المنطق الواضح .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
أرجو أن يتسع صدرك لقراءة هذه "المأساة" وإرشادي إلى حلها.
فأنا شاب قاربت الخامسة والثلاثين وانتمى للفرع الفقير من أسرة ثرية معروفة فى الجنوب. وقد تخرجت من كلية الحقوق ثم عملت بالخارج عدة سنوات.. وأقمت بما جمعت منزلا فى قريتي وخصصت لى فيه شقة مستقلة واستقر بى الحال بين أهلي وعملت بوظيفة قانونية ومنذ عام تعرفت بطالبة مقبولة الشكل بالسنة النهائية بإحدى الكليات وتقدمت لأبيها وتركت له الفرصة ليتحرى عنى وعن أخلاقي وأسرتي وبعدها بقليل جاءني فى عملي ورحب بقبولي.
وكان شرطي الوحيد هو أن تقبل زوجتي الإقامة فى بلدتي ووافقت هى وأسرتها على ذلك بشرط أن أعمل على إيجاد شقة أخرى بعيدا عن منزل الأسرة ويسر الله لى ذلك رغم صعوبة ظروفي وتم عقد القران وأردت التعجيل بالزفاف بعد أن انتهت خطيبتي من دراستها وتم تحديد الموعد بعد مناقشة عاصفة وعنيفة مع أمها. وتم الزفاف منذ شهور وفى اليوم التالي له جاءت أسرة فتاتي لتهنئنا ففوجئت بأم زوجتي تطلب منى أن أساعدها فى جمع الأكواب الفارغة بعد تناول الشاي "فنهرتها" بشدة وأفهمتها أن هذا من اختصاص الزوجة وحدها.
وبعدها ب 15 يوم طلبت زوجتي أن تزور أمها ووافقت لكننا لم نجد مواصلات متاحة فعدنا للبيت وبعدها بأيام كررت الطلب ثم اختلفنا بسبب رفع صوتها فلم تتم الزيارة.. ثم فوجئت بها بعد ذلك بأيام تبكى واستفسرت منها عن سبب بكائها فأجابتني بأنها تريد أن تزور أمها "فأفهمتها" ان أمها هى التى يجب أن تزورها لأن لها الآن بيتاّ ومسئولة عنه وعن طلبات زوجها ولابد من الطاعة, وبالرغم من ذلك اصطحبتها إلى أمها من حين إلى آخر بحجة أن الأم على "وشك الموت" كما تدعى, وفى كل مرة نزور فيها أمها تنقلب حياتنا إلى نكد بسبب محاولة الأم السيطرة على مع أن شخصيتي لا يمكن ان تقبل ذلك.. وقد أفهمت زوجتي ذلك وحدث أن احتدم بيننا النقاش فى إحدى المرات فصفعتها على وجهها "بشدة" ورغم ما بدر منها من رفع الصوت أحيانا والنقاش بحدة رحت "أحنو" عليها حتى تتناسى أمها النكدية.. وصارحتها فى إحدى المرات بأن حياة النكد تقصر العمر وواجهتها "بحقيقة نفسها" حتى تنكسر "شوكتها" فبكت بشدة واستعملت معها كل الطرق المشروعة لكنها رغم كل ذلك رفعت صوتها فى نقاش آخر فصفعتها عدة مرات حتى سالت الدماء من فمها! وخنقتها محاولا إسكات صوتها الملعون! فعضتني فى يدى فأمسكت برأسها وخبطته فى الحائط عدة مرات وهددتها "بالقضاء عليها" فإذا بها تقول لى أنها تكرهني وترغب فى الانفصال عنى, وظلت تبكى يوما كاملا بليلته ولم أصالحها ثم طلبت منها طلبا عاديا فلم تفعله فأمسكت بأقذر شئ محاولا وضعه فى فمها!! ثم تراجعت خشية الفضيحة من صوتها. وصالحتها بعد أيام وصبرت على "بلائي" لكى تستمر الحياة وحاولت إصلاح شأنها مرات عديدة. لكن أمها فيما يبدو لى مصرة على خراب بيتي فلقد ثارت ثورة مسعورة وجرحتني بكلماتها الجارحة بعد ذلك بفترة قصيرة لأنى يا سيدى لم أترك عملي واذهب إليهم للتعزية فى وفاة أم صهري التى تعدت المائة من عمرها كما لم أبلغ زوجتي بوفاة جدتها!
لقد "أفهمت" هذه المرأة التى تدعى حماتي وأنا فى زيارتها مع زوجتي بعد ذلك بفترة أنى عزيت زوجها تليفونيا و"نسيت" إبلاغ زوجتي بوفاة جدتها! فضلا عن أنى من "قوم" قرروا منذ زمن انه لا عزاء فى رجال أو نساء إلا بتشييع الجنازة فقط وهو ما لم يتح لى لوجودي بعيداّ عنهم فى قريتي, وانه إذا مات لى قريب بعد عمر طويل فإني لا أرغب منهم فى تعزيتي ورغم هذا "المنطق الواضح" فوجئت بها تقول لى: لو كنت أعرف انك هكذا يا أستاذ فلان ما قبلت زواجك من إبنتي !
فغضبت غضباّ شديداّ وانصرفت صافعاّ الباب ورائي بشدة أما زوجتي فقد بقيت فى بيت أهلها ورفضت العودة وشجعتها أمها على ذلك خاصة وأنها قد جمعت ملابسها من شقتنا وتضغط على للانفصال!
حقا يا سيدي .. ان كيدهن عظيم!
وان الرجل مخلوق طيب "أهطل" يصدق كل ما تقوله له المرأة!
فما رأيك فى هذه المأساة؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
رأيي يا سيدي ان منطقك "الواضح" هذا يكفى لتطليق ألف زوجة وليست زوجتك وحدها ومن أول جلسة لنظر القضية.. إذا احتكمنا للعدل والشرع والقانون! فرسالتك نموذج فريد "لسوء الدفاع" الذى يمكن حقا ان يؤدى بالمدافع عنه إلى حبل المشنقة. والأغرب من ذلك هو أنك لا ترى فى كل ما فعلت ورويت أي خطأ أو تجاوز, وإنما ترى الخطأ كله فى جانب زوجتك وأمها والنساء جميعاّ لأن كيدهن عظيم!
يا إلهي.. إلى هذا الحد يمكن أن يصل خداع النفس وتضليلها فى بعض الأحيان؟ إنني أرجوك ان تراجع معى بهدوء وقائع رسالتك التى حرصت على أن احتفظ لك فيها بكلماتك المعبرة عن فكرك ومنطقك.
إن عمر زواجك كله لم يتعد شهوراّ.. وقد انتهى بإعتصام زوجتك ببيت أسرتها وطلبها الانفصال عنك.. وأنت بالطبع ترفض وتأمل فى استئناف الحياة معها وفى نفس الوقت لا تسعى لتغيير مفاهيمك عن الزواج والاستفادة من أخطاء التجربة العجيبة وكلها للأسف وبلا تحيز لزوجتك أخطاؤك أنت .. ابتداء من "إنتهار" الأم التى جاءت تهنئك بالزفاف السعيد و"إفهامها" ان رفع أكواب الشاي بعد تناول الضيوف له من اختصاص الزوجة وحدها حتى ولو كان عدد الضيوف مائة.. إلى صفع الزوجة "بشدة" ولم يمض على زفافها أيام أو أسابيع.. إلى صفعها عدة مرات حتى يسيل الدم من فمها.. إلى قرع رأسها فى الحائط مرات عديدة عسى ان يتخفف من "عناده" إلى خنقها ومحاولة إدخال "أقذر شئ" فى فمها! مروراً بمصارحتها "بحقيقة نفسها" لكى "تنكسر" شوكتها وانتهاء بحجب خبر وفاة جدتها عنها بحجة انك قد "نسيت" إبلاغها بهذا الخبر "التافه".. وفى الحقيقة انك أردت ألا تجد فيه مبرراّ عادلا لطلب زيارة أهلها.. وأنت لا تبغض شيئا كما تبغض أن تذهب زوجتك لزيارة أمها, وكل هذه الانجازات الرائعة حققتها لزوجتك وأسرتها خلال الشهور الأولى من الزواج السعيد.. فضلا عما تجشمته من عناء "إفهام" الجميع أخطائهم ناهيك عن انتهارهم وتقريعهم. فعل أنت على استعداد لأن تعرف الرأي الآخر فيما فعلت؟
لقد اعتبرت اقتراح أم زوجتك عليك مساعدتها فى رفع الأكواب جناية تستوجب الخروج على آداب الضيافة مع من جاءوا لتهنئتك بالزواج فأفسدت عليهم فرحتهم وأشعت التوتر حيث ينبغي ان يسود اللطف والترحيب. ولن أستعين عليك لإقناعك بأن مساعدة الزوجة فى بعض هذه الأمور المنزلية من الرجولة والكياسة والمروءة, بما يقوله كتاب الغرب من أمثال هافلوك أليس أو إستاندال أو سيمون دى بوفوار عن الحب والزواج وإنما سأستعين عليك فقط بما قالته السيدة عائشة حين سألت عن صنع رسول الله فى بيته فأجابت: "كصنع أحدكم.. يشيل هذا ويحط هذا ويخدم فى مهنة أهله ويقطع لهن اللحم ويقم البيت "أى يكنسه" ويعين الخادم فى خدمته".
أما الصفع ودق الرؤوس فى الحوائط وإسالة الدماء من الفم وحشر القاذورات فى فم الزوجة, فلن أحيلك إلى قانون العقوبات ولا إلى إعلان حقوق الإنسان ولا إلى كتابات المصلحين الاجتماعيين فى الشرق والغرب.. وإنما سأذكرك أيضا بما قالته السيدة عائشة من انه: ما ضرب رسول الله"صلى الله عليه وسلم" بيده امرأة قط ولا خادماّ ولا ضرب شيئا قط إلا ان يجاهد فى سبيل الله."
فيا "أستاذ فلان" خفف الوطء قليلا.. وإلا حكمت على نفسك بالوحدة طول العمر. وراجع نفسك واعترف بأخطائك واتق الله فيمن استحللتها بكلمات الله وتذكر إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاّ وألطفهم بأهله.. كما جاء فى الحديث الشريف, وتذكر أيضا ان عمر بن الخطاب الذى كان الرجال يرتجفون أمامه لشدته فى الحق هو نفسه القائل: ينبغي للرجل أن يكون فى أهله كالصبي "أي فى الإيناس والبساطة والمرح" فإذا كان فى القوم كان رجلا بين الرجال. فهكذا حقاّ يفعل الرجال الذين يليق بك أن تقتدي بهم وليس بمن يعكسون الآية أحياناّ ويفضلون أن يكونوا صبية بين الرجال.. وجبابرة لا يرتدعون مع الأهل فتذكر كل ذلك قبل فوات الأوان يا صديقي إذ انه إما هذا وإما تسريح بإحسان..والاستفادة بدروس التجربة فى مستقبل الأيام.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر