المفاجأة القاتلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
ليس عيباً أن نحب ذات يوم من لم يبادلنا مشاعرنا المخلصة , لكن العيب كل العيب هو أن نمتهن أنفسنا وكرامتنا الإنسانية في استجداء حب من لا يحمل لنا بعض ما نحمله له من مشاعر طاغية .
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة
كان أصدقائي يعتبرونني منذ الصغر (حكيم) الشلة .. وصاحب الرأي والمشورة بينهم .. لكني أشعر الآن بأنني عاجز عن التفكير ومشتت الفكر وأحتاج إلى مشورتك، والقصة باختصار هي أنني شاب عمري 36 عاما أعمل بوظيفة مميزة ومنذ حوالي 6 سنوات خطبت فتاة لمدة سنة، ثم تزوجنا ولقد أحببت هذه الإنسانة حبا لا يتخيله أحد وأخلصت لها كل الإخلاص إلى درجة إيثارها على نفسي، وكنت أرى سعادة الدنيا كلها في سعادتها، لكنها لم تشعر للأسف بعمق هذا الحب ولم تقدره حق قدره وإنما كانت تعتبره كلاما وشعارات فقط ، وذلك بسبب الخلافات الكثيرة التي نشبت بيننا خلال فترة زواجنا، وكانت تزعم بأن لأبى وأمي وإخوتي دورا فى هذه الخلافات وكنت أحاول جاهدا نفى ذلك عنهم، وشاركني أهلي فى هذا الجهد بامتناعهم عن دخول بيتي لحوالي عامين لكي يشعروها بأنهم لا دخل لهم بما يجرى بيننا لكن الخلاف استمر كما استمر كذلك مسلسل تركها للبيت وذهابي إليها لاسترضائها، وفى كل مرة أبذل المستحيل معها لمصالحتها وإعادتها إلى عشها ..لكنى لم أستطع الاستمرار فى مسلسل الصلح الذى أشعر فيه كل مرة بالضعف والانكسار أمام أهلها إلى ما لا نهاية ورضخت لمطلبها بالانفصال .. وتم الطلاق منذ ما يقرب من عام بعد زواج لم يدم أكثر من 4 سنوات وأثمر طفلا عمره الآن أربعة أعوام.
وبعد الانفصال حرصت على أن آخذ ابني فى نهاية كل
أسبوع للمبيت معي ليلة واحدة ثم أعيده فى اليوم التالي إلى أمه .. وكم تألمت
وأتألم حين أشعر بأن الطفل الصغير قد بدأ يحس بأن هناك فراقا بين أمه وأبيه، وكم
تعذبت لفراقه طوال أيام الأسبوع كما تعذبت بالقلب الذى مازال ينبض بالحب للزوجة
السابقة بالرغم من عنادها الشديد وتفكيرها المريض الذى يوحى لها بأنه من المستحيل
أن ينصلح الحال بيننا ذات يوم.
وبعد مضي 8 أشهر على الطلاق حاولت العودة إليها
واستعادة حياتنا السابقة من أجل طفلنا ومن أجل القلب الذي مازال يحبها وكلفت زوج
شقيقتي بمفاتحتها فى ذلك، فجاء الرد بالرفض وبعد فترة أخرى تشجعت وفاتحت مطلقتي
وأمها فى الأمر أكثر من مرة فى حضور طفلنا، وجاء الرد مرة ثانية وثالثة ورابعة
بالرفض لاقتناعها باستحالة استئناف الحياة بيننا لاختلاف الطباع .. وتناست طفلنا
الذى يجلس بيننا ولا يدري شيئا عما يدور حوله من حديث يتناول مستقبله وحياته، ولو
أدرك ما يجرى لبكى وصاح فى وجه أمه قائلا لها حرام عليك ما تفعلينه بى .. لكن
فلسفتها الخاصة فى ذلك هى أن الطفل يلقى كل رعاية منها ومن أهلها .. ومني ومن أهلي
.. فماذا ينقصه وماذا يضيره من نشأته بين أبوين منفصلين .. وماذا سوف يقدم هو لنا
بعد أن يكبر لكي نضحي الآن من أجله بالعودة لاستئناف الحياة بيننا؟
إنني أتطلع إلى السعادة كغيري من البشر وأشعر بأن
الله وحده هو القادر على أن يبدل ما أشعر به من كرب فى نفسي..ويحيله إلى سعادة
فماذا لى وبماذا تشير على؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
كان الكاتب الأيرلندي العظيم برنارد شو يقول: تعرف
أنك عاشق حين تبدأ في التصرف ضد مصلحتك الشخصية!
ولا شك في أن قد أحببت زوجتك السابقة حبا كبيرا،
وتحملت في سبيل الأمل في استعادتها ولم شمل أسرتك معها الكثير مما لا يتحمله غيرك
من السعي والاستجداء..ومن المؤسف حقا أن يحمل المرء لأحد كل هذا الحب فلا يلقى منه
ألا الصدود..
غير أن الواقع يفرض علينا في كثير من الأحيان أن
نتعامل مع حقائقه مهما تكن مجافية لآمالنا ورغباتنا الحقيقية..والواقع يقول لنا أن
زوجتك السابقة لم تحمل لك بعض ما حملته لها من حب ورغبة فيها،وأنها قد طوت صفحة
تجربتها معك إلى الأبد..وراحت تخطط لحياة جديدة لا مكان لك فيها،ومن واجبنا تجاه
أنفسنا أن نسلم أحيانا بالفشل في تحقيق بعض ما كنا نرجوه لأنفسنا .. وان نتقبل
فشلنا بروح عالية لا تسمح له بان ينال من إحساسنا بالجدارة..ولا من ثقتنا في النفس
أو إيماننا بحقها في السعادة..فإذا كنا قد خسرنا من أخلصنا له الحب ورجوناه كثيرا
لأنفسنا فلقد خسرنا هو أيضا بنفس القدر وخسر عاطفتنا الصادقة تجاهه..وهيهات أن
تعوضه الحياة نفس هذه العاطفة الدافقة التي حملناها له.
وإذا كنا قد شقينا بفقد الحب فلقد نعمنا لفترة
ثمينة من العمر بمعايشة أحاسيسه النادرة وخبرنا خلوها ومرها..وليس عيبا في النهاية
أن نحب ذات يوم من لم يبادلنا مشاعرنا المخلصة،لكن العيب كل العيب هو أن نمتهن
أنفسنا وكرامتنا الإنسانية في استجداء حب من لا يحمل لنا بعض ما نحمله له من مشاعر
طاغية، وإذا كنت قد صدمت بالمفاجأة القاتلة حين جوبهت بالرفض للمرة العاشرة لأن
زوجتك السابقة قد ارتبطت بغيرك،وصدمت بمنطقها الأناني الذي لا يؤمن بالتضحية من
اجل الطفل ، فلأن كلا منكما كان يتعامل مع الموقف برؤية مختلفة، ولسنا هنا بصدد
تقويم فلسفة زوجتك في رفض التضحية .. أو رفض المحاولة مرة أخرى من أجل الطفل
الصغير ونشأته الآمنة بين أبويه، لكنى سأقول لك فقط ما قلته مرارا من قبل وهو
أن التضحية لا تطلب من احد وإنما تنبع من نفس مانحها ومن إحساسه الداخلي
بالإيثار .. وهو إحساس لا يمكن فرضه على احد لا يشعر به في أعماقه ولا تجدي
المناشدة في تحريكه في قلب من لا يستشعر مسئوليته عن سعادة الغير إلى جانب
مسئوليته عن سعادته الشخصية.
فدع زوجتك السابقة إذن لما اختارته لحياتها..ولما
سوف تتحمله من تبعات هذا الاختيار.وابدأ أنت أيضا صفحة جديدة من حياتك، مسلحا
بخبرة الفشل في التجربة السابقة، واهم دروسها أن الزواج لا ينجح ولا يستمر بحب احد
الطرفين للآخر فقط وإنما بالحب المتبادل بين الطرفين وبحسن المعاشرة..والرغبة
المشتركة في السعادة،والإحساس المتبادل بالمسئولية عن نجاح الحياة الزوجية وسعادة
الأبناء، وبالرؤية المتقاربة للأمور الأساسية في الحياة .. وبالتطلع المشترك إلى
الأمان والاستقرار.
أما تفكيرك في الارتباط بكاتبة رسالة (الانسحاب الهادئ) فهو تفكير سليم .. فخير ما يقرب الزواج للنجاح والاستمرار هو ما يقدم لأطرفها الحل الملائم لمشاكل كل منهم..ويشبع احتياجاته وتطلعه الصادق إلى السعادة وتعويض الخسائر ومسح الأحزان.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 2000
شارك في
إعداد النص / ياسمين عرابي
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر