الحرمان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا يا سيدي زوج السيدة التي كتبت لك رسالة كانت ترد بها على قارئة تبكي حظها لحرمانها من الانجاب , فروت لها قصة معاناة زوجين لم يسيئا لأحد ولم يحرما من الانجاب هما أنا وهي مع ولدهما الذي أنحرف إلى طريق الإدمان حتى سرق وفصل من كليته ودخل السجن .
وقد نشرت رسالتها منذ شهور بعنوان "الصورة الأخرى" وأكتب لك اليوم لأروي لك أن ابني هذا قد غادر السجن فوجدني قد أعددت له وظيفة مناسبة لدى صديق حميم لي ليعمل بها ويلتزم الطريق القويم ويبتعد عن أصدقاء السوء .. فانتظم في عمله بضعة أيام ثم بدأ في المراوغة والتهرب بعد أن عاد للاتصال بالشلة القديمة , وقد تأكدت بعد ذلك والألم يحتسرني أنه قد عاد إلى تعاطي المخدرات منخفضة الثمن نسبيا , ولم أجد أمامي مفرا من أن أستجيب لكل ما يطلبه من نقود حتى لا يعود من جديد إلى طريق السرقة ليحصل على ما يريده من السموم , وكنت أتصور أنه لم يعد في الحياة بالنسبة لأب مثلي ما هو أقسى من ذلك حتى تأكدت من أنه تقمص دور الغرور و"الشجاعة" الزائفة وأصبح وسيطا بين بعض تجار المخدرات وبين زملائه من المتعاطين متخذا من كابينة استأجرها بالإسكندرية مقرا لذلك .. فأسلمت أمري إلى الله فيه وفيما تحملته من أجله واليوم أحس بأن حياة الكآبة والخوف من المجهول التي عشتها باستمرار طوال الفترة الماضية قد أوشكت على الانتهاء , ليس لأنه قد أفاق لنفسه وعاد إلى طريق الرشاد وإنما لأن حالتي الصحية قد ازدادت سوءا على سوء حتى بت أتوقع النهاية الشافية من كل الآلام بين لحظة وأخرى.
ولكن هناك خاطرا يراودني ويلح علي بشدة وهو أن أحرم هذا الابن من ميراثه عني ليس عن ما فعل بنا وبنفسه ولكن حبا وعطفا وخوفا على المصير الذي يتراوح بين السجن والاعدام لأني على يقين بأنه سوف يتاجر بما ورثه من مال في المخدرات وسوف ينتهي مصيره إلى السجن أو الاعدام مهما طال به الزمن ولهذا فقد اتخذت قراري بهذا الشأن ولن أحيد عنه .. فما رأيك في ذلك يا سيدي؟
*
رابط رسالة الصورة الأخرى في آخر الرسالة
ولـــكــــاتـــب هــــذه الـــرســـالـــة أقــــول :
يا سيدي لقد راجعت في كتب الفقه موانع الإرث فلم أجد من بينها هذا المانع .. وهو احتمال أن يتاجر الابن بما يرثه في المخدرات فيهلك , لكني أقدر شدة همك بما تخشاه وتتخوف منه .. وأفهم معاناتك مع ولدك وخوفك عليه حاضرا ومستقبلا فلعله وأمثاله يعرفون كم يشقون أباءهم وأمهاتهم ويحولون حياتهم إلى قطعة من الجحيم بما يفعلون بأنفسهم غير مقدرين للعواقب ولعله يرتدع قبل أن يمضي في طريق الهاوية بلا رجعة أما إذا أردت أن تستبعد هذا الاحتمال فلعلك تستطيع أن تربط له نصيبه المقدور في الميراث في وديعة بأحد البنوك ينتفع بعائدها السنوي ويتعذر عليه التصرف في أصلها لعدد من السنين تستطيع أن تنص عليه في عقد الوديعة .. وربما تعلمه الأيام خلالها ما لم يكن يعلم .. كما أني أذكر من رسالة السيدة زوجتك أنها قد أشارت فيها إلى وجود ابن آخر لكما قالت عنه أنه تزوج وانتقل إلى مدينة أخرى بعيدا عنكما , وحرمان ابنك الضال هذا من الميراث فضلا عن أنه قد يدفعه نهائيا في طريق الانحراف بلا رجعة فإن معناه أيضا أن ينفرد الابن الآخر بمعظم ميراثك وهذا أمر غير جائز شرعا , لأن تفضيل أحد الأبناء على الآخرين في الميراث أو الوصية مرفوض فضلا عن أنه يوغر صدر أخيه عليه وقد يزيد من إمعانه في الابحار بعيدا عن شاطئ الرشاد.
فلا تشغل نفسك يا سيدي بما سيكون من أمر هذا الشاب بعد عمر طويل ألن يكفيك معاناتك معه خلال رحلة الحياة ولا يصح أن نضيف إليها أيضا معاناة أخرى بشأن ما بعدها , ومن يدري فلعله يفيق من غيه بعد حين ويعرف أنه مهما تمادى في طريق الضلال فلا نجاه له من العقاب في الدنيا وفي الآخرة فتنزل عليه هداية السماء ويسعد بعودته إلى الرشد قلبك الحزين أنت وزوجتك بعد أن أدماهما وآلمهما بما فيه الكفاية طوال السنين الماضية .. نعم من يدري يا سيدي ألا يحدث ذلك في أية لحظة .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر