نظرة غريبة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

 

نظرة غريبة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

                         نظرة غريبة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

 

سيدي ..أنا شاب عمره 33 سنة, تخرجت منذ 10سنوات من إحدى الكليات النظرية, وقبل تخرجي بعامين كانت مشاعري قد اتجهت إلى زميلة لي بالقسم الذي أدرس به, اقتربت منها واقتربت مني وسألتها ذات يوم هل أنت مرتبطة عاطفيا بأحد ؟ فقالت: لا فصارحتها بحبي .. فلم تبد نفورا .. لكنها لم تعلن صراحة حبها لي واعتبرتها منذ تلك اللحظة أملي في الحياة .. فأصبحت انتظرها كل يوم على باب الكلية ثم نمضي اليوم معا في الجامعة وأقوم بتوصيلها حتى أول الشارع الذي تسكن فيه في حي السيدة زينب .. وأعود لأركب المواصلات إلى حي الهرم حيث أقيم .. وكثيرا ما اكتشفت بعد انصرافها أن ما معي لا يكفي لأجور المواصلات إلى الهرم .. فأركب مسافة بما معي من نقود .. وأمشي المسافة الباقية حتى بيتي وأنا سعيد, ويبدأ يوم جديد من حياتنا معا وبعد شهور بدأنا نتحدث عن المستقبل .. وبدأت أحكي لها عن ظروفي .. فأسرتي مكونة من أبي .. وثلاثة أشقاء وشقيقات .. وأبي كان موظفا كبيرا لكن معاشه يكفي بالكاد لضرورات الحياة وأنا أعيش معه ومع أمي على معاشه أما أشقائي وشقيقاتي فقد تزوجوا جميعا واستقلوا بحياتهم عنا .. ولا تسمح حالة أحد منهم بمساعدتي .. وليس أمامي لتحقيق أحلامي سوى ذراعي وصبري وإرادتي .. وأنني أعمل في كل مجال .. وفي عملين وثلاثة لأجمع ما أحتاج إليه لكي أتقدم لها .. وأوفر كل متطلبات الزواج, وبالفعل بدأت وأنا في السنة النهائية رحلة الكفاح لجمع النقود التي احتاج إليها .. ولأننا كنا ندرس دراسة نظرية .. فكان طبيعيا أن أتجه إلى أعمال تتناسب مع دراستي .. فكنت أطوف على المطابع الموجودة في شارع الفجالة أسأل عن عمل في تصحيح بروفات الكتب .. وصححت عددا من الكتب مقابل مكافآت صغيرة أعطيتها لها لتحتفظ لي بها .. وتقدمت خطوة أخرى فتعرفت بمدير مكتب إحدى الصحف العربية في القاهرة وطلب مني تقديم مواد صحفية لجريدته فقدمت له الكثير .. وتقاضيت عنه أجورا معقولة أعطيتها لها كلها .. وحين كنت أؤدي امتحان الليسانس .. كنت أقتطع من وقتي كل يوم ساعة أو ساعتين لأراجع رسالة ماجستير لباحثة في إحدى الكليات وأصححها لكي أسلمها لها في موعدها وأتقاضى مكافأتي .. وقدمتها لها في الموعد وحصلت على المكافأة وأعطيتها لفتاتي ونجحت في الليسانس أيضا .. ونجحت هي أيضا لكنها تفوقت وحصلت على تقدير عال .. أما أنا فلم أستطع أن أحصل إلا على تقدير مقبول .

وسعدت بتفوقها جدا لأنه سيقدم لها العمل سريعا .. وبالفعل لم تمض شهور حتى عينت معيدة في نفس الكلية .. أما أنا فكان علي أن أبحث عن عمل .. ولم أتوقف وإنما ضاعفت من عملي في المطابع وفى مراجعة وتصحيح الرسائل الجامعية .. وكنت أسهر كل ليلة حتى الصباح أصحح وأراجع حتى تحمر عيناي ثم أحمل الكتب والرسائل إلى أصحابها وأتقاضى أجري .. وبعد تخرجي بأربعة شهور كان قد تجمع لي حوالي ألف جنية لديها فطلبت مني أن أتقدم إلى أبيها .. وتقدمت وقوبلت مقابلة عادية لا تحفظ ولا ترحيب واتفقنا على أن أتقدم بشبكة وأن أشارك في إعداد الجهاز .. على أن نتزوج خلال عامين .. وواصلت الكفاح وحصلت على عمل بمرتب لا بأس به في العلاقات العامة بإحدى الهيئات .. ودرست اللغة الانجليزية في معهد خاص لكي أدخل ميدان الترجمة وأزيد من دخلي عن طريقها ومارست الترجمة فعلا فى الهيئة التي أعمل بها مقابل مكافأة .. واستمرت حياتي كما كانت ..عمل ..عمل .. عمل من الصباح حتى بعد منتصف الليل في الهيئة وفى التصحيح والمراجعة والترجمة, حتى هزلت خلال تلك السنة وأصفر وجهي لأني لم أكن أنام ساعات كافية وكانت هي تراني على هذا الحال وتشفق عليّ وتقول أرحم نفسك نستطيع أن ننتظر عاما آخر .. لكني كنت أقول لها إذا رحمت نفسي فلن يرحمني أحد .. وأنني لا سند لي في الحياة وإذا لم نوفر تكاليف الزواج وأنا بصحتي فلن أستطيع ذلك أبدا .. وهكذا عشت لمدة عامين .. كافحت فيها كفاحا مريرا.. حتى استطعت أن أوفر تكاليف الزواج ونصيبي من الأثاث , ولم تكن لدي مشكلة في الشقة لأني أعيش مع أبي وحيدين .. ولأنه كان يتوق للعودة إلى بلدته حين انتهي من دراستي ليعيش فيها .. وهكذا قمت ببياض الشقة وشراء الأثاث .. وجهزت كل شئ وتم الزفاف بعد 4 أعوام من الكفاح المرير .. ولن تصدق أني لم أنم بعمق وساعات كافية إلا في الأيام الأولى من الزواج.

فلقد حل علي التعب فجأة كأنني كنت ماشيا لمشوار طويل ثم جلست فجأة وارتخت أعصابي .. وفعلا نمت في الأيام الأولى 11ساعة و12 ساعة كل يوم حتى استرددت صحتي وبدأ لوني الأصفر يتغير .. وأحسست بالراحة والسعادة ومضت حياتنا بعد ذلك سعيدة .. وبدأت زوجتي تستعد للماجستير .. وبدأت أنا أيضا استعد له معها .. استعد لرسالتها هي وليست رسالتي ولأني واخد على الشقاء كما يقولون فقد أرحتها من أشياء كثيرة فكنت أذهب إلى دار الكتب وإلى مكتبة الجامعة لأنقل لها من المراجع ما تحتاج إليه .. وكنت أجري لها بعض الأبحاث التي تحتاج إليها .. وحين بدأت مرحلة كتابة الرسالة كانت تملي علي وأنا أكتب .. بل كنت أكتب أجزاء كثيرة من عندي ثم توليت طبع الرسالة وتصحيحها ومراجعتها .. وقدمتها لها كهدية لعيد زواجنا الثاني .. وحين نوقشت الرسالة كنت أرتدي أحسن ملابسي وأجلس في مقدمة الصفوف سعيدا لا تسع الدنيا فرحتي .. وحين كان الأساتذة يناقشونها كنت أختنق حين يشتد عليها أستاذ .. وتنفرج أساريري حين يتلطف معها أستاذ آخر .. وعندما انتهت المناقشة وأعلنت النتيجة تنفست الصعداء كأنني خرجت من بئر عميقة .. وتجمع حولها الطلبة والزملاء يهنئونها .. وأنا واقف في مكاني التقط أنفاسي بصعوبة .. ولاحظت هي ذلك فجاءت إلي تعانقني وتهنئني وتقدمني لزملائها بأنني الجندي المجهول وراء رسالتها .. وعدنا إلى عشنا سعيدين .. ورغم سعادتي فقد كنت أحس بشئ ثقيل يخيم على صدري لم أعرف كنهه .. لكني بدأت أعرف أسبابه بعد ذلك بأيام حين ناقشت معها أمر الإنجاب الذي أجلناه حتى تحصل على رسالتها .. ففوجئت بها تقترح تأجيله 4 سنوات أخرى حتى تحصل على الدكتوراه!

هل هناك يا سيدي جهاز خفي في داخلنا ينذرنا أحيانا بالخطر حين لا تبدو أمامنا أيه علامات له؟

يبدو أن ذلك صحيح .. لأنني أحسست بهذا الهاجس داخلي وفتاة أحلامي ترفض بحزم فكرة الإنجاب .. ثم بدأ هذا الهاجس يعلو ويعلو في الأسابيع والشهور التالية حين بدأت أحس فتورها تجاهي وحين بدأت تقضي أوقاتا طويلة منفردة بنفسها .. أو تغادرني كثيرا لزيارة أهلها وتعود ساهمة مكتئبة .. وبدأت الخلافات تقع بيننا لأول مرة وبدأ الخصام من جانبها دائما .. وبدأ التفكير والقلق يشغلانني ليل نهار حتى صحوت ذات يوم واتجهت إلى الحمام لأحلق ذقني .. وكانت عائدة منه تبادلت معها تحية الصباح .. فرأيتها تنظر إلي نظرة غريبة تهم بأن تقول لي شيئا ثم تصمت , فدخلت الحمام وأمسكت بفرشاة الحلاقة ووضعت عليها الكريم ثم رفعتها إلى وجهي فرأيت في المرآة منظرا لا أنساه حتى الآن .. رأيت وجهي مقسما إلى قسمين .. الجانب الأيمن منه عادي والجانب الأيسر"معوج" بشكل مخيف .. وزاوية فمي اليسرى منحرفة عن مكانها كما أن ذراعي اليسرى وكتفي اليسرى ثقيلتان وصرخت وخرجت من الحمام .. وأسرعت إلى الطبيب وهي معي .. وعرفت لأول مرة أنى أصبت بشلل نصفي عصبي من شدة القلق والتفكير.

وسألها الطبيب مرارا .. هل أغضبته .. فنفت ذلك .. وعدنا لنبدأ رحلة العلاج .. ولازمتني زوجتي وأحسست بأنها تعاني من تأنيب الضمير .. وبعد 6 أيام تحرك ذراعي لأول مرة فناديت عليها ثم بدأت أمارس العلاج الطبيعي .. واستعيد قدرة جانبي الأيسر على الحركة .. وخلال شهرين كنت قد عبرت هذه المحنة وعدت لحياتي الطبيعية وإلى عملي وبعد أسبوعين من عودتي لعملي صارحتني زوجتي بأنها تريد الطلاق لأنها كما قالت لي لا تجد نفسها معي ! يا ربي لا تجد نفسها معي ؟.

بعد هذا الحب .. وهذا الكفاح .. ماذا فعلت .. ماذا حدث .. لم أجد أجوبة شافية طبعا .. ولم أجد في نفسي أية رغبة فى أن أستجدي حبها .. فقلت لها لك ما تريدين لكني أطلب منك فقط أن تعيدي التفكير في الأمر وأن تعطي نفسك فرصة أخرى .. ولا ألزمك بالبقاء معي خلال هذه الفترة لكيلا يتأثر قرارك بشئ .. وأنا أعطيك الحق فى البقاء عند أسرتك لأية فترة ترينها مناسبة فإذا وصلت إلى نفس القرار أبلغيني بذلك وسوف أتمم إجراءات الطلاق فورا .. وسوف أعطيك كل ما تريدين .. وشكرتني لذلك وانتقلت إلى بيت أسرتها .. وعشت وحيدا لمدة شهرين .. كنت خلالهما انتفض من نومي كل ليلة مفزوعا واستعرض شريط حياتي معها منذ عرفتها لأول مرة .. وأتذكر نفسي وأنا أرهق عيني فى تصحيح بروفات الكتب والرسائل لكي أجمع النقود التى تجمعني بها في عش الأحلام .. ويغلبني التأثر أحيانا .. فتسيل دموعي حين أعاني من الإحساس المرير بأنني لست مرغوبا من زوجتي التي أحببتها .. ولم أحب غيرها ثم عدت يوما من عملي فوجدت الشقة مرتبة .. وفيها هذه اللمسة المميزة التي لا تجدها في بيت أي عازب ولو كان مليونيرا .. لمسة المرأة .. أو رائحة المرأة .. ففتحت دولاب الملابس فوجدت ملابسها فيه .. وقدرت أنها عادت بعد خروجي ثم غادرت إلى الجامعة .. ففرحت وقبلت ملابسها وانتظرتها حتى عادت فقالت لي أن قرارها هو اختياري .. وعادت السعادة إلى بيتنا.

واطمأننت من جديد إلى حياتي .. وطردت من ذهني كل الهواجس حول أسباب تفكيرها فى الطلاق .. واعتبرتها محنة وانتهت .. وأقبلت عليها بكل ما أحمله لها من حب ومضت الأيام سعيدة .. ثم صحوت ذات يوم من نومي فلم أجدها بجواري فى السرير مع أني أصحو دائما مبكرا عنها وأوقظها .. فظننتها في الحمام .. واتجهت إليه فوجدته خاليا .. ثم اكتشفت الحقيقة المرة .. وهي أن ملابسها ليست فى الدولاب ولم يكن قد مضى على  عودتها أكثر من 10 أيام!

وبعد يوم جاءني شقيقها يتعثر في خجله مني وحيرته يطلب باسمها الطلاق ..لأنها لا تريد أن تواجهني .. فلم أجد بدا من الاستجابة لطلبها .. ولكي أوفر عليها مهانة أن تأتيها ورقة الطلاق الغيابي عن طريق القسم فلقد طلبت من شقيقها أن تكون عند المأذون في موعد محدد..

وذهبت إليه وحدي .. وكانت جالسة منخفضة الرأس ومعها شقيقها وأبوهما .. وحين سألنا المأذون أسئلته التقليدية .. لماذا تريدان الطلاق .. لم أجد ما أقوله سوى أسألها هي يا سيدي .. فسألها فلم ترفع رأسها ولم تجب بغير الدموع .. وانتهت المراسم الحزينة .. وعدت إلى بيتي مجروحا .. ومضت الأيام كئيبة وبدأت أستعيد توازني شيئا فشيئا .. وفرغت همومي في العمل .. فعدت أذهب إلى المطابع من جديد وأمضي الساعات منكفئا على البروفات .. لا من أجل النقود وحدها .. وإنما لكي أشغل عقلي عن التفكير فيها.

وزرت طبيبي .. ورويت له ما حدث خشية أن يعاودني الشلل العصبي مرة أخرى ففحصني وطمأنني لكنه حذرني من التفكير والهم وقال لي أنت طبيب نفسك فاحترس ..

وتجنبت كل معارفنا المشتركين لكيلا يذكرني أحد بها .. وأخفيت عن زملائي في العمل الأمر كله .. لكيلا يجرني أحد للحديث عنها .. وبدأت آلامي تخف حين وجدتها أمامي فجأة في مكتبي .. كانت هي .. وليست هي .. هي بشكلها وجسمها .. لكنها ليست هي بروحها السابقة البريئة  كانت قد جربت الدنيا وعرفتها وأصبحت لها خبرة بها قالت لي إنها نادمة .. وأنها تريد أن تعود إلي, ثم لم تنتظر جوابي .. وانصرفت بسرعة كأنها تتوقع مني أن أجري وراءها لمجرد أنها قالت لي ذلك .. ولم أجر وراءها لكنها لخبطت كياني كله يا سيدي فلقد كنت قد بدأت أنساها لكن ظهورها المفاجئ أمامي غير أشياء كثيرة.

 إنني لم أغفر لها ما صنعته بي بلا أي سبب ولم أغفر لها أنها طلبت مني الطلاق ولم أكن قد شفيت تماما من الشلل وتركتني وأنا أستكمل علاجي .. ولم أعد أشعر بالاطمئنان إليها بعد أن صحوت ذات يوم ولم أجدها بجواري لكني أيضا لم أنسها تماما .. فمازال لها نصيب في قلبي .. ومازالت تطل صورتها من حين إلى آخر .. ولقد مضى على هذا الظهور المفاجئ شهران .. ولم تعد مرة أخرى أو تتصل بي اكتفاء بأنها أعلنت ندمها كأن ذلك كافيا وحده لنسيان كل شئ وكأنها تنتظرني أن أسرع إلى بيتها بمجرد أن جاءت إلي فماذا أفعل .. وبماذا تنصحني .. وكيف تفسر ما جري خلال تلك الشهور؟

 
ولـكاتــب هـذه الرسالة أقـول :

إن ما جرى واضح كالشمس يا صديقي .. ففتاتك لم تبادلك بكل أسف هذا الحب العظيم الذى حملته لها .. ولم تكن أنت بالنسبة لها الأمل والمستقبل والأمان كما كانت هي لك .. لذلك رفضت الإنجاب منك ولهذا أيضا ضعفت أمام أول "اختبار" تعرضت له وهي معك.

وبغير أن أجرح مشاعرك فلقد كان هناك مشروع آخر في حياتها لم يكن لك مكان فيه .. لهذا طلبت منك الطلاق .. وأعطيتها مهله لتفكر ففكرت وعادت ثم حزمت أمرها فصحوت يوما فلم تجدها بجوارك .. ولم تتوقف طويلا أمام تضحياتك من أجلها وأنت من كدت تهلك لكي تجمع تكاليف زواجك منها .. ولم يرق قلبها  وانت الذى مرضت بالشلل العصبي لمجرد القلق عليها والخوف من فقدها ثم غابت شهورا .. ووجدتها فجأة أمامك تعرض عليك بتحفظ العودة إليها لأنها قد ندمت .. فهل ندمت حقا .. أم أن مشروعها الآخر قد فشل فقررت العودة إلى الاحتياطى الاستيراتيجى الدائم لها؟

إننى أخشى أن يكون الأمر كذلك .. لأنها لو كانت قد ندمت حقا لكافحت لاستعادتك .. كما كافحت أنت للارتباط بها .. ولعانت من أجلك كما عانيت أنت من أجلها .. ولبكت كما بكيت .. وتعذبت كما تعذبت .. لكن الواضح أنها لم تعاني بعض ما تعانيه .. لهذا لم تكلف نفسها حتى مهمة العودة إليك مرة أخرى لتشرح لك ما جرى ..وتطلب عفوك.

لا يا سيدي إن هذه الفتاة لا تستحق هذا الحب العظيم الذى حملته لها .. ولن تجد معها فى ظني الأمان والاطمئنان والكرامة ولقد ذكرتني تجربتك هذه بقول الشاعر:

غزلت لهم غزلا رقيقا ولما لم أجد

 لغزلي نساجا كسرت مغزلي

فأنت بالفعل كنت تغزل لها طوال السنوات الماضية حبا وتفانيا وتضحيات .. فلا تنسجها لك أمنا ولا أمانا .. ولا سعادة!

ولست من أنصار أن يمضي الإنسان العمر يغزل للآخرين الغزل الرقيق فيدوسونه بالأقدام ورغم ذلك فلن أنصحك بأن تكسر مغزلك لأن من يعرف الحب يطهره الحب من كراهية البشر.. وإنما سأنصحك فقط بأن تحتفظ به لمن تستحقك .. ولمن سوف تغزل لها حبا فتنسجه لك عشقا وهناء وسعادة .. وسوف تلتقي بها ذات يوم حين تبرأ تماما من آثار هذه المحنة .. إذا غالبت نفسك وتحملت آلام هذه الجراحة النفسية المؤقتة لكي تشفى بعد ذلك من كل الآلام.

إن الإنسان العظيم هو الإنسان القادر على نفسه قبل أن يكون قادرا على الآخرين وانت إنسان عظيم فعلا ومكافح وشريف ومثلك لا يجوز له أن ينهار أمام محنة كهذه المحنة .. وإنما عليه أن يضعها فى جحمها الحقيقي .. وأن يعرف أنه ليس خطأ ألا يحبنا ونحن نعرف ذلك ..

ونعرف أنه لا أمل فى أن تتغير مشاعرهم تجاهنا .. وأن يبادلونا عطاء بعطاء.

إن تجربتك الأليمة هذه لم تضع سدى فلكل شئ ثمنه .. ولكل خطأ عقابه .. وثمن تجربتك هذه هو أنك قد نضجت على نارها وعرفت من أمور الحياة ما لم تكن تعرف .. وستكون أقدر على فهم الحياة وممارستها بعدها كثيرا.

أما عقاب خطأ فتاتك .. فهو أن تفقدك .. وأن يشق كل منكما طريقه بعيدا عن الآخر فى رفقة من يجمعه به الحب الخالص .. بلا أنانية وبلا مشروعات بديلة!

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات