ريشة في الهواء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
ومنذ اليوم الأول الذي جمعنا فيه بيت واحد , اعتبرته أبي وأمي وأخي وأختي وكل
أسرتي , يذهب إلى عمله وأنتظره بكل الحب حتى يعود , وأتفانى في خدمته والسهر على
راحته , حتى لأبكى رغما عنى إذا شكا من الصداع , وعشت معه في الغربة عشر سنوات
كاملة من السعادة والحب والوئام , أنجبت خلالها ثلاثة أبناء , ثم رجعت ذات صيف في
الأجازة السنوية المعتادة ؛ فإذا بى أكتشف أن أمي قد رحلت عن الحياة قبل ستة شهور
.. ولم يبلغني احد برحيلها إشفاقا على فبكيتها طويلا , وصممت على عدم الرجوع إلى
الغربة مرة أخرى .
وألححت على زوجي في ذلك واستقررنا في بلدنا بالفعل , ورجع زوجي إلى عمله السابق ,
ورجعت كذلك إلى عملي بمصر , وواصلت حياتي مع زوجي كما عشتها في الغربة , وهو محور حياتي
, وأنا أدور في فلكه , أحبه حبا , اعتقدت معه أنني أحبه أكثر مما أحب أطفالي , ولا
يهدأ لي بال , إلا إذا رجع إلى البيت من عمله .. ولا يغمض لي جفن إلا ويدي في يده
كأنما أقبض عليه بها لأستشعر الأمان والاطمئنان.
هو كل عالمي ودنياي وأصدقائي , حيث لم أتخذ لنفسي صديقة واحدة ؛ لكيلا يشغلني أحد
عنه ولو لبعض الوقت .. وهو الزوج المثالي الذي يساعدني في شئون البيت ويلبي لي طلباتي
, ولا أكاد أطلب منه شيئا ؛ لأنه يأتي لي بما أريد قبل أن أطلبه , وأنا أحفظ ماله
, فأحترس في الإنفاق , وأطلب من أطفالي ألا يبذروا لأن المبذرين كانوا إخوان
الشياطين , ولكنى أوفر له ما يحتاج إليه من ملابس فاخرة ؛ حيث يعمل في مجال يتطلب
منه الحرص على المظهر , وحافل بالمظاهر والحفلات والندوات والاجتماعات , في حين نرتدي
أنا والأبناء الملابس العادية البسيطة , ويرضى هو بذلك , ويقول : " أنا
واجهتكم في المجتمع ولابد أن تكون الواجهة لائقة " .
وأؤيده في ذلك بكل حرارة , وأحاول أن أفعل دائما كل ما يرضيه ويحقق له كل أماله ,
فإذا تذمر يوما من أنه يعمل ليلا ونهارا ليوفر لنا مطالبنا – رغم قلة مطالبي له –
عرضت عليه على الفور , أن أعمل فترة مسائية بشركة أخرى ؛ لأعينه على الحياة ,
وليخفف هو من بعض عناء العمل , فيرفض ذلك بإصرار, وإذا تذمر مرة من انشغالي عنه
بالمطبخ والأولاد .. اقترحت عليه بجدية أن أترك العمل نهائيا ؛ لأتفرغ له كل الوقت
, فيرفض أيضا .
ثم منذ أربعة شهور ؛ بدأ زوجي يغيب خارج البيت فترات طويلة , فلا نتجمع على مائدة
الغداء إلا نادرا , ونبهته لذلك فنهرني بشدة وطلب منى أن أبحث لنفسي عن أسرة أخرى
, إذا لم تكن حياتي معه تعجبني ! .. ثم راح يتذمر من كل شئ , حتى من طول قامتي , التي
اكتشف بعد 15 عاما من الزواج أنها قصيرة ! وكلما عاتبته على ابتعاده وتغيبه فترات
طويلة خارج البيت – حتى أصبح لا يعود إلا ليلا للنوم فقط – قال لي إن هذه هي حياته
, وإن على أن أخرجه من تفكيري نهائيا !
انهرت أمام ما طرأ عليه من تغيرات وبكيت .. وقبلت يديه , وأقسمت له بكل غال ونفيس أنني
لا أستطيع الحياة دونه , لكنه ظل كما هو لا يعبأ بي ولا ببكائي وصراخي وإغماءاتي
المتكررة , التي أصبحت جزءا من حياتي في الأسابيع الماضية , واستمر هذا الحال
أربعة شهور طويلة كالجحيم , وكلما واجهته بظنوني , قال لي إنها وساوس وأوهام , ونصحني
بالذهاب إلى طبيب نفسي ؛ حتى هممت أن أنفذ ذلك فعلا ؛ لأنني قد بدأت أنفجر , وأحطم
الأشياء في البيت مما يفعل بي وبأعصابي .. فهو يحاول استفزازي في يوم فأنفجر وأبكى
, وفى اليوم التالي أجده حنونا فأحاول نسيان ما فعل بي بالأمس , ثم يرجع لمضايقتي في
اليوم التالي , وهكذا بلا نهاية , حتى سألته : لماذا تفعل بى ذلك ؟.. هل تنتقم منى
لشئ لا أعرفه .. وأين السعادة التي عشناها 15 عاما ؟..
فيجيبني بأنه لم يكن سعيدا , بل يصطنع السعادة , وأنه يريد الآن أن يحيا حياته كما
تحلو له ! وراح يواصل نظامه الجديد ؛ فيخرج في الصباح على وعد بأن يرجع في الثالثة
بعد الظهر , فلا يرجع إلا في الحادية عشرة مساء , ويخرج يوم الجمعة الذي كان يقضيه
معنا من السابعة صباحا , ويطلب منى أن أتعود على ذلك , لكنى لم أتعود ...
ولم أهدأ وصممت على أن أعرف أين يقضى كل هذا الوقت بعيدا عن زوجته وأسرته , فكانت
الطامة الكبرى هي أنه قد تزوج من أخرى , ويطلب منى أن أتقبل الأمور ببساطة , ويقول
إنني الذي دفعته إلى ذلك بإهمالي الشديد له , وانشغالي عنه , وإنه لم يفعل حراما ,
وسبق أن أخبرني بأنه سيتزوج من أخرى فقلت له اذهب وتزوجها , مع أنني كنت أتصورها في
ذلك الوقت مداعبة , ولم أدرك أنها حقيقة .
وانهرت حين عرفت بزواجه , وانقطعت عن العمل منذ 15 يوما ؛ لأنني لا أستطيع , وأنا
أشغل مركزا محترما , مواجهة الناس والمجتمع ..
ولا أعرف كيف يكون وضعي بينهم حين يعرفون أن زوجي قد تركني وتزوج بأخرى , مع أن
الجميع يشيدون بأخلاقياتي وهدوئي وطباعي الحميدة , أما زوجي .. فقد انتقل إلى شقة
أخرى له فى البيت نفسه , كان يهددني دائما في الفترة الأخيرة بأنه سيهجرني ليعيش
فيها وحده , ورفض حتى أن يكتب باسمي الشقة التي أقيم بها مع أولادي .
كما اكتشفت أن كل إخوتي كانوا على علم بزواجهما عداي , وأنه طلب منهم إبلاغي بذلك
؛ حتى لا أضيق عليه الخناق في الخروج والدخول , ولكنهم أشفقوا على من إبلاغي
بالخبر , وطلبوا منه كتمانه مراعاة لمشاعري ولعشرة السنين , لأنني لن أحتمله ,
وسوف أنهار وأطلب الطلاق , فكان رده عليهم هو أن قال لهم بكل غرور إنني لن أستطيع
الحياة بدونه .
لقد خيب زوجي كل رجائي ودمر حياتي , التي كان محورها , حتى لم أكن أعرف فعلا كيف
أتصرف أو أفعل أي شئ بدونه , حتى في شراء احتياجاتي الضرورية , ولقد خيرته بيني
وبين الأخرى , التي قبلت به وهو زوج وأب لثلاثة أبناء , فكانت كفتها أرجح من كفتنا
مع أنها " واحدة " , ونحن أربعة أفراد ! هم أنا وأبنائي الثلاثة
المتفوقون , الذين يحبون أباهم ويتعلقون به ويرونه الأب المثالي , ومازالوا كذلك
رغم ما حدث , بل لعلهم ازدادوا له حبا في الفترة الأخيرة ؛ لأنه يلبى لهم كل
طلباتهم واحتياجاتهم , حتى أنهم لا يحتملون مني أي لوم لأبيهم فيما بيني وبينهم .
وبعد أن خذلني زوجي ورفض هجر الأخرى طلبت منه الطلاق ..
لكنه رفض ذلك , وطلب منى التروي والانتظار , ووعدني بالاستجابة لطلبي بعد فترة ,
إذا أصررت عليه .. لقد اهتزت كل الصور أمامي , وأصبحت لا أصدق أحدا وأشك في كل شئ
.
فلقد دبر كل ذلك منذ عام وتحايل ؛ حتى لا أعلم بزواجه إلا بعد مرور هذا العام , لكي
يسقط حقي في الحصول على الطلاق , ولست أستطيع الذهاب إلى المحكمة ومواجهته فيها ..
فأشر على يا سيدي بما أفعل أنت وقراؤك , فلطالما قرأت مشكلاتهم وتعاطفت معهم ..
وجاء دوري الآن ليتعاطفوا معي ويقفوا بجواري , ولكني أرجوك ألا تطالبني بمحاولة
استرجاعه ؛ لأنه لن يرجع بعد إصراره على أن أعرف بزواجه ليزيح عبء هذا السر عن
صدره , ولأنه لا يريدني كزوجة , ولا يريد أن يشتت مشاعره بين اثنتين كما كان يقول
دائما , ويؤكد أنه لا يتصور أن ينقسم رجل بين امرأتين , ووجهة نظره هي أن يتركني
لخدمة أولادي دون أجر بالطبع , أفضل من أن يطلقني , وتصبح لي حقوق مادية واجبة
الوفاء , وهناك من هي الآن أحق بهذا الأعباء المادية منى , وهى الزوجة الجديدة ,
وأنا التي تحملت معه ظروف الغربة عشر سنوات ؛ حتى تحسنت أحواله وأصبحت له ثروة ..
إني أتخبط يا سيدي .. وأنا إنسانة ضعيفة للغاية , وأشعر أنني ضائعة , وأقف في مهب
الريح , ولا أدري كيف تحجر قلب زوجي الذي كان ملاكا من ناحيتي على هذا النحو ,
وأعجب أن يحدث ذلك بسبب إنسانة تصغره بعشرين سنة , واجتذبها إليه بريق المال
والسيارة الفارهة والشباب الدائم ؛ حيث كان زوجي يزداد شبابا , وأزداد أنا ذبولا ,
مع أنى أصغره بسبعة أعوام .. فبماذا تنصحني يا سيدي ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
ألمس فيما بين السطور يا سيدتي ما يوحى لي بأنك سيدة طيبة القلب , ولكنك قليلة الخبرة بالحياة والنفس البشرية , رغم ما تشغلين من منصب كبير في الحياة العملية , كما ألمس أيضا ما يوحى إلى بأنك شخصية انفعالية , تفتقد الصلابة النفسية وسريعة التأثر إلى حد التهيج العاطفي الشديد , الذي يصل بك إلى مرحلة الإغماء , كلما واجهت موقفا عصيبا , وإلى حد العجز النفسي عن مواجهة المواقف الصعبة والتعامل معها بما تتطلبه من ضبط للنفس وقدرة على التحكم في المشاعر , واتخاذ القرار الملائم ..ولهذا فأنت تشعرين الآن بالضياع والانهيار التام أمام الموقف الذي تواجهينه الآن , حتى لتشعرين معه كما لو كنت قد أصبحت ريشة خفيفة , يتلاعب بها الهواء , ولا تملك القدرة على التحكم في نفسها وتوجيه مسارها إلى حيث تريد الوصول .
أما أسبابي لترجيح ذلك , فهي نصيحة إخوتك لزوجك بأن يتكتم عنك نبأ زواجه من أخرى , إشفاقا عليك من مواجهة الموقف , وهى نصيحة فريدة من نوعها , من جانب إخوة لزوج أختهم في مثل هذه الظروف .. وتزداد تفردا حين تبدو , وكأنهم لا ينكرون عليه ما فعل , ولكنهم فقط يشفقون عليك من احتمال الموقف حين تعرفين بالخبر !..
وهو الموقف نفسه تقريبا الذي اتخذوه حين تعمدوا إخفاء نبأ رحيل والدتك عن الحياة عنك , وأنت في الغربة و" تأجيل " ما تحسبوا له من اضطراب حياتك الشخصية , حين تعرفين به إلى موعد الإجازة السنوية , فكان رد فعلك للخبر هو رفضك النهائي للعودة إلى الغربة مرة أخرى , والبقاء بمصر .
على ضوء كل ذلك .. وعلى ضوء ما تروين في رسالتك في صدق وتلقائية , فأنت قد غمرت زوجك بطوفان من المشاعر المتأججة , منذ أن ارتبطت به حتى لتطلبين منه – ولم يمض على تعرفك عليه سوى أيام – ألا يرجع إلى عمله لأنك لا تحتملين فراقه ! .. ثم يجتمع شملكما فتحبينه حبا طاغيا حتى لتعتقدين في بعض الأحيان أنك تحبينه أكثر مما تحبين أطفالك , وهو أمر " فريد " آخر , يتناقض أصلا مع الطبيعة البشرية , ثم تدورين بعد ذلك حول فلكه , وتركزين فيه كل مشاعرك , وتتأثرين بكل ما يصدر عنه أو يتعرض له سلبا وإيجابا , فتبكين لا إراديا حين يشكو من صداع عارض , وتعرضين عليه أن تعملي عملا إضافيا حين يشكو من أعباء الحياة , وتعرضين عليه نقيض ذلك أيضا , وهو أن تهجري العمل نهائيا حين يشكو من انشغالك عنه !
فكيف يتفق ذلك إذن مع تبريره لزواجه بأخرى بأنك أنت من دفعتيه لذلك بانشغالك عنه ؟
الحق أنني لا أرجح أن يكون دافعه لما فعل أنك قد تشاغلت عنه كما يزعم .. وإنما أنك قد جاوزت حد الاعتدال الحميد في كل الأحوال فى حبك له , أو حد " الوسط الذهبي " كما يقولون فى ارتباطك به واعتمادك عليه نفسيا .. ورغبتك في الالتصاق به والاستئثار به , دون العالم الخارجي كله , حتى ضاق " طوق " الحب حول عنقه .. وضاق هو به كما يفعل أحيانا من يغترون بحب الطرف الآخر لهم , ويشكون من ذلك ولو افتقدوا ما يشكون منه لتهلعوا عليه .. ولكن لا عجب في ذلك .. مع النفس البشرية , ولا غرابة أيضا مع الحقيقة التي تقول لنا أن التطرف في كل شئ حتى في الحب , قد يؤدى أيضا إلى نتائج عكسية , أبسطها استهانة المحبوب بمن يحبه , واطمئنانه الغافل إلى أنه سوف يتقبل منه كل ما يفعل , ولو تألم له بعض الوقت .
ولأنك كنت تحملين لزوجك طوفانا من المشاعر المتأججة ..
فلقد بالغت يا سيدتي في التمحور حول زوجك .. وفى الرغبة في الاستحواذ الكامل عليه , فكثرت في الغالب أسباب التشاحن بينكما ؛ لأن المشاعر المتأججة المتطرفة , التي لا تعرف الاعتدال لا تقبل الأعذار أو النواقص , وتطلب " الكمال " دائما , والكمال في مثل هذه الحالة هو استسلام المحبوب التام لمن يحبه , فلا يخطو خطوة بعيدا عنه , ولو كانت لسبب مشروع , ولا يتأخر عن العودة في موعد الغذاء ولو كان مرتبطا بعمل , ولا يغادر بيته في المساء ؛ لأن المحب يشعر بالضياع إذا لم يجده في الجوار .. إلخ .
وهكذا تتعدد فرص الصدام والكدر رغم " نبل " الأسباب , وتكون المحصلة النهائية هي افتقاد الطرف المحبوب للسلام والهدوء وحرية الحركة , خاصة إذا كان لا يبادل شريكته بعض هذا الحب الجارف . ثم تأتى لحظة قدرية قد يقرر فيها التمرد على قيود الحب .. والاستحواذ ..
والالتصاق الحميم .. ويرى أنه ليس سعيدا بها , مع أن غيره قد يتمنى بعضها .. ويفضل ما يسميه حريته والحياة الهادئة , والحب المتعقل الذي لا يعكر صفو حياته , ويرهقه بالقيود ودموع الحب وثوراته أيضا .
ولا عجب أيضا في ذلك , لأن الحب وحده قد لا يكفى أحيانا للحفاظ على الحياة المشتركة , إذا لم يتسلح بالفهم وحسن الإدراك وبعد النظر والاستعداد للتسامح والتجاوز عن الهنات , والاستعداد كذلك لإرخاء طرف الخيط للطرف الآخر ؛ لكي يتحرك بحرية , ويرجع إلى قواعده سالما , بغير أن يشعر بأنه مقيد بالسلاسل , ولو كانت من ذهب الحب الخالص .
ومن عجب أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد قال لنا منذ 14 قرنا ما معناه :
أحبب حبيبك هونا ما , فقد يصبح بغيضك يوما ما .. وابغض بغيضك هونا ما فقد يصبح حبيبك يوما ما ..
وإن هذا هو نفسه ما يقوله لنا علماء النفس المحدثون الآن من أن أخلد الحب ليس هو أكثره تأججا والتهابا وفورانا , لكنه أكثره نضجا وعمقا وفهما وتسامحا وعزوفا عن الأثرة وأنانية الحب . وليس معنى ذلك أنني أقر زوجك على ما فعل سيدتي ؛ فالخيانة تظل خيانة ولو تجملت بالمبررات , والغدر سرا بشريك العمل يظل غدرا , ولو التمس له صاحبه الأسباب , ولقد كان ما تحملين لزوجك من الحب كافيا وحده , لأن يكون أمينا معك منذ البداية .. ولأن يواجهك بما ينكره عليك , ويخيرك بين الاستمرار معه مع زواجه بأخرى , وبين الحصول على الطلاق في إطار من الجدية , التي تقنعك بصدق عزمه على الزواج من أخرى , وليس في إطار التهديد الذي لا يحمل عادة على محمل الجد .
وتصوري هو أن غروره بحبك العظيم له قد هيأ له أنك سوف تقبلين بالأمر الواقع , ولن تتمسكي بالطلاق بعد أن فوت عليك فرصة نيله خلال عام من زواجه , وهو ما يفضله عادة كل من أنجب الأبناء , ولا يرغب في أعماقه فى أن تنفصل عنه زوجته بالطلاق , إذا تزوج من أخرى , كأنما ينبغي للزوجة وحدها أن تكون أكثر إحساسا بالمسئولية عن الأبناء من الرجل الذي خصه ربه بالقوامة والمسئولية الكبرى عن أبنائه ..
غير أن ما جرى ليس نهاية الحياة مهما كان شقاؤك به .. ولابد لك أن تتماسكي وتستجمعي شتات نفسك , لتتخذي القرار الملائم لك في هذا الموقف , فأنت يا سيدتي تواجهين الآن ثلاث اختيارات , لا رابع لها :
الأول : هو قبول الأمر الواقع والتعايش معه .. ويتطلب هذا الخيار منك شجاعة الاعتراف بالعجز النفسي والعاطفي عن احتمال الطلاق ولو مرحليا , رغم ما يمثله ذلك من كمد وإحساس بالقهر والخذلان .
والثاني : هو رفض هذا الأمر الواقع , والإقدام على تغييره بالحصول على الطلاق وسواء اخترت بعد ذلك التفرغ لأبنائك , أو خوض تجربة حياة جديدة مع إنسان آخر , ويتطلب هذا الخيار منك شجاعة مختلفة , هي شجاعة الأخذ بزمام حياتك في يدك , والخروج من دائرة فلك زوجك , والقدرة على مواجهة الغد بغير اعتماد إلا على نفسك .
أما الاختيار الثالث فهو الاختيار الذي تحسبينه ميئوسا منه , وهو محاولة استعادة زوجك , و " الجهاد " في سبيل ذلك ..
ولأن كل الخيارات مريرة , وتتطلب عناء نفسيا لا مفر منه , فإن خيرها هو ما يستفيد منه أبناؤك , ويعود بأفضل العواقب على الجميع إذا تكلل بالنجاح , وهو اختيار " الجهاد " , ولو لفترة زمنية معقولة , قبل أن تسلمي باليأس النهائي منه , فهو الاختيار المفيد لك في كل الأحوال , بغض النظر عما سوف يؤدى إليه من نتائج إيجابية أو غير إيجابية , لأن من واجبك أن تبذلي كل ما تستطيعين من جهد لاسترجاع زوجك لكي لا تقصري في حق نفسك وأبنائك , وتسلمي بالهزيمة والفشل من قبل بدء المباراة , كما أنه فى النهاية اختيار مفيد لك نفسيا وعاطفيا وإنسانيا , سواء حقق أهدافه أم أخفق فيها ؛ لأن ذلك يتطلب منك ما هو أكثر من البكاء على الأطلال والتحسر على انعدام الوفاء , وهو أن تحاولي فهم أسباب شرود زوجك بعيدا عنك , رغم كل ما تحملين له من حب , وأن تحاولي من خلال مراجعة حياتك وتصرفاتك معه فهم أسباب الخلل , التي عجز هذا الحب العظيم عن إنقاذ الحياة الزوجية بسببها .
ولابد أن تؤدى مراجعتك للنفس والحياة إلى إدراك بعض ما غاب عنك إدراكه , واكتساب خبرة جديدة فى التعامل مع شريك الحياة ..
فإن لم يؤد ذلك إلى استعادتك زوجك .. فلسوف يكسبك فهما أفضل للنفس البشرية وللحياة , يعينك على تجنب الفشل في تجربة المستقبل , ويعيد إليك الثقة في نفسك , وفى البشر , وفى الحياة .
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر