وقع المفاجأة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001

 وقع المفاجأة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001

وقع المفاجأة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001


ترددت طويلا قبل الكتابة إليك،‏ فأنا زوجة وأم لأربعة أبناء، كل اثنين منهما توأم .. وقد سافر زوجي للعمل بإحدى الدول العربية بعد زواجنا بأربع سنوات‏, ولحقت به بعد قليل ونشأ الأبناء في بلاد الغربة وكبروا حتى بلغ التوأم الكبيران سن‏ 17 عاما .. وفي يوم مشئوم صدمت سيارة مسرعة أحدهما أمام أخيه صدمة قاتلة أدت إلى وفاته ـ رحمه الله ـ بعد قليل ‏..‏ وخيم على حياة أسرتنا التي كانت سعيدة من قبل الحزن والاكتئاب وتحطم الأبناء نفسيا‏,‏ أما الابن الذي فقد توءمه أمام عينيه فلقد راح في غيبوبة تامة استمرت لمدة شهر كامل‏,‏ وحين أفاق من غيبوبته أصيب بانهيار عصبي شديد وقمنا بإدخاله مصحة نفسية في لندن عولج فيها لفترة ثم غادرها ليستكمل دراسته‏,‏ ونصحنا الأطباء بألا يرجع للدراسة في البلد الذي شهد مصرع أخيه فيه‏,‏ لكيلا تذكره الشواهد والأماكن بما حدث‏,‏ فقرر والده إرساله للإقامة مع جده وجدته في مصر فيعيش بينهما ويلتحق بجامعة مصرية‏,‏ وسافر ابني بالفعل إلى مصر .. وأقام مع جديه بالمدينة الساحلية‏,‏ والتحق بجامعة مرتفعة الرسوم الدراسية‏,‏ وانتظم في الدراسة ونجح في عامه الأول بتفوق فاطمأن قلبي عليه‏,‏ وانتهي العام الدراسي وجاء لزيارتنا في البلد العربي وسعدنا به  ورجع في نهاية الإجازة الدراسية‏.

 

وفي عامه الجامعي الثاني طلب منا أن نشتري له سيارة من احدث طراز وهاتفا محمولا‏,‏ كما طلب أيضا أن يستقل بحياته في مسكن مفروش بدلا من الإقامة مع جديه‏,‏ واستجبنا لكل ما طلب واستأجرنا له شقة مفروشة واشترينا له سيارة جميلة ليذهب بها إلى جامعته وهاتفا محمولا‏,‏ واستمر كعادته في الاتصال بنا تليفونيا في الأسبوع أكثر من مرة‏,‏ ثم بدأت اتصالاته بنا تتباعد حتى أصبحت مرة كل شهر وأحيانا كل شهرين‏,‏ وإذا عاتبناه في ذلك اعتذر بانشغاله‏..‏ أو قال لنا أنه لم يعد طفلا ولا مبرر للقلق عليه .

وجاء الصيف ولم يحضر ابني لزيارتنا في البلد الذي نقيم فيه‏,‏ وسألت عنه بعض أصدقائه الذين يدرسون معه في نفس الجامعة بمصر وجاءوا في الصيف لزيارة أسرهم في البلد العربي‏,‏ فإذا بي أعرف منهم أنه قد أجل امتحانه إلى الصيف‏,‏ وبدأ القلق يساورني عليه وقررت العودة إلى مصر بمفردي للاطمئنان عليه وركبت الطائرة إلى القاهرة‏,‏ ثم القطار إلى المدينة الساحلية وأنا أتخيل كيف سيكون وقع المفاجأة السعيدة عليه حين اطرق باب مسكنه ويفتحه لي ويراني أمامه‏..‏ فتتملكه الدهشة‏..‏ ثم يضحك بسعادة ويندفع نحوي ويحتضني ويقبلني عدة مرات‏.

ثم وصلت سيارة الأجرة التي ركبتها من محطة القطار إلى العمارة التي يستأجر إحدى شققها‏..‏  وغادرتها ودخلت العمارة فلاحظت أن البواب والجالسين معه ينظرون إلي نظرة غير مريحة فاقتربت من البواب وسألته عما إذا كان ابني في شقته أم لا‏,‏ وذهلت حين فوجئت به ينفجر بكم هائل من كلمات السباب والشتائم الجارحة لهذا الولد المستهتر الذي اسأل عنه وعن أهله الذين لم يحسنوا تربيته إلخ‏,‏ ووقفت ذاهلة وقد تضرج وجهي بالاحمرار وألجمت لساني فلم اقل له إنني أمه وصعدت إلى الشقة وضغطت الجرس ففتحت لي الباب فتاة ترتدي فستانا يظهر من جسمها أكثر مما يستره‏ ..‏ ووجدت نفسي ادفعها إلى الداخل‏..‏ وادخل الشقة منادية ابني فلا يأتي ‏..‏ وإنما يجيء شاب آخر يقول لي في برود إنه صديق لابني وانه في مشوار قريب وسيعود على الفور‏,‏ ثم يصطحب تلك الفتاة وينصرف‏!‏ وبقيت وحدي في الشقة انتظر مجئ ابني وأنا في أشد الضيق والألم‏..‏ ثم سمعت صرير المفتاح في الباب فتطلعت إليه وأنا أكبح انفعالاتي لكي أستقبل ابني الذي لم أره منذ حوالي العام‏,‏ فإذا به يدخل ومعه فتاة وهما يتضاحكان ويتعابثان بلا حياء فما أن رآني جالسة في الأنتريه حتى تجهم وسألني بجفاء غريب عما جاء بي؟


وأجبته وأنا في غاية الحرج والضيق بأنني قد اشتقت لرؤيته وصدمت صدمة قاسية حين أجابني بنفس الجفاء الغريب بأنه لم يشعر تجاهي بمثل هذا الشوق وبالتالي فلم يكن هناك داع لحضوري وتجشمي مشقة السفر‏!‏
  

وأفقت بعد وقت لا أدريه فوجدت نفسي في أحد المستشفيات‏,‏ وهناك محلول معلق فوق رأسي‏..‏ ووالد زوجي ووالدته يجلسان إلى جوار فراشي‏,‏ وابني يقف أمامي جامد الوجه‏,‏ وأمضيت في المستشفى يومين جاء خلالهما زوجي من السفر وسألني عما حدث فلم أصارحه بشئ مما وقع وقلت له إنني شعرت فقط بهبوط مفاجئ لا أدري له سببا وقد يكون بسبب السن‏,‏ ولم أشعر بأنه قد صدقني‏,‏ وانتهى علاجي وغادرنا المستشفى إلى مسكن ابني الذي لم يكلف نفسه حتى كلمة ترحيب واحدة بأبيه وشقيقيه اللذين جاءوا معه‏.‏

وانتحى زوجي بابني في غرفته وراح يتحدث إليه ويضغط عليه لكي يصارحه بكل شيء‏..‏ وكان قد سمع من البواب أكثر مما سمعته أنا‏..‏ فجادله الابن لبعض الوقت فصفعه أبوه لأول مرة في حياته فإذا به ينفجر كالبركان الثائر ويقول لأبيه إننا ـ أي والده ووالدته ـ السبب فيما آل إليه حاله‏..‏ لأننا لو كنا أهله حقا لما كنا تركناه وحده في هذه المدينة الساحلية  وبقينا نحن بعيدا عنه في البلد العربي‏,‏ أما ونحن لم نفعل ذلك فإننا لسنا بالنسبة إليه سوى مصدر للمال فقط‏!‏
وصدم زوجي صدمة شديدة وشعر بالحزن والاكتئاب وجلسنا معا نراجع حياتنا‏..‏ ونفتش عن الخطأ الذي ارتكبناه وأدى بنا إلى هذه الحال وزوجي رجل بار بأبويه ـ وأنا ابنة بارة بأبويها‏..‏ فهل هذا يا سيدي هو ثمن الغربة الذي ندفعه بعد أن تكبدنا ما تكبدناه طوال السنين لتوفير الحياة الكريمة لأبنائنا‏..‏ وهل هذه المكافأة التي يقدمها الابن لأبويه بعد هذا العناء؟‏!‏
إنني أرجو أن تكتب إليه لكي يرجع إلى أحضان أمه التي تفتقده‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

كنت أحسب يا سيدتي أنك ستطلبين مني أن أكتب إليه راجيا له أن يفيق من غيه ويرجع إلى رشده ويتوقف عن العبث والاستهتار ويلتزم بالنهج القويم في حياته‏,‏ فإذا بك لا ترجين منه سوى أن يعود إلى أحضان أمه التي تفتقده ويكف عن مجافاتها وجفاف مشاعره تجاهها حتى ولو استمر في الطريق الشائك الذي يسير فيه‏.‏
ومع تقديري التام لمشاعرك كأم وحزنك لمجافاة هذا الابن الضال لك فإني أقول لك إنه ليس بمثل هذا الضعف العاطفي الزائد يمكن استعادته إلى الطريق القويم أو إعانته علي استعادة سابق تفوقه الدراسي والتزامه الأخلاقي‏ ..‏ بل إن تركيزك على هذا المطلب  العاطفي وحده وهو العودة إلى أحضان الأم المتلهفة عليه دون بقية المطالب الأخرى‏,‏ إنما يكشف لنا عن واحد من أهم أسباب شروده واندفاعه إلى الطريق الخاطئ في الحياة‏,‏ وهو الحنو الزائد على الابن ظالما ومظلوما‏,‏ وما يستتبعه ذلك من الاستجابة المطلقة لكل رغباته بلا مراجعة ولا مناقشة‏,‏ وكما لو كانت إرادة سامية واجبة النفاذ بمجرد التعبير عنها‏.‏

إنني أقدر لكم حرصكم على إعانة هذا الابن علي أمره بعد المحنة القاسية التي تعرض لها بمصرع توءمه أمام عينيه وما تلا ذلك من انهياره عصبيا وعلاجه لفترة في المصحة‏,‏ كما اقدر لكم استجابتكم لنصيحة الأطباء بإبعاده عن موطن الأحزان الذي شهد مأساة فقد أخيه لكيلا تنبه الأماكن والشوارع التي شهدت مرحهما من قبل أحزانه وتجدد اضطرابه النفسي‏,‏ واعرف كذلك أن فقد التوءم يصيب توأمه الباقي على قيد الحياة بشرخ غائر حتى الأعماق ويترك على شخصيته بصمات قد لا يمحوها الزمن‏,‏ لكن الاستجابة لنصيحة الأطباء قد جاءت مشوبة بالخطأ وقصر النظر من جانبكم للأسف‏,‏ ذلك لأن الاستجابة المثلى لها إنما كانت تتطلب ألا ينفصل هذا الابن عنكم وهو على ما هو عليه من الضعف النفسي الذي يرشحه للانحراف عن الطريق القويم عند أول منعطف‏,‏ وأن يكون العلاج الصحيح هو عودتكم جميعا إلى بلدكم واجتماع شملكم فيه تحت مظلة واحدة إلى أن ينهي دراسته الجامعية ويضع أقدامه على أول الطريق‏,‏ أو عودة الأم للإقامة مع ابنها لفترة مؤقتة إذا تعذر عليكم الاكتفاء من الغربة بما يقرب من عشرين سنة‏..‏ والعودة النهائية للاستقرار في الوطن‏,‏ فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فلربما كانت أضرار استمرار هذا الابن مع أسرته في موطن الأحزان نفسه أقل وطأة من أضرار عودته وحيدا لبلده وانفراده بنفسه في مسكن مفروش بلا رقيب عليه ولا حسيب‏,‏ كما كان الحد الأدنى من الأمان النفسي والاجتماعي له هو ألا تستجيبا لرغبته في الاستقلال بحياته عن جديه والإقامة في مسكن خاص به‏..‏ لأن النية كانت واضحة في التحرر من قيود الحياة في مسكن الجد‏..‏ ورقابته له‏.‏

ثم جاء إغداقكم المال عليه واستجابتكم لكل مطالبه‏..‏ مع افتقاده رقابة الأهل عليه‏,‏ واهتزازه النفسي من اثر مصرع أخيه أمامه لكي ييسر له كل ذلك طريق الأشواك الذي مضي إليه‏,‏ ولا عجب في ذلك والشاعر العربي يقول :
إن الشباب والفراغ والجدة
مفسدة للمرء أي مفسدة

فإذا قلت لك الآن إن مجرد عودته إلى أحضانك مع استمرار أوضاعه على ما هي عليه لن تغير من أمره شيئا فلست أعدو الحقيقة كثيرا‏.‏
وإذا قلت لك أيضا أنه لا جدوى من استجداء مشاعره  تجاهك بعد كل ما أبداه من جفاء قاتل لك ولكل أفراد أسرته فإني أيضا لا أكون قد ابتعدت كثيرا عن الحق والمنطق‏.‏

فالأمر يتطلب منك قدرا عاقلا من التماسك أمام ضعفك العاطفي تجاه هذا الابن خلال التعامل معه كما يتطلب منك ومن زوجك أن تتعاملا معه‏,‏ من الناحية المادية باعتدال حكيم ييسر له الحياة الكريمة ولكن بغير شطط يغريه بالخطأ أو ييسره له‏.‏
وحبذا لو أرغمتماه على العودة للإقامة بين جديه والتخلص من هذه الشقة المفروشة‏,‏ رضي عن ذلك أو سخط وإلى أن ينتهي من دراسته‏,‏ ثم فليفعل بحياته بعد ذلك ما يشاء‏,‏ أما إذا حزمتما أمركما ذات يوم وقررتما جمع شمل الأسرة كلها تحت سقف واحد حماية لهذا الابن من مزيد من الشرود‏,‏ فإن استعادة ابن ضال إلى الطريق القويم وحمايته من الفشل الدراسي تستحق مثل التضحية المادية التي تصبح ضرورية ولو على حساب الاعتبارات الأخرى في بعض الأحيان‏,‏ فمن أقوال السيد المسيح عليه السلام ما معناه‏:‏ إذا كان لرجل مائة شاة وضلت إحداها ألا يترك التسع والتسعين الأخرى فوق الجبل لكي يبحث عن هذه الضالة‏.‏

وهذه الشاة إذا وجدها بعثت في نفسه فرحا أعظم مما تبعثه التسع والتسعون الأخرى التي لم تضل قط‏!‏ .. والسلام.


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات