الشقة العلوية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003
أعرف أن هناك نوع من النساء لا تستحق الواحدة منهن أن تحمل لقب "أم" .. ولا تختلف عن أنثى الضفدع التي تبيض بيضها في المياه الضحلة فما أن يقفس عن أفراخها حتى تدعها لمصيرها تلاطم أسباب الفناء وحدها كما أعرف أيضا أنها لا تستحق التكريم ولا الرعاية ولا العطف.. وأنه لا يحق لها أن تأتي في موسم الحصاد لكي تطالب بنصيبها في غرس لم تروه بقطرة ماء واحدة.. ولم ترعه بعض رعايته.
عبد الوهاب مطاوع
تأثرت كثيرا برسالة الرقم الناقص للفتاة التي
أهملها والدها..
وانشغل بأبنائه من زوجته
الجديدة حتى انه ليخطيء في ذكر عدد أبنائه فيغفل ابنته كاتبة الرسالة من هذا العدد.. وأريد أن أروي لك قصتي وأستشيرك بعد ذلك في أمر يشغلني ويحيرني.
فأنا
شاب ولي أخت وحيدة تكبرني بعام واحد،
وقد تفتحت مداركنا على نوبات
الانفجار المتكررة والصراخ والمشاكل بين أبي وأمي، إلى أن وقع الطلاق بينهما
وعمري 7 سنوات وعمر أختي 8 ..
وكنا نعيش في منزل جدتي لأمي
وهو منزل مكون من شقتين تعيش جدتي في الشقة الأرضية وتعيش أسرتنا في الشقة العلوية
.. وبعد الطلاق غادر أبي مسكننا وتزوج على الفور
من امرأة أخرى وانقطعت صلته بنا فلم أسمع عنه بعد ذلك شيئا، وبعد ثلاث
سنوات من الانفصال تزوجت أمي على غير رغبة والدتها وأرادت أن تحصل علي الشقة
العلوية لتتزوج فيها فأبت عليها جدتي ذلك وطردتها من المنزل لإهمالها لنا وعصبيتها
معنا.
ومضت حياتنا مع جدتنا بعد ذلك
هادئة، واستعانت جدتنا على إعالتنا بتأجير الشقة
العلوية التي كنا نقيم فيها كأسرة مع أبي وأمي قبل أن تتحطم، وبمعاشها عن جدي رحمه الله.. وواصلنا نحن التعليم حتى التحقت أختي بكلية من كليات
القمة..
وكانت فرحة جدتي بذلك لا توصف
حتى لقد ماتت يرحمها الله في اليوم نفسه الذي تلقينا فيه خبر قبول أختي بالكلية!
وازدادت أختي إصرارا على النجاح
والتفوق في هذه الكلية تنفيذا لوصية جدتها وبعد رحيل جدتي عن الحياة انقطع معاشها..
وأصبحنا أنا وأختي مطالبين بأن
نحيا في حدود دخلنا من إيجار الشقة العلوية.
وتحملنا ظروفنا وواصلنا طريقنا
بلا مساعدة من أحد..
ولم نسمع عن أبي أو أمي أي خبر
طوال تلك السنين الصعبة..
والتحقت أنا أيضا بإحدى الكليات
العملية..
وأصبحنا نذهب أنا وأختي في الصباح
إلي كليتينا ونعمل في المساء لنستطيع تدبير نفقات معيشتنا ودراستنا،
فتعمل أختي في مكتب للآلة
الكاتبة وأعمل أنا في مكتب لتصوير المستندات.
وخلال استغراقنا في كفاحنا في
الحياة والدراسة
..
فوجئنا ذات يوم ـ وكنت قد تخرجت
في كليتي ولم تتخرج أختي لأن دراستها أطول من دراستي ـ بسيدة متبرجة تدخل علينا
شقة جدتنا التي نقيم فيها,
وتطلب منا الحديث معنا لأنها
والدتنا!
ورحبنا بها بحذر وتوجس فإذا بها
تقول لنا إنها قد انتظرت حتى تخرجت أنا في كليتي وجاءت لكي تحصل على جزء من
ميراثها الشرعي عن جدتي، وعبثا حاولنا أن نقول لها إننا نعتمد على إيجار الشقة
العلوية في حياتنا..
وأن أختي أمامها عام آخر طويل
في دراسة مكلفة قبل أن تتخرج وتعمل فلم يجد كل ذلك شيئا وأصرت على بيع الشقة
العلوية لساكنها وقبضت منه الثمن واختفت فلم نرها بعد ذلك ثانية!
وانقطع مصدر مهم للدخل بالنسبة
لنا..
وزاد من صعوبة حياتنا أن أختي
توقفت عن العمل ليلا بسبب ظروف امتحاناتها النهائية.. فأصبح العبء كله علي وحدي وخرجت أعمل ليلا ونهارا في
أعمال صغيرة خارج نطاق تخصصي لأحصل على قوت يومنا ونفقات دراسة أختي.
وأدت أختي الامتحان ونجحت فيه
بحمد الله..
وفوجئنا بأحد المعيدين في
كليتها يزورنا ليطلب يدها،
ورفضت أختي على الفور لأن
ظروفنا المادية لا تسمح لنا بتحمل تكاليف الزواج، لكني شجعت أختي على قبول هذا
المعيد..
وأكدت لها أن مخاوفها من عجزنا
عن تدبير تكاليف الجهاز والزواج لا ينبغي لها أن تحرمها من فرص السعادة..
وأن الله سبحانه وتعالى لابد
سوف يساعدنا على ذلك..
واعتزمت في نفسي أمرا فسألت
أختي عن أمي:
ألم تترك لها عنوانا حين جاءت
لتبيع الشقة التي كانت تعيننا على الحياة؟ واكتشفت أنها قد تركت لها بالفعل
عنوانها فأخذته منها وتوجهت إليها لزيارتها لأول مرة في حياتي..
فما أن سمعت مني أن أختي تقدم
إليها عريس وأنها مترددة في قبوله لضيق ذات اليد حتى طردتني من بيتها خوفا من أن
أطلب منها أية مساعدة..
وأعطتني عنوانا لأبي الذي لم
أره منذ طفولتي وطلبت مني التوجه إليه..
ورغم ما شعرت به من مرارة فلقد
تحاملت على نفسي من أجل أختي وذهبت إلى عنوان أبي، وأنا لا أعتزم مطالبته بشيء
وإنما لأعيد الصلة به لكي يظهر فقط في الصورة عند زواج أختي .. فإذا به يستهزيء بي
وتطردني زوجته وهو يلعن اليوم الذي تزوج فيه أمي.
ورجعت إلى البيت حزينا مقهورا
.. ورجع المعيد ليعرف قرارنا فطلبت من أختي أن تدعنا وحدنا، ثم رويت له قصتنا كاملة وبلا أية رتوش وقلت له في ختام
حديثي:
هذا هو حالنا بلا خداع فإذا
أردتنا على هذا الحال فأهلا بك ومرحبا .. وإذا ابتعدت
عنا فلا لوم عليك ولا عتاب لأن لكل إنسان ظروفه وقدرته, فإذا بالرجل يؤكد لي أنه قد أكبر في صراحتي وأزداد
إعجابا بأخلاقيات أختي ويريدها بحقيبة ملابسها فقط لا غير ولسوف يتكفل وحده بكل
تكاليف الزواج,
فطفر الدمع من عيني واحتضنته
وقلت له:
أهلا بك أخا لنا في وحدتنا بهذه
الحياة الصعبة.
وتزوجت أختي من هذا الشاب
الفاضل بعد عام ونصف العام وأقامت معه في حي قريب, وخلا علي المسكن من الزهرة الوحيدة
التي كانت تضيء حياتي بالبهجة والسرور وتخفف عني وحدتي .. وخلال انشغالها بإعداد جهازها راحت تلح علي أن أتزوج لكي
نزف معا إلى عروسينا في نفس اليوم وأقيم في شقة جدتي, وعرض علي خطيبها تجديد الشقة وإعادة طلائها على سبيل
القرض الحسن وإلى أن أستطيع ذات يوم رد دينه له ووعدته بالتفكير في ذلك, فإذا بأمي تظهر مرة أخرى من جديد وتقول لي إن أختي قد
تزوجت..
وإنني رجل أستطيع تدبير حياتي, وهي أي أمي مازالت على قيد الحياة ولم تمت بعد لكي أرثها
ولذلك فلقد قامت ببيع الشقة التي لا مأوى لي غيرها لأحد أصدقائها وقبضت الثمن
ولسوف يجيء صاحبها لتسلمها غدا!
يا ربي.. وأين أقيم أنا يا أمي.. ولمن أذهب؟..
وليس معي ما أستطيع به تدبيرغرفة
بالإيجار في أي مكان؟ لا جواب!
ولا جدوى من أي حديث معها..
ووجدتني مطرودا من مسكني بلا
مأوي..
ولم أجد أمامي سوى أختي وزوجها
الكريم اللذين لم يمض على زواجهما سوى بضعة أيام.. فتوجهت إلى مسكنهما عند منتصف الليل وطرقت الباب في خجل..
ودخلت فرويت لهما القصة فانفجرت
أختي في البكاء..
ورحب بي زوجها الطيب وطلب مني
ألا أحمل هما لإقامتي معهما إلى أن تتحسن الأحوال.. وهون علي الأمر بأن الشقة كبيرة وهو يستعد للسفر للعمل
في إحدى الدول العربية خلال أسابيع ولا يريد أن يترك زوجته وحدها إلى أن تلحق به، فشكرته على مشاعره وعشت معهما في مسكنهما وبعد عدة شهور
سافر زوج شقيقتي إلى الخارج وبعد أسابيع أخرى سافرت إليه أختي للعمل معه, وأصبحت وحيدا من جديد, ومضي عام أرسل إلي بعده زوج شقيقتي عقد عمل بالدولة التي
يعمل بها فسافرت إليه وإلى أختي الحبيبة, وعملت لأول مرة في مجال تخصصي.. واستقرت بنا الحياة هناك ثماني سنوات
سعيدة وهادئة تزوجت خلالها من مصرية مغتربة مثلي وأنجبت وأنجبت أختي, ثم قررنا العودة إلى بلدنا وأسسنا أنا وصهري وأختي
مشروعا صغيرا وناجحا نعمل فيه كلنا معا ويحقق لنا دخلا طيبا والحمد لله.
وبدأت الحياة تبتسم لنا وتعوض لنا شقاءنا
ووحدتنا السابقة وفجأة ظهرت أمي في الأفق للمرة الثالثة بعد أن كنت قد نسيتها
ونسيت أبي تماما,
فلقد طلقها زوجها الثالث وجاءت
تطلب مني مالا لأنه لم يعد لديها ما يؤمن لها قوت يومها كما تقول, ولا أعرف هل هي صادقة في ذلك أم أنها قد جاءت فقط
لابتزازنا.
وإنني أسألك يا سيدي كيف أعطيها
مالا وأنا لم آخذ منها شيئا؟ وهل أعطيها ما تريد باعتبارها أمي..
أم أنه من الخسارة أن أسمي مثل
هذه السيدة أما؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لو ترك الإنسان نفسه
لانفعالاتها البدائية لما نصحتك إلا بأن تغلق بابك في وجه هذه السيدة وبأن تطردها
من رحمتك بلا ندم كما طردتك أنت وأختك من رحمتها وأنتما في أشد الحاجة إلى عونها
ومساندتها..
ولكن ماذا نفعل يا صديقي ونحن
مأمورون بأن نحسن صحبة آبائنا وأمهاتنا في الدنيا ولو جاهدونا على أن نشرك بالله
أحدا,
ومأمورون بألا نقول لهم أف وألا
ننهرهم وبأن نقول لهم قولا كريما؟ إنني أسلم معك بأن هذه السيدة ليست أما سوى
بالميلاد,
وأنها لا تختلف في كثير أو قليل
عن أنثى الضفدع التي تبيض بيضها في المياه الضحلة فما أن يفقس عن أفراخها حتى
تدعها لمصيرها تلاطم أسباب الفناء وحدها كما أعرف أيضا أنها لا تستحق التكريم ولا
الرعاية ولا العطف..
وأنه لا يحق لها أن تأتي في
موسم الحصاد لكي تطالب بنصيبها في غرس لم تروه بقطرة ماء واحدة..
ولم ترعه بعض رعايته.
أعرف كل ذلك وأؤمن به.. لكن هل يستطيع ابن مكافح مثلك ومهما تكن مرارة الخذلان
التي يشعر بها تجاه من يفترض فيها أنها أمه, أن يردها خائبة إذا جاءته ذات يوم تسأله القوت؟
وهل يستطيع
إن هو فعل ذلك أن يهنأ بحياته ويأمن ليومه وغده ويرجو الله أن يحفظ عليه أسرته
وأبناءه وسعادته وأن ينجو من تعذيب الضمير والخوف من عقاب السماء؟ إنني أؤمن في كثير من الأحيان
بتعريف الفيلسوف أرسطو لفعل الخير ووصفه له بأنه نوع من الأنانية المستنيرة, بمعنى
أننا نفعل الخير لأنفسنا قبل أن يكون للآخرين ولإراحة ضمائرنا قبل أن يكون لنجدة
الملهوف, وأننا لو لم نفعل ما ينبغي علينا أن نفعله لما أعفانا ضميرنا
الأخلاقي من الحساب والعقاب وبالتالي فإننا نفعله طلبا لراحة الضمير واطمئنان
القلب واستشعار الرضا عن النفس.
ولا يتعارض ذلك
أبدا مع الدوافع الدينية والأخلاقية للخير.. ولا
مع التوسل به إلي الخالق جل شأنه لنيل رضائه وعفوه وحسن جزائه وتجنب عقابه.
ولقد كان الحسن البصري إذا سأله
سائل يرفع رأسه إلى السماء قائلا:
ـ اللهم إن هذا يسألنا القوت
ونحن نسألك الغفران..
وأنت بالمغفرة أجود منا بالعطية.
وكان الزاهد الفضيل بن عياض
يقول: لا يكتمل المعروف إلا بأن ترى المنة لأخيك
عليك إذا أخذ منك شيئا,
لأنه لولا أخذه منك ما حصل لك
الثواب,
ولأنه خصك بالسؤال ورجا فيك
الخير دون غيرك.
وتوجه أمك إليك بالسؤال وهي
التي لم ترحمك في ضعفك.. ولم تكن لك أما, حدث يدعو للتأمل ويتوقف عنده أهل الفضل..
وتتردد في أعماقهم الآية الكريمة
: وَقَالُواْ
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
شَكُورٌ
نعم هي مناسبة للتأمل..
واستشعار الرضا عن النفس وعما
حقق الإنسان بكفاحه وجلده وعرقه وصبره على المكاره من نجاح انتقل به من حال إلى
حال..
إذ لو لم تكن قد حققت شيئا
وأخرجك ربك من الضعف إلى العزة لما توجهت إليك أمك بالسؤال وهي التي تعلم جيدا
أنها لم تقدم لنفسها عندك ولم تقم بحقك عليها.. ولم تكن عونا لك ولأختك على قسوة الدنيا بل كانت عونا
لظروف الحياة عليكما فإن أعطيتها بعض ما تسأله فإنما تعطيها على مذهب العادل عمر
بن الخطاب الذي كان يقول:
رب قدرني على من ظلمني لأجعل
عفوي عنه شكرا لك على قدرتي عليه.
ولاشك في أن أمك وقد رأت النبتة
الضعيفة التي تخلت عنها قد صمدت لأنواء الحياة وأزهرت وأثمرت تعض بنان الندم الآن
على أنها لم تسهم في رعايتها لكي تستظل بظلها الوارف في الكبر وتفوز منك بعطاء
الحب الغامر.
وليس بعطاء الواجب الشحيح الذي
يأتي على قدر السؤال وسواء أكانت صادقة في دعواها
أنها لا تجد قوت يومها أو كاذبة وترغب في ابتزازك. فأعطها عطاء الواجب المحدود الذي يؤديه الإنسان إبراء
للذمة..
وترفعا عن المذمة وليس تكريما
لمن يعطيه ولا رعاية له..
وشكرا.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر