التضحية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

التضحية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

التضحية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أنا يا سيدي شاب في الثلاثين من العمر ماتت أمي رحمها الله وأنا في السادسة عشرة من عمري وتخلى عني أخوالي رغم أنهم متعلمون سامحهم الله وتزوج أبي من إمرأة لا أعرف حتى الآن هل كانت حنونا أم قاسية سامحها الله هى الأخرى , ثم مات أبي بعد سنوات وتركتنا أرملته في اليوم التالي لزواج أختى وانتقالها إلى بيت زوجها والتحق أخي الأصغر بالجيش لأداء الخدمة العسكرية فوجدت نفسي وحيدا تماما في البيت الكبير الذي كان يضج بالحياة والحركة والبشر , وعشت وحدي أعاني من الوحدة فخطبت إحدى قريباتي , وحاولت مع أبيها أن يسمح لنا بالزواج على الفور على أن نكمل الجهاز وتأثيث البيت بالتدريج فرفض وأصر على ألا نتزوج إلا بعد اعداد الجهاز , وتركني عاما طويلا أعاني فيه من الوحدة وأعمال المنزل وانقضت سنة الانتظار بخيرها وشرها وتزوجت وأنا مدين بجزء كبير من تكاليف الزواج على أمل أن أسدد بعض ديوني من نقوط الزواج الذي سيقدمه لنا الأهل والأقارب وتم الزفاف وتوافد الأهل والأقارب وقدموا لنا نقوطهم بهذه المناسبة ثلاثون جنيها من هذا وخمسون من ذاك ومائة من ثالث فتجمع لدى زوجتي مبلغ لا بأس به, وفي اليوم الثالث من زواجنا صارحت زوجتي بأنني مدين وطلبت منها أن تعطيني "نقطة الفرح" لكي أسدد بها قسطا من ديوني ففوجئت بها ترفض ذلك وتقول لي أن هذه النقود ملك أبيها وأمها مع أنهما أفضل مني حالا من الناحية المالية وتألمت لموقف زوجتي مني وصبرت عليه .. وفكرت في حل آخر لمشكلة ديوني وهو أن آخذ منها شبكتها الذهبية وأبيعها وأسدد الدين وطلبت ذلك منها بعد أيام لكنها رفضت أيضا فباعد ذلك بيني وبينها ولم يعد بيننا حب ولا مودة , وكلما تحدثنا في شئ حدثت مشكلة , وهي الآن حامل وأنا أحاول أن أخلق المودة بيننا لكن كيف أستطيع ذلك وقد رفضت أن تساعدني منذ اليوم الأول لزواجنا ورفضت أن تضحي من أجلي وأشعرتني أنها لن تقف بجواري وأنا زوجها .. فهل أرجوك أن تكتب لها كلمة تعرفها فيها بواجبات الزوجة تجاه زوجها وكيف أنها لابد أن تضحي من أجله؟

 

ولكــــاتــب هــذه الرســــالة أقـــول :

 

التضحية لا تطلب من أحد وإنما يبادر بها صاحبها فيأسرنا بتضحيته وعطائه , ويعلو قدره لدينا فإذا "أخطأنا" ذات مرة وطلبناها من أحد فليس من حقنا أن نغضب إذا خذلنا ورفض أن يقدمها لنا , ولا شك أن التعاون بين الزوجين مطلوب ومرغوب دائما لأنه يوثق روابطهما ولأنه بقدر ما يقدمه كل طرف للآخر من عطاء وتضحيات بقدر ما يحظى بحبه واحترامه وعرفانه لكننا في النهاية لا نملك ارغام أحد على أن يقدم لنا تضحياته لكي نثيبه عليها بالحب والعرفان , ولهذا فقد كان ينبغي لك فقط أن تعرض على زوجتك بعد فترة من الزواج والعشرة الطيبة وليس من اليوم الأول متاعبك المالية وتشركها معك في مواجهتها وتدع لها الفرصة لكي تقرر وحدها ما ترى نفسها راغبة أو قادرة على الاسهام به في حل مشكلتك أما أن تبادرها على الفور بطلب "نقوط الزفاف"  لسداد دينك , ثم بطلب مصوغاتها الذهبية لنفس الغرض فلاشك أن ذلك قد آثار لديها تشككها في شبهة الاستغلال أو على أحسن الفروض شبهة استسهال حل المشاكل عن هذا الطريق وهي في النهاية ليست مسئولة عن ديونك ولا عن سدادها وإنما أنت وحدك المسئول عن ذلك لأنك من استدان بإرادته وليست هي , فإذا كانت لم تبد أية رغبة في التعاون معك على سداد دينك فلأنك لم تتح للعشرة والمودة أن يوثقا بينكما ويخلقا لديها هذه الرغبة في "التضحية" من أجلك وبادرتها على الفور بطلب التضحية من اليوم الأول .. فلا تلمها في ذلك ولا تعاقبها عليه بالتباعد والنفور , فلقد أخطأت المقدمة .. فأخطأت النتيجة .. وإذا كنت تطالبني بأن أحدث زوجتك عن واجباتها تجاه زوجها وكيف أنها مطالبة بأن تضحي من أجل زوجها فهذا حق لاشك فيه حين تكون دواعي التضحية جادة وبعيدة عن شبهة الاستسهال أو الاستغلال , لكني أريد من ناحية أخرى أن أذكرك أنت أيضا بواجبات الزوج تجاه زوجته ومن أولها أنه المسئول الأول والوحيد عن أعاشتها وتلبية متطلبات حياتها مسئولية كاملة فإن شاركته هى في جانب من المسئولية عن حياة الأسرة فبدافع التعاون المطلوب لتوثيق الروابط بين الزوجين , وليس بدافع الواجب أو الإلزام .

وفي النهاية فإن الزوجة التي تضحي من أجل زوجها ولا تبخل عليه بعطاء مادي ونفسي في سنوات البداية الصعبة .. هي دائما الزوجة التي يحق لها أن تنعم بثمار كفاح السنين حين يجتاز زوجها صعوبات البداية ويحقق لنفسه وأسرته الثراء والرخاء والوفرة , أما الزوجة التي تبخل على زوجها بأي عطاء أو مساندة في سنوات البداية اعتمادا على قاعدة مسئوليته وحده عن الزوجة والأسرة ورغم أنها قادرة على التضحية والعطاء . فهذه هي الزوجة التي لا يحق لها أن تشكو من قلة عطاء زوجها لها في سنوات الرخاء .. ولا يحق لها أن تشكو من أنه لا يقدم لها سوى عطاء الواجب والمسئولية فقط ويبخل عليها بعطاء الحب الغامر وهداياه الثمينة.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات