عودة الطائر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أنا سيدة من قارئات بريد الجمعة وأريد أن أروي لك تجربة مررت بها وأرجو أن تصبر على قراءة رسالتي للنهاية .. فلقد تزوجت منذ خمس سنوات وسعدت بزواجي وزوجي وحياتي الجديدة ، وبعد الزواج مباشرة حملت وفرحت بحملي ومتاعبه اللذيذة واستعددت للولادة بشراء ملابس المولود الجديد والعربة الصغيرة التي سيتنقل بها ثم حانت لحظة الميلاد الإلهية التي يخرج فيها الحي من الحي بأمر ربه .. فخرج وليدي إلى الحياة دون أن يصرخ أو يبكي أو يتحرك كما يفعل الأطفال عقب مجيئهم للحياة .. وتم وضعه على الفور في الحضانة وعرفت من الطبيب أنه يعاني من نقص الأكسجين بالمخ مما أدى إلى ضمور تام به وتعلقت ككل أم بالأمل في أن يتخلص من مرضه مع تقدمه في العمر تدريجيا لكني واجهت بعد ستة شهور فقط الحقيقة القاسية وهي أن طفلي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يجلس ولا يمشي كغيره من الأطفال بل أن مراكز الانتباه لديه أيضا منعدمة وأنه مجرد انسان يتنفس ويأكل ويشرب وينام فقط ولا يعرفني ولا يعرف أي شئ في الحياة.
وسلمت بأنه ابتلاء من الله لي وصممت على أن أنجح في الإختبار مهما كانت قسوته لكي أفوز بالدنيا والآخرة معا ورضيت بما شاءته لي إرادة الله ورحت اعتني بطفلي الوليد وأطعمه واصبر عليه حتى يبلع طعامه ببطء شديد حيث يعاني من صعوبة شديدة في البلع وانظفه وأغسل جسمه واهتم بملابسه وأعطف عليه وأحبه واضعه إلى جواري في الفراش في ليالي الشتاء الباردة لأتأكد من استشعاره الدفء لأنه لو لم يستشعره سيعجز عن الشكوى أو الصراخ بل ورحت أيضا أتكلم معه باستمرار بالرغم من أنه لا يسمعني ولن يجيبني لكني كنت أحس علاقتي به وبوجوده في حياتي حين أتكلم معه .. كما رحت أيضا أحمله إلى عيادات الأطباء لأطعمه بالأمصال المختلفة في مواعيدها المقررة وأصبحت أنا وطفلي متلازمين ليل نهار .. وتقربت إلى الله بخدمته وحبه ورعايته.
وبعد عامين من ولادته فكرت أن أعمل لأساعد نفسي وأشغل بعض وقتي وسنحت لي فرصة طيبة للعمل في احدى الجهات .. لكن المشكلة المستعصية التي واجهتني هي : أين أترك طفلي البائس هذا إلى حين عودتي إليه من العمل؟
لقد كانت هناك حضانة قريبة من مسكني فتوجهت إليها وعرضت عليها رغبتي في إلحاق ابني بحضانتها .. لكنها رفضت بإصرار قبوله لظروفه غير الطبيعية وقالت لي أن هناك حضانات أخرى متخصصة في مثل هذه الحالات فرجعت من عندها حزينة كسيرة النفس وفكرت طويلا في حل آخر للمشكلة فلم أجد لها مخرجا واستقر رأيي على التضحية بفرصة العمل التي انتظرتها طويلا والاعتذار عنها وتوجهت لمقابلة مدير العمل وأبلغته باعتذاري وشكري له .. فسألني بطريقة عابرة عما يعوقني عن تسلم العمل فرويت له حكاية ابني وكيف أني لم أجد مكانا استطيع أن أترك طفلي فيه ساعات الصباح حتى أعود إليه في الظهر فنظر إلي المدير نظرة طويلة صامته ثم قال لي متعجبا وهل خلت الدنيا نهائيا من الخير يا ابنتي ؟ احضري ابنك معك إلى العمل كل يوم وسوف نساعدك جميعا .. وسوف يشفيه الله قريبا ونفرح معك بشفائه.
فلم أتمالك دموعي من التأثر وشكرت المدير الفاضل كثيرا كثيرا وتسلمت العمل وأصبحت أنهض من نومي في السادسة صباحا فأجهز طعام الإفطار وأطهو طعام الغداء .. ثم أضع ابني في عربته الصغيرة ومعه طعامه وشرابه وملابسه واذهب إلى العمل فأضع العربة الصغيرة إلى جوار مكتبي وأبدأ عملي وعندما يشعر بالجوع وأطعمه وينبهني رئيس المكتب إذا لاحظ انشغالي بالعمل إلى موعد إطعام طفلي فإذا تأخرت في النهوض لإنهاء عمل عاجل سحب الدفتر من أمامي وأمرني بإطعام طفلي أولا أكرمه الله .. والغريب أن هذا الطفل الأبكم الأصم الذي لا يرى ولا يعرف أحدا قد نال حب كل الموظفين في العمل خلال وقت قصير فكانوا جميعا يلقون عليه تحية الصباح عندما يجيئون للعمل مع أنه لا يسمع ولا يجيب ويلقون عليه تحية المساء عند انصرافهم ويداعبونه ويتفاءلون به ويتعجبون لكمال وجهه المريح ويسألون عنه إذا غاب عن الحضور معي لأي سبب طارئ .. أما المدير الذي يدقق عادة في إجازات الموظفين فكان لا يتردد مرة واحدة في الموافقة على طلب إجازة لي لأقوم بتطعيم طفلي أو عرضه على أحد الأطباء.
ومضى عام على عملي وابني يصاحبني إليه كل يوم ويلازمني في البيت بعد الظهر وفي فراشي أيضا معظم الليالي إلى أن كان شهر رمضان قبل الماضي ولاحظت على وجهه بعض الشحوب فظننته من أثر نوبة برد لكن الشحوب ازداد فأحسست أنها ليست نوبة برد وبدأت أشعر بالخوف عليه , وفي صباح اليوم الثامن والعشرين من رمضان قبل الماضي صحوت من نومي في السابعة صباحا وكان طفلي دائما إلى جواري فنظرت إليه فوجدت عينيه مفتوحتين فأخذته بين ذراعي و"تكلمت" معه كعادتي وسالته : مالك يا حبيبي تعبان من أيه .. تكلم .. ماذا يؤلمك , فأصدر أهه طويلة كأنه شخص يغني ثم شهق شهقتين وأغمض عينيه وأسلم الروح وهو بين ذراعي وأدركت أنه قد مات فانهمرت دموعي الغزيرة وأعدته إلى الفراش وغطيته تاركة وجهه مكشوفا وغادرت فراشي إلى الحمام ورجعت فصليت الصبح جلست بجواره على الفراش وبدأت أقرأ له سورة "يس" وجزءا من سورة البقرة ثم دعوت الله بقلب حزين "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني منها خيرا" ورددت هذا الدعاء مرارا حتى هدأت ثم نظرت إلى وجهه الجميل "وتكلمت " معه وسألته .. هل أنت راض عني يا حبيبي هل قصرت في حقوقك علي؟ .. لقد أحببتك كثيرا ولن أنساك أبدا لأنك تعيش معي وتحت جلدي وأريد أن أراك في أحلامي وأنت تلهو وتمرح في الجنة التي سيعوضك فيها ربك عن كل ما حرمت منه في الدنيا وبعد ساعة أخرى كان ابني قد غادر بيتي والدنيا كلها ووري الثرى وعمره ثلاثة سنوات ونصف فقط وخلا منه البيت والعمل والعربة الصغيرة
واستسلمت لارادة ربي وواصلت حياتي وعملي .. وكلما طاف وجهه الجميل بخيالي سألته في لهفة هل أنت راض عني ؟ فيخيل إلي أنه يهز رأسه بالايجاب فأشعر بالرضا واتخفف من مشاعر الحزن.
وبعد أسبوعين فقط من رحيل طفلي عن الدنيا اكتشفت بالصدفة أني حامل وعرفت وهو الأعجب أن الحمل قد حدث في نفس اليوم الذي توفي فيه ابني .. فابتسمت متعجبة لإرادة الله وقلت لنفسي أن روحه لم تصعد إلى السماء وإنما رجعت ودخلت أحشائي من جديد وشكرت الله كثيرا على نعمته ومضت شهور الحمل عادية وبلا متاعب تذكر وبعد تسعة شهور بالضبط من رحيل ابني , خرجت إلى الحياة طفلتي الجميلة المبتسمة دائما التي تبتسم وهي ترضع .. وتبتسم وهي تنام .. وتبتسم وهي تنظر إلي والحمد لله الذي لا يحمد على كل شئ سواه فلقد جاءت طفلتي الجميلة إلى الحياة مكتملة الحواس والصحة وطبيعية في كل شئ .. وهي الآن عمرها ثلاثة شهور .. وتملأ حياتي بالبهجة والسعادة .
ولقد أردت أن أروي لك قصتي لكي أناشد كل أم تبتلى بطفل متخلف ألا تحزن وأن تصبر على اختبار الله فهؤلاء الأطفال المحرومون هم ملائكة الله في أرضه ومفاتيح الجنة للأمهات الصابرات فلتصبر إذن كل أم مبتلاه بطفل متخلف على اختبارها ولتحب طفلها .. فالحب هو الذي يخفف عنها هذا الابتلاء ولسوف يعوضها الله عما ابتلاها به ويجزيها عنه خير الجزاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكــــاتـبة هـــذه الـرســالـة أقــــول:
ذكرتني رسالتك المؤثرة هذه بما كتبه الأديب التشيكي المولد فرانتس كافكا في رسالة لأبيه ذات يوم فقال له : أن الشئ الوحيد الذي ينبغي أن يقدمه الأبوان لمولودهما حين يجئ إلى الحياة ومهما كانت ظروفه الصحية أو ظروفهما الاجتماعية هو أن يرحبا به.
وإذا كان العقل الغربي يفسر ذلك بضرورة القبول بالواقع وعدم الفرار من مواجهته فإن الوجدان الديني يضيف إلى هذه النظرة الواقعية العملية بعدا آخر أهم وأكثر تأثيرا في سلوك المرء وهو التسليم بإرادة الله سبحانه وتعالى والرضا بقضائه وقدره واعتباره "اختبارا" يجزي الله الفائزين فيه خير الجزاء.
وهذا "البعد الإيماني" هو الذي يضيف إلى الاحساس بالمسئولية عن الأبناء غير الطبيعين وأداء الواجب الانساني والعائلي معهم ما لا يستطيع عامل آخر أن يضيفه إليهما وهو "العطف" النبيل على المولود أو الطفل صاحب الظروف الخاصة والرفق به واعتبار حبه ورعايته وخدمته والاعتزاز به قربى يتقرب بها صاحبها إلى ربه ويتخوف من احتمال تقصيره في ادائها ! فيسأل نفسه هل أحسن أداءها أم لا .. كما كنت تسألين أنت طفلك الصغير وهو بين يدي ربه هل قصرت في حقه وتشرحين له كيف أحببته حبا عظيما لم يؤثر فيه مجيئه إلى الحياة محروما من حواسه وأنك لن تنسيه مهما باعدت بينكما الديار وتأملين أن ترينه في أحلامك يلهو ويمرح في جنة الموعودين !
هذه هي "الإضافة الثمينة" التي يضيفها الوجدان الديني إلى مواجهة الواقع وأداء الواجب وتحمل المسئولية في مثل هذه الظروف الإنسانية.
وقد فعلت أنت كل ذلك بفطرتك الصحيحة ووجدانك الديني السليم فالآباء والأمهات لا يملكون لأبنائهم حين يجيئون إلى الحياة إلا الحب بغض النظر عن حظوظهم من كمال الأجسام والحواس والقدرات يستوى في ذلك من يجئ إلى الحياة في جمال أدونيس الصياد والصغير الجميل في الاساطير الاغريقية ومن يجئ إليها في بشاعة أحدب نوتردام .. لأننا لا نحب أبناءنا لأنهم رموز للكمال وإنما لأنهم أبناؤنا أولا وأخيرا ومهما اختلفت حظوظهم في الحياة.
ولاشك أنك أم رائعة يا سيدتي لأنك أدركت كل ذلك بفطرتك الطيبة وعملت به فمنحت طفلك الصغير "الشئ الوحيد" الذي كان ينبغي لك أن تمنحيه له وهو الحب والرعاية والصبر عليه والاعتزاز به بغض النظر عن ظروفه المؤلمة.
ولا معاناة بلا جدوى في النهاية ومهما بدا لنا غير ذلك كما جاء على لسان احدى شخصيات رواية الأديب الياباني "أوى كنزابورو" "هموم صغيرة" فكل معاناة يكابدها الإنسان لابد وأن تضيف إليه شيئا ثمينا يزيد من صلابته أو يعينه على اكتشاف قدرات شخصية له كانت خافية عليه أو يزيده فهما للحياة وقدرة على التمييز بين ما يستحق الأسف عليه وما لا يستحقه أو قدره على الصمود لأحزان الحياة الصغيرة والاستهانة بها قياسا إلى ما كابده من أحزانها الكبيرة فضلا عما تضيفه خبره الألم إلى الإنسان من فهم إنساني أعمق وتعلق أكبر بالأمل والرجاء في رحمة الله أن تخلو بقية الرحلة مما صادفه من قبل من آلام وأحزان وهذه هي الترجمة النفسية لهذا الدعاء الإيماني المؤثر الذي يواجه به الصابرون المحتسبون آلام الحياة فيدعون ربهم خوفا وطمعا أن يؤجرهم عما كابدوه من آلام وأن يعوضهم عنها بخير العطاء.
وأي أجر أعظم يا سيدتي من أجر أم مثلك رضيت من الوهلة الأولي بإختبار السماء لها ورعت طفلها المحروم وأحبته كل هذا الحب واحتسبته عند ربها راضية الضمير عن أدائها لواجبها الأمومي والإنساني معه ؟
وأي عطاء أثمن من طفلتك الجميلة المبتسمة دائما التي شاءت إرادة الله أن يلقي ببذرتها الطيبة في احشائك في نفس اليوم الذي أذن فيه للطائر الصغير أن يحلق عائدا إلى رحاب السماء أليس هذا هو التدبير الالهي الذي قد يأتينا أحيانا بما نكره ليحقق لنا بعد حين أجمل ما نحب كما يقول الصوفية.
أوليس وعدك لطفلك الصغير بألا تنسينه تأكيدا جديدا لأن الأعزاء لا يموتون حين يواريهم الثرى. وإنما يموتون "بالنسيان"
أما نداؤك للأمهات المبتليات بأطفال غير طبيعين بأن يصبرن على اختبار الحياة لهن في أبنائهن وان يحببنهم كما أحببت أنت طفلك لأن الحب هو ما سيخفف عنهن وطأة الإبتلاء .. فنداء صادق وحكيم والوعد بحسن الجزاء لهن وعد حق أيضا يا سيدتي.
فشكرا لك على رسالتك القيمة ودعاء لك ولطفلتك المبتسمة وأسرتك الصغيرة بألا تغيب الابتسامة عن سمائكم أبدا بعد ذلك بإذن الله.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مارس 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر