أم الطائر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

أم الطائر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

أم الطائر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995


أنا شاب اقترب من الأربعين ومتزوج وسعيد بأسرتي والحمد لله , وطوال رحلة عمري كانت الدموع لا تعرف طريقها إلى عيني في أحلك الظروف والأوقات وحتى عند الموت إلا في ثلاث حالات فقط هي عند قراءة بابك الحبيب بريد الجمعة , وقد سالت دموعي العاصية عند قراءة رسالة "عودة الطائر" للأم الفاضلة التي أمتحنها الله بطفل جاء إلى الدنيا لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم , فتفانت في رعايته وحبه والعطف عليه حتى لتسأل بعد أن استرده الله في رحابه هل قصرت في حقه وهل هو راض عنها وعن أمومتها له ؟ .. فوجدت نفسي أبكي بغزارة وأقارن بين هذه الصورة الإنسانية المشرفة للأم المصرية وبين ما تطالعنا به بعض الصحف المصرية أحيانا من صور مخزية لأمهات فاشلات يضحين بفلذات أكبادهن جريا وراء متعة محرمة أو يتخلصن منهم عقب إنجابهم.

 لهذا فإني أطالب الصحف والمجالات المصرية بالحد من نشر هذه الصور غير اللائقة بنا وبمجتمعنا فكل مجتمع فيه الكثير والكثير لكن الله حليم ستار, وأنا من أرض اليمن حيث أعمل وأقيم الآن أقدم إلى "أم الطائر" الفاضلة تحية الإجلال والإعزاز وأرى فيها صورة الأم التي تشرف بلدها وتشرفنا نحن كمغتربين في شتى أنحاء العالم , وأريد أن أطمئن هذه الأم الفاضلة إلى أنها قد أدت واجبها تجاه طفلها على خير ما يكون الأداء , وأبشرها بما جاء في مضمون الحديث الشريف من أن الله سبحانه وتعالى ليستحيي يوم القيامة من أصحاب العاهات ومن كل من سلبت منه نعمة في الحياة الدنيا , وأختم رسالتي هذه بقول الحق سبحانه وتعالى في نهاية سورة "المؤمنون"

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )

صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . 

*
رابط رسالة عودة الطائر بعد رد الأستاذ

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

ولكــــاتـــب هـــذه الرســــالـة أقـــــول:

 

المشاركة الوجدانية هى أبسط ما يستطيع الإنسان أن يقدمه للآخرين ويخفف به من آلامهم ويشعرهم معها بأن إخلاصهم في أداء واجباتهم الإنسانية تجاه الحياة , لم يذهب سدى وإنما يلقى من الآخرين التقدير والامتنان .. فشكرا لك على رسالتك الرقيقة هذه , وعفوا لاستدرار دموعك العاصية من غير قصد بما ينشره هذا الباب عن حياة وآلام الآخرين , وبشرى لتلك الأم الفاضلة بما تعدها به من خير الجزاء .. أما ما تطالب به الصحف المصرية من الحد من نشر الصور السلبية في مجتمعنا فقد اتفق معك على ضرورة عدم المبالغة في تناولها بما يعطيها حجما أكبر من حجمها الطبيعي ويوحي ظلما وعدوانا باهدار كل القيم في مجتمعنا على خلاف الواقع والحقيقة حيث لا يمكن أن يكون هناك مجتمع في أي بقعة من الأرض يسوده الانحراف نهائيا , ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع آخر تسوده الفضيلة تماما كأنما هو قطعة من الجنة أو المدينة الفاضلة , إنما هناك دائما وفي كل مجتمع أغلبية فاضلة وقلة فاسدة , والاختلاف بيننا وبين غيرنا من المجتمعات المحيطة بنا هو أننا لا نتكتم نقائص البشر الملازمة لهم منذ بدء الخليقة والتي بدأت بنسيان آدم عليه السلام للعهد وقطفة للثمرة المحرمة في الجنة , ثم بقتل الأخ لأخيه من اجل امرأة اسمها "قليما" تنازع عليها قابيل وهابيل , فإذا استنتج البعض مما تنشره الصحف المصرية عن هذه السلبيات والنقائص مؤشرات وأحكاما متعسفة وظالمة عن مجتمعنا فهذا شأنه في أن يصدق ما يتوهمه ويسعد بأوهامه , والمجتمع القوى بصفة عامة هو المجتمع الذي لا يخشى مناقشة سلبياته ولا يخجل من طرحها على الملأ , والمجتمع الهش هو الذي يتكتم سلبياته ويرفض الاعتراف بها فتسري تحت أرضه كما تسري النار تحت الرماد إلى أن تنفجر مدمرة كل شئ , ورغم كل ذلك فإنني أتفق معك في ضرورة تحري الموضوعية في نشر هذه السلبيات وفي عدم الانسياق إلى اغراء نشر الغريب والمثير منها بما يؤدي إلى تركيز الضوء على مثل هذه النقائص البشرية وحدها وتضخيمها بما لا يتفق مع حجمها الحقيقي لا دلالاتها المحدودة .

رابط رسالة عودة الطائر

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات