتي وأزواجهن وأولادهن‏..‏ ثم نشطت عجلة العمل التي كانت تدور بصعوبة‏..‏ وتسارعت دورتها واطمأن قلبي إلى عبوري للأزمة بسلام وبدأت أجني الثمار‏,‏ وهنا قررت تنفيذ ما كنت قد عقدت العزم عليه وأنا في شدة المحنة‏..‏ فأعددت لشقيقاتي جميعا عقود مشاركة معي في المشروع القديم الذي ورثناه عن أبينا وتخارجن منه‏,‏ كل بقدر نصيبها الشرعي في التركة بغض النظر عن أنني قد دفعت لها من قبل قيمة نصيبها عند التخارج‏,‏ وفاجأتهن بهذه العقود وطلبت منهن توقيعها والاحتفاظ بنسخ منها لديهن ‏..‏ وسعدن بذلك لكنهن تساءلن وكيف لنا أن ندفع نصيبنا في رأس المال‏,‏ وقد أنفقنا أنصبتنا التي حصلنا عليها ولا نملك ما ندفعه لك‏,‏ فأجبتهن بأن العقود تفيد أنهن قد دفعن بالفعل أنصبتهن ولا يحتجن إلى دفع أي شيء جديد‏,‏ فازددن سعادة‏..‏ وانهالت الدعوات الصالحات لي ولزوجتي وأولادي وحاصرتني نظرات الحب والشكر والعرفان‏.

 

‏ وأريد أن أقول لك إنني لم أفعل ذلك طلبا لرضائهن ومودتهن‏,‏ فلقد أخلصن لي المودة بالفعل منذ عادت العلاقات بيننا‏,‏ لكني فعلته طلبا لرضاء المولى سبحانه وتعالى وتنفيذا لوصية أمي الأخيرة قبل أن تفارق الحياة‏,‏ ويا سبحان الله فكأنني قد عثرت بعد ذلك على عصا سحرية أشير بها إلى العقبات والصعوبات فتزول عن طريقي بيسر وسهولة بأمر الله‏..‏ وتفتح لي الأبواب المغلقة في كل مجال‏,‏ فلقد ازدهر العمل‏..‏ وتضاعفت  الأرباح ورسخت أقدامي في السوق‏,‏ وأصبح لي‏ 4 مساعدين متطوعين هم أزواج شقيقاتي أكلفهم بما أشاء من مهام العمل فيؤدونها في حماس وحب‏,‏ وأكلف هذا بالسفر إلى أسيوط وذاك بالسفر إلى الإسكندرية‏,‏ فيرحب بما أكلفه به‏,‏ وفي يوم الخميس نجتمع على الغداء ونقضي بقية اليوم معا‏,‏ وكلما احتاجت أخت من أخواتي إلي مبلغ من المال سددته لها وخصمته من عائدها السنوي‏,‏ فإن كنت قد ندمت علي شيء فعلي أن أمي قد رحلت عن الحياة وعلاقتي بشقيقاتي‏,‏ شبه مقطوعة فلم تسعد برؤيتنا كما تحب كل أم أن ترى أبناءها متحابين متراحمين‏,‏ أما زوجتي فاني أعجب لها حقا‏,‏ وأزداد حبا لها وإعجابا بها يوما بعد يوم‏,‏ فلقد جرت العادة على أن نسمع الشكوى من سعي بعض الزوجات إلى إبعاد أزواجهن عن شقيقاتهم وتبادلهن الغيرة وسوء الظن معهن‏,‏ وزوجتي هذه كانت أكثر الناس تعاسة بجفائي لأخواتي في السابق‏,‏ وكثيرا ما حثتني على مودتهن‏,‏ وأصرت على أن تتزاور معهن طوال فترة الجفاء وعلي الاتصال بهن هاتفيا كل يوم تقريبا‏,‏ وهي الآن في قمة سعادتها بعودة المياه لمجاريها بيني وبين أخواتي‏..‏ وتسألني إذا لم يتواد الإنسان مع أهله وأخوته فمع من يتواد ويصاحب إذن؟

ولقد كتبت لك رسالتي لأقول لك إنني أفضل الآن حالا من كل الوجوه عما كنت حين أغراني طمع الدنيا بإخراج شقيقاتي من تركة أبيهن‏,‏ وأن مالي لم ينقص بما فعلت معهن بل نما وزاد‏‏ وبارك الله لي فيه وفي أبنائي وزوجتي وصحتي وكسبت ما هو أهم من المال وهو راحة القلب والضمير‏.‏

ونصيحتي لكل إنسان أن يعدل مع ذويه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

 
ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

العصا السحرية التي عثرت عليها وفتحت لك الأبواب التي كانت مغلقة من قبل في وجهك وأزالت العقبات والصعوبات عن طريقك‏,‏ هي راحة القلب والضمير والتحرر من الشعور بالذنب تجاه شقيقاتك‏,‏ ومن شكك أو يقينك بأنك قد ظلمتهن بإخراجهن من تركة أبيهن علي غير رغبتهن وقطعت عنهن موردا منتظما كن يعتمدن عليه للتوسعة علي أسرهن‏,‏ ولقد كان حالك وأنت تتساءل هل تراني قد ظلمتهن‏,‏ تجسيدا للإحساس بالإثم كما صوره لنا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين قال ما معناه‏:‏ الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس‏,‏ والمؤكد أنه لم يكن يسرك بأي حال من الأحوال أن يطلع أحد علي سعيك لإخراج شقيقاتك من تركة أبيهن علي غير إرادتهن لكي تنفرد بعائدها وحدك‏,‏ ولا علي القيمة المالية التي قدرتها لكل منهن مقابل نصيبها واعتبرتها هي مجحفة‏,‏ ناهيك عن إحساسهن بالقهر والإرغام علي قبولها راضية كانت أم راغمة‏,‏ وكل ذلك ليس مما يشعر معه أصحاب الضمائر الحية والوجدان الديني بالارتياح‏,‏ ولا هو مما يساعد الإنسان علي الانطلاق في الحياة متحررا من المشاعر السلبية التي تبدد جزءا ثمينا من طاقته النفسية‏,‏ لأنك لابد أن تتوجس ممن ظلمته مقدرا أنه لابد يحمل لك مشاعر البغضاء والكراهية وتتحفز لكل خطوة أو إشارة منه متوقعا السوء من جانبه‏,‏ ولقد ينتهي بك الحال غالبا إلى كرهه لأنه يمثل عبئا نفسيا إضافيا عليك‏..‏

وكل ذلك يخصم من قدراتك ومن هنائك واستمتاعك بالحياة وبالنجاح‏,‏ وإذا  كان مما ينغص صفاء المرء أن يشعر بأنه قد ظلم إنسانا ما عن غير عمد ويستغفر ربه كثيرا علي ذلك‏..‏ فما بالك إذا كان قد ظلمه عامدا متعمدا‏..‏ وما بالك إذا كان المظلوم من أقرب الناس إليه ومن ذوي رحمه الأقربين؟ إن الشاعر العربي يقول‏:‏

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند


وهو أشد مضاضة على نفس المظلوم‏,‏ كما هو أيضا كذلك على نفس الظالم إذا كان من أصحاب الضمائر الحية والقلوب الحكيمة‏,‏ لهذا فاني أفهم جيدا ما كان يعتل في نفوس شقيقاتك خلال فترة جفائك لهن‏,‏ وأفهم أيضا ما كان يضطرب من مشاعر في نفس زوجتك الطيبة وهي تراك تظلم شقيقاتك وتقطع رحمهن‏,‏ ذلك أنها لابد قد اعتبرت نفسها من أعوان الظلمة الذين يخشون أن يحاسبهم الله سبحانه وتعالي ليس عن ظلمهم لأحد‏,‏ وإنما عن عونهم بغير قصد‏,‏ لمن ظلموا غيرهم‏,‏ ولقد روي أن الإمام أحمد بن حنبل حين سجن في فتنة خلق القرآن سأله سجانه ذات يوم عن الأحاديث الشريفة التي وردت عن أعوان الظلمة هل هي صحيحة؟
فأجابه بالإيجاب‏ ..‏ فعاد يسأله وهل تعتبرني من أعوان الظلمة ؟
فقال له لا‏ ..‏ أعوان الظلمة هم من يخيطون لك ثوبك‏ ..‏ ومن يطهون لك طعامك‏,‏ ومن يحملون إليك الماء‏..‏إلخ أما أنت فمن الظلمة أنفسهم‏ !‏


فلا عجب إذن أن قال أمير المحدثين أبو سفيان الثوري أن النظر في وجه  الظالم خطيئة‏ !‏ ولا غرابة في أن زوجتك لم تكن تريد لك أن تكون ظالما لشقيقاتك لكيلا تحمل هي أيضا بعض وزرك من حيث لا تدري‏.‏ فاحرص يا صديق علي هذه العصا السحرية التي عثرت عليها بعد تخبط لم يطل والحمد لله في سباق الحياة‏,‏ وتذكر دائما أن الفوز بها هو الفوز العظيم حقا وصدقا ليس فقط من الناحية الإيمانية‏,‏ بل وأيضا من الناحية العملية في الحياة‏,‏ لأن راحة القلب والضمير والعيش في إطار من الإيمان بالله ووفق تعاليمه وهدايته يطلق قدرات الإنسان ويحرر طاقته النفسية من الإثم والخوف والإحساس بالذنب‏,‏ فيسعي في الحياة آمنا مطمئنا‏..‏ ويجعل له الله سبحانه وتعالى مودة ورحما في كل مكان بإذن الله‏.‏

رابط رسالة النظرة الباردة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات