صيغة الغائب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 صيغة الغائب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

صيغة الغائب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

بدأت حياتي الزوجية منذ 40 عامًا فاخترت شريكة حياتي من أسرة متوسطة مثل أسرتي وإن لم تنل قسطًا كاملاً من التعليم وبدأنا حياتنا بمرتبي البسيط كرجل من رجال التعليم .. وبحبها وإخلاصها وتفانيها في إسعاد الأسرة مضت سفينة حياتنا في سلام وكانت خلال الرحلة الزوجة والأخت والأم .. وكبرت بناتنا الثلاث وتخرجن وتزوجن وخلا البيت عليّ وعلى زوجتي منذ حوالي ست سنوات فتغيرت فجأة معاملة زوجتي لي .. وسمعتُ منها من كلمات النقد ما لم أسمعه منها طوال حياتنا الزوجية وأصبح أي رأي لبناتها هو الأصح ولو كان فيه ضرر لهن وأصبح المديح كله لأزواج شقيقاتها وليس لي وأصبحت مناقشاتنا تنتهي دائمًا بخصامنا وما قالته في مشكلة الأمس تكرره في مشكلة اليوم ولا تتنازل أبدًا عن رأيها بعد أن عشنا أكثر من ثلاثين عامًا لا يتدخل في شئوننا أحد .

 

ومنذ 6 سنوات ونحن لا تجمعنا غرفة نوم واحدة وتقول إنه ليس لي عليها سوى واجب إعداد الطعام ووضعه على المائدة في صمت لأراه ثم آتي لأتناوله بدون نداء عليّ وبلا كلمة واحدة .. وربما تفضلت بإشارة مبهمة أفهم منها المقصود .

 فقد أصبح اسمي محرمًا عليها منذ ذلك الحين فلا تنطق به أو تناديني به أبدًأ وإذا اقتضت ضرورة الحديث ذكر اسمي خلال سرد أي حكاية مع بناتها أو حتى أمامي تحدثت عني "بصيغة الغائب" مع أني حاضر أمامها ومع أني أشهد الله أني لم أتجاوز في مناقشاتي معها ما أحله الشرع والدين ولم أوجه إليها كلمة سباب أو أرفع يدي عليها .

 

ومن المؤسف أن بناتها الثلاث لا يجاهرنها بأي لوم أو نصيحة في حين يحاولن في كلامهن معي إرضائي بأنهن قد أعيتهن الحيل معها .

 وقد زاد الطين بلة أني أُحلت إلى المعاش منذ 3 سنوات وأصبحت وحيدًا بلا عمل فهل تتكرم بتوجيه كلمة لها ولبناتها الثلاث بأن يراعين الله والدين والعرف والبنوّة في معاملتي حتى يعصمني الله من إتيان عمل يُحلّه الشرع لي لكني أرد نفسي عنه حرصًا على أسر بناتي وكيانهن .. إنني أدعو الله أن يعطيني القوة حتى لا أسقط مريضًا وأحتاج إلى زوجتي التي أثق في أنها سوف تتخلى عني .. وربما بناتي أيضًا .!

 

 

  ولكاتب هذه الرسالة أقول :

          من المؤسف حقًا أن تكون بداية الحياة الحقيقة والاستمتاع بالراحة وجني ثمار الكفاح الطويل هي بداية المعاناة لزوجين تشاركا في رحلة العمر .. ووصلت سفينتهما إلى شاطئ الأمان . ولن أطيل هنا في توجيه الكلام إلى شريكة حياتك وتذكيرها بحقك عليها فقد كانت باعترافك أنت الأم والزوجة والأخت طوال أكثر من ثلاثين عامًا . كما لن أطيل في الحديث إلى بناتك اللاتي أحسُّ بحرج موقفهن بينك وبينها خاصة وإنك تطالبهن بالتحكيم بينكما ذلك أني أفضّل إعفاءهن من هذا الحرج وألا تضغط عليهن ليتخذن موقفًا مع أحدكما ضد الآخر .. وبالتالي تجنب الإحساس بالمرارة حين لا يُقدمن على ما تريد ولا تُزِد من معاناتك مع الجميع فجهودهن يا سيدي مهما بلغت فلن تتجاوز حدود المساعي الحميدة ومحاولات الإصلاح بين الطرفين مع الحرص على ألا يغضبن أحدكما ومن كرم الأبوة والأمومة ألا نطالب الأبناء بأكثر من ذلك .. وألا ننتظر منهم انحيازًا لجانب ضد الآخر .. لأن لكلا الطرفين عليهم حقًا غير منكور .. وليس من الحكمة أن نطالبهم بأن يجلسوا مجلس القضاء بينهما وأن ننتظر منهم تنفيذ أحكامهم أيضًا !

 

ومتاعبكما كما أتصور قد بدأت مع الانفصال الجسدي وهو مأساة أخرى لابد من التعامل معها بحذر لأن لكل طرف أسبابه ودواعيه التي لا يمكن تجاهلها – ثم تفاقمت الأمور بعد ذلك مع احتدام المناقشات وتمسك كل طرف منكما برأيه في كل الأمور والذي لا يعرفه كثيرون هو أننا مع تقدم العمر تبدأ معاناتنا مع مرض تصلب الشرايين وأنه بسبب هذا المرض اللعين تقلّ أحيانًا مرونتنا السابقة وتضيق دوائر تسامحنا فيُسهم من حيث لا ندري في إفساد حياتنا بما يورثنا من بعض مظاهر العناد والعصبية وتصلب الرأي .

 

والالتفات لهذا المرض يخفف كثيرًا من معاناتنا مع بعض آثاره .. كما يساعدنا أيضًا على تقبل أو تفهم بعض مظاهر عناد الآخرين وتمسكهم "المفاجئ" بالرأي في مواجهتنا وخلاصة القول هو أنكما في حاجة إلى أن تبدآ صفحة جديدة تهتمان معًا خلالها بصحتكما العامة .. ويُبدي كل منكما فيها بعض الود تجاه الطرف الآخر .. وبعض التنازل عن آرائه السابقة .. كما تحتاجان أيضًا إلى تجديد حياتيكما والخروج معًا على نمط الحياة الروتينية إلى الأندية والأماكن المفتوحة .. وحبذا لو تمكنتما من تدبير سفر قصير إلى أي مكان قريب يجدد إحساسكما بالحياة ويوقظ المشاعر القديمة .. ويبعدكما عن شبح هذه الحياة الكئيبة. فحاول أن تفعل .. فلا شك أنه أفضل كثيرًا من "الإتيان" بأي عمل ينذر بالمتاعب للجميع وأولهم أنت ..

رابط رسالة متاعب الخريف تعقيبا على هذه الرسالة


 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1992

كتبها من مصدرها / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات