نهر الدموع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

نهر الدموع .. رسالة من بريد الجمعة  عام 1994

نهر الدموع .. رسالة من بريد الجمعة  عام 1994

أكتب لك على استحياء، راجياً أن تشير عليّ بالرأي السديد، فأنا يا سيدي رجل في الثالثة والأربعين من عمري، بدأت قصتي منذ سنوات حين كنت أعمل محاسباً بإحدى الجامعات، والتقيت في الكلية التي كنت أعمل بها بطالبة على قدر كبير من الجمال، تصغرني بسبع سنوات فجذبني جمالها وأعجبت بها. ثم تزايد الإعجاب يوماً بعد يوم، حتى قررت الارتباط بها وسعدت هي برغبتي في خطبتها، وحددت لي موعداً مع أسرتها. وفي اليوم المحدد توجّهت إلى بيتها ففوجئت بأن أسرتها فقيرة للغاية، ومع ذلك فلم أعتبر ذلك – ولا أزال – شيئاً يعيبها، وأعانني على ذلك أنني نفسي – وإن كنت من أسرة غنية – إلاَّ أنني من الفرع الضعيف منها، وكنت أكافح وأعمل عملاً حرفياً إضافياً بعد الظهر لكي أعيش في مستوى مقارب لمستوى أقاربي الأغنياء، أو على الأقل في مستوى لا يخجلني بينهم.

 

وهكذا اتفقنا على الزواج بأقل الإمكانات، على أن أواصل كفاحي لتحسين مستوى حياتنا في المستقبل، وتزوجنا وواصلت كفاحي اليومي لأوفر لزوجتي الجميلة حياة مأمونة، وبرغم إرهاقي في العمل الصباحي والمسائي، فإنني تحملت معاناتي بصبر وبلا شكوى أملاً في تحسن الظروف، وفي كل سنة من سنوات زواجنا أضيف شيئاً جديداً في حياتنا، فاستكملت ما كان ينقصنا من الأجهزة والأثاث، وادخرت سنة وراء سنة مبلغاً من المال لأحقق أملي في أن أقيم مشروعاً صغيراً لعملي الحرفي، يغنيني عن تأجير مجهودي للآخرين ويزيد من دخل الأسرة، وشجعتني زوجتي الجميلة في البداية على كفاحي، وشاركتني حلمي بامتلاك المشروع الصغير، لكن صبرها نفد بعد فترة، خصوصاً بعد أن أنجبنا أول أولادنا الثلاثة، وتخرجت وعملت موظفة بإحدى الهيئات العامة، ومع أنني حرصت –منذ اليوم الأول من عملها- على أن يكون راتبها لها وحدها، فلقد بدأت تثبط همتي وتقول لي إنني مهما فعلت فلن أصبح ثرياً مثل أقاربي الأغنياء، ثم زاد ضيقها بكل شيء، فصارحتني بأنها قد خدعت فيّ لأنها كانت تظنني ثرياً مثل أقاربي، فإذا بقدرها يوقعها في شخصي، وتحملت منها ذلك وتحملت سلاطة لسانها وإهمالها لي ولأولادها وبيتها، وشرحت لها مراراً أن أقاربي الأثرياء، ورثوا مالهم عن آبائهم، أما أنا فإنني أكافح لأبني لها ولأولادي مستقبلاً آمناً بعرقي ودمي، فلم يشفع لي ذلك عندها، فصبرت على ظروفي وواصلت كفاحي، حتى أصبحت لي منشأة صغيرة مجهزة بأحدث المعدات مع بعض الشركاء، ولأن معظم تجهيزاتها كانت مشتراة بالتقسيط فلقد كنت أضطر لأن أغيب عن البيت حتى المساء لأواصل العمل بلا كلل، لكي أسدد أقساط المنشأة، وأستجيب مع ذلك لكل طلبات زوجتي المادية –التي لا تنتهي- وأحاول إرضاءها بكل وسيلة فأخرج معها ومع الأولاد في رحلات للنزهة والترويح، وأستضيف معنا من تريده من أقاربها لكي ترضى، ومع ذلك فهي لا ترضى أبداً ودائماً مستاءة، وغاضبة بلا سبب واضح.

 

ثم لاحظت عليها منذ فترة قصيرة، أنها قد أصبحت أكثر حدة في تعاملها معي، وزادت مشاجراتها وبذاءاتها الموجهة لي بسبب وبغير سبب، ثم بدأت تمتنع عليّ كزوجة وتحرمني من نفسها، برغم ذلك صبرت وأملت أن تزول هذه الغمة في وقت قصير، كما حدث من قبل، لكن الغمة لم تزل وإنما عدت إلى بيتي ذات مساء، فلم أجدها فيه، وعلمت أنها قد انتقلت إلى بيت شقيقتها الأرملة، بعد أن سبتني في غيابي لدى والدتي وعايرتها بأنني فقير!

 

وقررت أن أتركها لدى شقيقتها بعض الوقت حتى تهدأ النفوس. ومضت أيام ففوجئت بها تقيم عليّ دعوى طلاق ونفقة.

 

وذهلت حين علمت ذلك، ولم أجد سبباً قوياً يدفعها لما فعلت، فهي أم لثلاثة أطفال صغار، وأنا مقبول من ناحية المركز الاجتماعي والمستوى المادي، وأقوم بكل واجباتي تجاهها على ما يرام، وأصبر على إساءتها لي، فما الدافع إذن لهذا التصرف الغريب؟

 

وقررت أن أبحث عن هذا الدافع، فسألت وتحريت وراقبتها عن بعد، فإذا بي أعرف أنها على علاقة مع مدير الإدارة التي تعمل بها، والذي يكبرها بـ 17 عاماً، ومتزوج من سيدة فاضلة وله منها ثلاثة شبان في سن الزواج، وهو موظف دخله عادي وله سوابق غرامية عديدة، ويعتمد على زوجته في الإنفاق على أولادها!

 

وعرفت مع الأسف كل ذلك متأخراً، فلقد تبين لي أن "القصة" معروفة منذ أكثر من عامين وتعرفها زوجة المدير نفسها! ومع ذلك فقد قررت إعادتها إلى البيت بأي ثمن، لكي تكمل المسيرة مع أطفالنا ولكي أنقذها من سوء المصير باعتبارها أماً لأطفالي، وحاولت احتواءها فنفذت لها كل مطالبها المادية المرهقة، حتى أوشكت أن أبيع المنشأة التي شقيت لإقامتها لألبي لها مطالبها، ورجعت زوجتي إلى البيت ، وسحبت دعوى الطلاق والنفقة، وغمرتها بالحنان والحب والعطف وقدمت لها كل شيء.. كل شيء، إلى درجة الذل والتذلل حتى تواصل مشوارها مع أطفالنا وتفيق من غيها، فلم يغير كل ذلك شيئاً من طبيعتها، بل زادت للأسف في عنادها وفي إذلالها لي، حتى سمحت لهذا المدير بأن يتصل بها تليفونياً ليلاً ونهاراً وفي أي وقت في بيتي، وأرادت أكثر من ذلك أن تفرضه عليّ كصديق، فضلاً عما عرفته أيضاً من أنها تخرج معه في خلال ساعات العمل، وتركب سيارته ويغيبان في مأموريات لمدة ساعتين، ثم يرجعان معاً إلى العمل أمام الجميع بلا حياء ولا خجل.

 

وأصبحت حياتي جحيماً لا يطاق، ومرضت حتى زادت معاناتي إلى أقصى حد، وبعد فترة أبلغتني بأنها تريد الإقامة لفترة لدى شقيقتها الأرملة من باب تغيير الجو، فوافقت على ذلك أملاً في أن تهديها شقيقتها للرشاد، وذهبت بالفعل إليها، ففوجئت بأنها قد اصطحبت معها الطفلين الصغيرين وتركت لي الطفل الأكبر، وبعد أسبوع اتصل بي أحد إخوتها وأبلغني أنها تطلب الطلاق، وتتمسك به لأنني قد "أتعبتها"، ويعلم الله من منا الذي أتعب الآخر وأذاقه الذل والمرارة، فرفضت هذا الأسلوب في طلب الطلاق وأعلنت ذلك، فلم تأبه لي وتحدتني بأن سافرت مع مديرها وشقيقتها وأولادها إلى مدينة ساحلية للنزهة مرتين خلال الأيام الماضية، ولم يحاسبها أحد من أهلها ولم يردعها أحد، فماذا أفعل معها يا سيدي هل أطلقها وأشرِّد أولادي، مع علمي الأكيد بأن مديرها العجوز المتصابي هذا لن يتزوجها لأن له ضحايا كثيرات مثلها، وهي تعرف ذلك جيداً؟ أم أتمسك بعدم طلاقها على أمل أن تعود إلى رشدها وتواصل مشوارها مع أبنائها حرصاً عليهم وعلى عدم الإساءة إليهم؟

إنني أرجو أن ترشدني إلى الصواب.. فماذا تقول لي، ولها ولهذا الشيطان المتصابي؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لا شأن لي بها، ولا به، ولست أريد أن أوجِّه إليهما أي كلام، فإن جاهدت نفسي رغماً عن ذلك لكي أقول لهما شيئاً فلن أزيد عما قاله الزاهد الصالح حسن البصري لأمير رآه يضرب رجلاً بالسوط فقال له: "إن شئت فأكثر وإن شئت فقلل، فوالله ما تضرب إلاَّ نفسك" أي فما تكثر أو تقلل إلاَّ من إثم ما تفعل على نفسك ومن عقابك عنه يوم يكون الحساب"، فليختر كل منهما لنفسه ما يراها جديرة به، فليس يجدي مع أمثالهما كلام ولا نصيحة!

 

أما أنت يا صديقي فلي معك حديث أرجو أن يطول، وأن تفهم "إشارتي" إليك بغير إسهاب محرج في هذا الأمر الشائك والمقزز.

 

فلقد كان حكيم الصين كونفوشيوس يقول:

إني لا أفتح باب الحق لمن لا يحرص على معرفته، فإذا عرضت على إنسان ركناً من موضوع ما، ولم يستطع مما عرضته عليه أن يعرف الأركان الثلاثة الباقية فإنني لا أعيد عليه درساً!

 

وأحسب أن ما أحدثك عنه لا يجوز أن أعرض عليك منه إلاَّ "ركناً واحداً" لكي تشحذ أنت عقلك وإرادتك، وتتصرف في أمرك بما يهديك إليه إدراكك للأركان الثلاثة الباقية منه، وهكذا فإنني أقول لك إن الأمر كله لا يحتمل التوقف أمام "أسلوب" طلب الطلاق أو كيفيته، ولا أمام أية اعتبارات شكلية أو جوهرية، فأنت أمام زوجة ترفضك بإصرار وترتبط بغيرك علناً، وهي لا زالت تحمل اسمك وتسافر معه في رحلات ونزهات، وتخرج معه في "مأموريات" خلال نهار العمل أمام الجميع وعلى رؤوس الأشهاد، وحين رجعت إليك بعد أن علمت بقصتها مع مديرها واسترضيتها ولبيت لها كل مطالبها، لم ترجع نادمة ولا تائبة عما تدهورت إليه، وإنما عادت إلى بيتك أكثر إصراراً على الاستمرار فيما هي سائرة فيه، ورغبت في أن تفرض عليك "رَجُلها" صديقاً لك برغم أنفك، وسمحت له بأن يتصل بها في بيتك في أي وقت من الليل والنهار، وبعد كل ذلك هجرتك وطلبت الطلاق وأصرت عليه، فماذا تنتظر حتى تجيبها إلى طلبها وتعفي نفسك من هذا الهوان؟

 

إنني من دعاة الإصلاح بين الزوجين بكل السبل حرصاً على مصلحة الأبناء، ومن دعاة التضحية وترجيح سعادة الأبناء واستقرارهم على السعادة الشخصية للمرء، إذا اقتضت الظروف ذلك، ولكن ليس على حساب الشرف والقيم الدينية والأخلاقية، التي لا تحتمل المساس بها، أو المناقشة حولها فحين يتدهور الموقف إلى هذا الحضيض، ويصبح الثمن الوحيد للتمسك بشريكة الحياة –حرصاً على مصلحة الأبناء- هو استمرارها في الخطيئة أو طلب الإغضاء عنها، فلا مجال للحديث عن شيء، ولا مفر من أن يتحمل الإنسان أقداره بشجاعة وصبر، ويفصل بينه وبين شريكته التي لم تشاركه هذا الحرص على مصلحة الأبناء، ولم ترع حرمات ربها معه ومعهم وليرع الله أبناءه ويعوَّضه عن شريكته الغادرة، بمن تمسح عنه أحزانه وترعى ربها في أبنائه، فلا تتردد في الاستجابة لطلبها، ولا تبرر ضعفك معها وتشبثك بها بالحرص على عدم تشريد الأبناء، أو بأي مبررات أخرى ودعها لما اختارته لنفسها؛ ولما سوف تدفع ثمنه صاغرة ذات يوم شاءت أم أبت، فليس في الحياة ولا في اختيارات الإنسان شيء ليس مدفوع الثمن، إن آجلاً أو عاجلاً.

 

وقديماً قال "حكيم" إنه تأمل ذات يوم نهر الدموع، فرأى دمعة تقول لصاحبتها: إنني دمعة رجل بكى حين أغوى آخر زوجته وفرت معه فأجابتها صاحبتها: لا تحزني يا أختاه فأنا دمعة هذا الرجل الذي بكى مراراً ولايزال يبكي بعد أن استأثر بها لنفسه وتزوجها!

 

وهي حكمة خيالية تنطبق على الرجل والمرأة في كل زمان ومكان، لكننا لا نتعلم الدرس مع الأسف، إلاَّ حين يلسعنا الألم فنقول مع الشاعر الدرزي الزاهد:

تجري الأمورُ وما لِلمَرْءِ مُعْتَبَرٌ        حتى تَحِلَّ به في نَفْسِه العِبَرُ

فاستجمع شجاعتك وإرادتك، واحزم ضعفك وقلبك وتخلَّص منها في هدوء، وبلا مماطلة وطمئن نفسك إلى أن معاناتك لن تضيع هباء، وإنما سوف يعوضك عنها ربك خيراً كثيراً بإذن الله. 

 *نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" في اكتوبر عام 1994

كتبها من مصدرها  / أحمد محمود
أعدها للنشر / نيفين علي
Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات